الرأي

الزائر المفاجئ!

يتعامل الجزائريون، سلطة وشعبا، مع شهر رمضان الكريم، وكأنه زائر مفاجِئ، يدخل البلاد على حين غفلة، أو أنه عائد إلينا بـتطوّرات جديدة، تتطلب تغيير طريقة استقباله ومواجهته بين موسم وآخر، بكثير من الخوف والحيطة والحيلة، وكأنه سينال من حياتهم، أو سيبتليهم بأرزاء الدنيا ويدخلهم في كوابيس لا نهاية لها.

ما عاد بعض الناس يترقبون الهلال قبل رمضان كما هو شائعٌ في السُّنة النبوية وفي تقاليد الجزائريين عبر العصور، بل يبدأ ترقبهم من شهر رجب، والترقب لا يعني الواجبات الدينية الملزم بها كل مسلم خلال شهر الصيام، من تقوى وورع والتفرّغ للعبادة وترك الشهوات والتي أهمّها الطعام، وإنما من أجل تخزين الغذاء بكميات كبيرة، وكأنهم مقبلون على حرب ضروس تتطلب كل هذا الإنفاق أو على مجاعة وشيكة، تتطلب كل هذا الإسراف في الاستهلاك حدّ التخمة.

الأصل في الصوم، هو الامتناع عن الأكل والشرب، طوال النهار، طلبا للتقوى المرجوّة، والاقتصاد على مدار الشهر من دون الإضرار بالذات، وبدلا من أن يرتاح المسلم من وباء اللهفة والمبالغة في الأكل الذي عذّب البشرية بأمراض جديدة ارتبطت بالاستهلاك المفرط للطعام، من سُكّري وسمنة وأمراض قلب وكِلى وكولسترول… وصار الشهر الكريم وبالا على الكثير من العائلات التي تجد نفسها في حالة إفلاس، وهي تقذف أموالها أو تُذوّبها وتُحرقها أمام محلات الحلويات واللحوم والفواكه والمشروبات، القادمة عبر حاويات تُبهج البلدان المنتِجة والمصدّرة لها، وتنعش بها اقتصادها، حتى أنك تتخيل ترقّب المُورّدين الأوروبيين والأمريكيين والصينيين لهلال رمضان فيفرحون بقدوم شهر الصيام، بل إنهم يترقّبونه أكثر منّا، لأنه يُنعش اقتصادهم بسبب لهفتنا على أكل الزبيب القادم من إيران والبرقوق الأمريكي والحليب الفرنسي واللحم البرازيلي والموز الإكوادوري… وتكاد خارطة الكرة الأرضية تُختصر على مائدة الصائم الجزائري، بين الطناجر والصحون والأكواب، وحتى في سِلال القمامة.

كل تطمينات الحكومة ورهاناتها في الوقت الراهن، على توفير المواد الغذائية بكل أنواعها كمّا ونوعا، عبر منح رُخص استيراد اسثنائية، من خلال اتفاقات عاجلة لشراء القمح والحليب والزيت والسكر وقهوة وشاي وغيرها من المواد الاستهلاكية التي تتسيّد كل بيت جزائري، تحضيرا لشهر الصيام، وتمكين الناس من السيولة المالية في مراكز البريد والبنوك من أجل صرف أموالهم التي ستحوّل إلى أسواق الغذاء. والذين يقولون إن الفرد الجزائري ينفق من ماله في رمضان ضِعف ما ينفق في بقية شهور السنة، بسبب الغلاء في الأسعار فقط، مخطئون، أو على الأقل كانوا دون تقديم كل الحقيقة، لأن السبب الرئيس، يكمن في الإنفاق الجنوني للفرد الجزائري، الذي حوّل شهر الامتناع عن الأكل، إلى عيد للأكل بامتياز، مع سبق ترصُّد يبدأ من رجب إلى شعبان، وإصرار على مدار أيام شهر رمضان.

مقالات ذات صلة