الجزائر
حين تتحول المخالفة إلى خطر يهدد الأرواح

الرَكن العشوائي للسيارات يشعل فتيل الشجارات الدامية

سمير مخربش
  • 184
  • 0
ح.م
تعبيرية

يتحول الركن العشوائي للسيارات في العديد من الأحياء إلى مصدر يومي للتوتر والاحتكاك بين المواطنين، بعدما تجاوز الأمر مجرد مخالفة مرورية عابرة ليصبح سلوكًا اجتماعيا يهدد سلامة الناس ويعطل مصالحهم، بل ويعرض أحيانا حياة المرضى والمصابين للخطر، ويفتح الباب لاعتداءات خطيرة تل أحيانا الى جرائم قتل لا تغتفر.
ففي شوارع ضيقة وأحياء مكتظة، يتصرف بعض السائقين بلا اكتراث بحقوق الآخرين، فيركنون سياراتهم أمام مداخل المستودعات والكاراجات أو في وضعيات تغلق الطريق وتشل حركة المرور، تاركين أصحاب المركبات الأخرى أسرى بسبب تصرف طائش. وبين سيارات تسد المداخل وأخرى تحتل الأرصفة وثالثة تعرقل الطريق العام، يجد المواطن نفسه في مواجهة فوضى مرورية تعكس خللا أعمق في ثقافة احترام الفضاء العام.

من الإزعاج إلى خطر يهدد حياة الغير
وكعينة فقط من عاصمة الهضاب، تكفي حادثة عاشها أحد المواطنين بسطيف قبل أيام لتكشف حجم هذه الفوضى. فقد اضطر هذا الأب إلى التوجه بسرعة لنقل ابنه المصاب بجرح خطير إلى المستشفى، غير أنه فوجئ بسيارة مركونة أمام مستودعه مباشرة، ما حال دون إخراج مركبته. بحث طويل عن صاحب السيارة في الحي المجاور لم يسفر عن شيء، بينما كانت الدقائق تمر ثقيلة وسط قلق وخوف من تفاقم حالة الطفل. حادثة مشابهة عاشها مواطن آخر حين أراد نقل والدته المريضة على وجه السرعة إلى المستشفى، لكنه وجد نفسه عاجزا عن تحريك سيارته بسبب مركبة مجهولة أغلقت عليه المدخل واختفى صاحبها كأن الأمر لا يعنيه.
ولا تتوقف مظاهر الفوضى عند سد مداخل المستودعات فقط، بل تتفاقم أحيانا إلى درجة أن يعمد بعض السائقين إلى ركن سياراتهم إلى جانب سيارات أخرى، فيغلقون عليها الطريق كليا، في مشهد يتكرر يوميا في عدة أحياء. الأسوأ من ذلك أن بعضهم يترك مركبته بهذه الوضعية لساعات طويلة، غير آبه بتعطيل مصالح الناس أو احتمال وقوع حالات استعجالية.
المفارقة الأكثر إثارة للحيرة تظهر في محيطات بعض المساجد، حيث يفترض أن تكون السلوكيات أكثر انضباطا. ففي محيط مسجد عمار بن ياسر بحي عين موس بسطيف، يتعمد العديد من المصلين ركن سياراتهم بطريقة فوضوية، سواء بغلق الطريق العام أو التوقف في الجهة اليسرى للطريق أو سد ممرات العبور، وهو ما يتسبب في اختناقات مرورية حادة خاصة خلال أوقات الصلاة. ويبرر بعضهم ذلك بأداء الصلاة، رغم أن القيم الدينية تدعو أساسا إلى احترام حقوق الآخرين وعدم إيذائهم.
ويقول الشيخ ابراهيم بودوخة إمام مسجد العتيق بسطيف في حديثه عن هذه السلوكيات إن الصلاة التي يؤديها المسلم ينبغي أن تنعكس أخلاقا وسلوكا في الحياة اليومية، مؤكدا أن “إيذاء الناس أو تعطيل مصالحهم لا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال، لأن الدين يدعو إلى رفع الضرر عن الآخرين لا التسبب فيه.” ويرى أن احترام الطريق وحقوق المارة جزء من القيم الإسلامية التي ينبغي ترسيخها في المجتمع.

من الرَكن العشوائي تنسج خيوط جريمة قتل غادرة
من جهته، يؤكد أحد أعوان الشرطة أن الركن العشوائي يعد مخالفة مرورية صريحة يعاقب عليها القانون، خاصة عندما يتعلق الأمر بسد مداخل المنازل والمستودعات أو عرقلة حركة المرور.

ويشير إلى أن مصالح الأمن تتلقى باستمرار شكاوى من مواطنين عالقين بسبب سيارات مركونة بطريقة غير قانونية، مضيفا أن بعض هذه الحالات تتحول إلى مشادات كلامية حادة قد تتطور إلى اعتداءات جسدي وجرائم خطيرة.
وتكشف حوادث سابقة أن النزاعات المرتبطة بالركن العشوائي ليست مجرد خلافات عابرة، بل قد تتحول في بعض الأحيان إلى جرائم خطيرة.

فقد سجلت ولاية سطيف سابقا عدة اعتداءات وحتى جرائم قتل بسبب خلافات نشبت حول مكان توقيف سيارة أو سد الطريق أمام مركبة أخرى، في مؤشر على خطورة هذه الظاهرة عندما تتقاطع مع التوتر والغضب.
ويؤكد المكلف بالإعلام بالمديرية الولائية للحماية المدنية بسطيف في تصريح للشروق أن هذه السلوكيات “تشكل خطرا حقيقيا في الحالات الاستعجالية، إذ قد تؤخر وصول المصابين أو المرضى إلى المستشفيات، كما قد تعرقل مرور سيارات الإسعاف أو شاحنات الإطفاء في الأزقة الضيقة.”ويشير إلى أن دقائق قليلة قد تصنع الفارق في إنقاذ حياة إنسان، غير أن سيارة مركونة بطريقة عشوائية قد تتحول إلى عائق قاتل.

ولا تقف الآثار السلبية عند حدود السائقين فقط، بل تمتد إلى فئات أخرى من المجتمع. فكثيرا ما تتحول الأرصفة المخصصة للمشاة إلى مواقف عشوائية للسيارات، ما يجبر المارة على النزول إلى الطريق ومواجهة خطر المركبات المارة. أما ذوو الاحتياجات الخاصة، خصوصا الذين يستعملون الكراسي المتحركة، فيجدون أنفسهم أمام حواجز معدنية من السيارات المركونة فوق الأرصفة أو أمام المنحدرات المخصصة لهم، ما يضطرهم إلى طلب المساعدة لعبور بضعة أمتار فقط.
ويرى بعض المختصين أن انتشار هذه الظاهرة يرتبط بعدة عوامل، منها ضعف الوعي المدني لدى بعض السائقين، وغياب ثقافة احترام الفضاء العام، إلى جانب الضغط المتزايد الذي تعرفه المدن بسبب ارتفاع عدد المركبات مقابل محدودية أماكن التوقف المنظمة. كما يشيرون إلى أن بعض السلوكيات الفردية تتحول مع الوقت إلى عادة اجتماعية تنتقل بالتقليد، ما يجعل الظاهرة أكثر انتشارا وتعقيدا.
في ظل هذه المعطيات، تبدو الحاجة ملحة إلى معالجة متعددة الجوانب تجمع بين الردع القانوني والتحسيس المجتمعي. فتكثيف الرقابة المرورية وتطبيق العقوبات يمكن أن يحد من هذه الممارسات، لكن الأهم يبقى ترسيخ ثقافة احترام الطريق والغير، باعتبارها سلوكا حضاريا يعكس وعي المجتمع.
وبين القوانين الرادعة والنداءات الأخلاقية، يبقى الرهان الحقيقي هو وعي السائق نفسه بأن مكان توقف سيارته قد يكون الفارق بين إنقاذ حياة إنسان أو تعريضها للخطر، وأن دقيقة من اللامبالاة قد تتحول إلى مأساة لا تُنسى.

مقالات ذات صلة