الرأي

الرياضيات مادة أساسية لكل الناس

بقلم د. عثمان عبد اللوش
  • 1932
  • 15

نحن نعيش في وضع متناقض اليوم، فالرياضيات هي أداة لا يمكن الاستغناء عنها للتدريب على الصرامة والتفكير والتحليل السليم؛ فهي تطور الحدس والخيال والتفكير النقدي؛ كما أنها لغة العلوم وعالمية وعنصر ثقافي قوي. وهي تؤدّي أيضًا، من خلال تفاعلها مع العلوم الأخرى، دورًا متزايدًا في تصور وتطوير كل الأشياء في حياتنا اليومية. لكن هذه الحالة بشكل عام يتم تجاهلها تمامًا من قبل المشرفين على التربية والتعليم وأيضا غالبية المواطنين في الجزائر وأيضا في العالم، ما يُفقد الرياضيات أهمّيتها.
اليوم تجد، حتى في مواقع المسؤولية، من يتباهي بكونه “لا يفقه شيئا في الرياضيات”، أو يعترض على فائدتها.
ويمكن للمرء أن يجد لهذه المفارقة وتفسيرات عدم الفهم التي تتعلق بخصوصية الرياضيات. إنه تخصُّصٌ يتغذى على روابطه مع العلوم الأخرى والعالم الحقيقي، ولكنه يثري نفسه أيضًا: فالنظريات الرياضية لا تهدم، بل تبني على بعضها البعض.
على العكس من ذلك، وعلى الرغم من أن العديد من باحثي الرياضيات مهتمون بشكل أساسي بالجوانب الفكرية وحتى الجمالية لتخصصهم، إلا أن التطبيقات تنشأ أحيانًا بشكل غير متوقع. وبالتالي، فإن التطبيقات تثري البحث، لكنها لا تستطيع التحكم فيه بمفردها.
ويجب اليوم الحفاظ على هذا التوازن الدقيق بين عوامل التنمية الداخلية والخارجية. إن الرغبة في تحديد النشاط أو البحث في الرياضيات من خلال تطبيقاته المحتملة يعني جعلها تختفي. من ناحية أخرى، لقد أدى الإصلاح الذي وقع في المدرسة الجزائرية في ثمانينيات القرن الماضي بما يُعرف بـ”المدرسة الأساسية”، إلى تأخير تطوير ما يسمى الرياضيات العصرية والرياضيات التطبيقية في الجزائر، على عكس ما حدث في الماضي بالإتحاد السوفياتي وبعدها في الولايات المتحدة الأمريكية.

الرياضيات اليوم في كل مكان. من دونها، لا حواسيب، ولا نُظم معلومات، ولا هواتف ذكية، ولا وجود لوُرَش تصميم لمصنِّعي السيارات ولا ملاحة جوية، ولا وجود لأنظمة مواقع الأقمار الاصطناعية، ولا معالجة إشارات، ولا تشفير وفك تشفير، ولا تنبؤات جوية، وبطاقات ذكية، وروبوتات…

وفي الخامس من أكتوبر 1957، عندما عبَر أول قمر اصطناعي سوفياتي أجواء الولايات المتحدة الأمريكية، وبدأ بإرسال موجات، تم التقاطها من طرف محطات راديو مدنية وعسكرية أمريكية، وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية ثورة عارمة على المنظومة التربوية وخاصة منظومة تدريس الرياضيات من الحضانة إلى الجامعة، وتم البحث عن الخلل والتأخر الذي تعاني منه المنظومة التربوية الأمريكية.
وفعلا، قام الرئيس الأمريكي وقتها، بقرار ثوري في إعادة النظر في المنظومة التربوية وخاصة تدريس الرياضيات التي هي أساس العلوم والتكنولوجيا. وغالبا ما تكون عوامل التقدُّم على حدود مادة الرياضيات.
واستطاعت الولايات المتحدة الأمريكية بعد فترة قصيرة لا تتعدى الثلاث سنوات صناعةَ قمرها الاصطناعي وإرساله بنجاح إلى الفضاء.
واليوم، نحن نرحب بهذا، ورئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون أعطى أهمية كبيرة للرياضيات، بإنشاء ثانويات ومدارس عليا للرياضيات، ولكن علينا أن نصلح الخلل من الجذور وإعادة النظر في تدريس هذه المادة منذ السنوات الأولى، أي من الحضانة إلى الابتدائي فالمتوسط فالثانوي، وبهذا نستطيع تكوين جيل قادر على الإبداع في جميع مجالات الحياة العملية والتكنولوجية والإبداعية في الجزائر الجديدة. لقد أعادت الرياضيات، وأحيانًا أنشأت، روابط قوية مع العلوم الأخرى ومع العديد من القطاعات الاقتصادية.
لقد أصبحت اليوم الحدود بين الرياضيات البحتة والرياضيات التطبيقية غير واضحة: تُستخدم الرياضيات الأساسية لحل المشكلات الصعبة بشكل متزايد. وهكذا، وجدت مجالات مثل الهندسة الجبرية ونظرية الأعداد تطبيقات غير متوقعة في نظرية الترميز والتشفير. وبالمثل، تكثفت الروابط بين الرياضيات والتمويل لتقييم، أو حتى خلق، منتجات مالية متزايدة التعقيد، وفقًا لاحتياجات ومتطلبات الفاعلين الاقتصاديين.
ومع ذلك، لا يزال هناك عملٌ مهمّ للغاية في مجال الاتصال والتوعية والتبسيط، لتعديل صورة لم تتطور بشكل كافٍ، واكتشاف جميع عوامل الجذب ونقاط القوة في عالم الرياضيات وتطبيقاتها في الجزائر اليوم.
والغرض من هذه المقالات التي ستُنشر في “الشروق اليومي”، هو جعل الرياضيات معروفة بأكثر جوانبها تنوعا: العلمية والتقنية والثقافية والاجتماعية ؛ للتأكيد على تنوع وعالمية التخصص الذي يرتبط بالمعلوماتية والفيزياء والكيمياء والاقتصاد وعلم الأحياء وكذلك بالتاريخ والأدب والموسيقى والرسم.
الرياضيات اليوم في كل مكان. من دونها، لا حواسيب، ولا نُظم معلومات، ولا هواتف ذكية، ولا وجود لوُرَش تصميم لمصنِّعي السيارات ولا ملاحة جوية، ولا وجود لأنظمة مواقع الأقمار الاصطناعية، ولا معالجة إشارات، ولا تشفير وفك تشفير، ولا تنبؤات جوية، وبطاقات ذكية، وروبوتات…
بالإضافة إلى دورها كعلوم أكاديمية وتدريب أساسي في المدرسة، تنتشر الرياضيات في كل مكان في مجتمع اليوم. وهي تتبع التطورات العلمية والتكنولوجية الحالية وترافقها وتسبقها في بعض الأحيان، والتي تعتمد على نتائج أحدث الأبحاث الأساسية المعاصرة وكذلك تستفيد من الاكتشافات المتراكمة في الماضي.
أخيرا، تتزايد احتياجات الرياضيات مع تسارع التغيرات والإبداعات التكنولوجية. لا يمكننا الاستغناء عنها، عندما نواجه الحاجة إلى تطوير أو إتقان أو تحليل أنظمة ذات تعقيد متزايد.
لقد فهمت عدة دول مثل الولايات المتحدة، وروسيا والصين واليابان وبعض الدول الأخرى مثل الهند وماليزيا وسنغفورة وحتى الفيتنام هذا جيدًا، بزيادة دعمها المالي لتدريس والبحث في الرياضيات بشكل كبير.
فرصتُنا في الجزائر هي البدء عاجلا، في تغيير تدريس الرياضيات من الحضانة فالمدرسة الابتدائية وهكذا إلى غاية الجامعة، حتى تلتحق المدرسة الجزائرية بأفضل المدارس في العالم، وأن تصبح الثقافة الرياضية لتلاميذنا وطلابنا وأساتذتنا وعلمائنا ومهندسينا على مستوى جيد جدًّا على نطاق دولي. وأن تدخل الجزائر للمنافسة على ميداليات فيلدز، وهو ما يعادل جائزة نوبل في الرياضيات.

مقالات ذات صلة