الزلزال دمّر بيوتنا.. والرعب يقتلنا
لايزال سكان خمس بلديات متضررة من الزلزال الأخير الذي ضرب ولاية المدية يعيشون حالة من الرعب والهلع، ويبيتون في العراء من هول الصدمة، وكذا الأضرار الجسيمة التي لحقت بمنازلهم جراء قوة الهزة الأرضية التي بلغت 5.3 درجات على سلم رشتر، خاصة مع استمرار الهزات الارتدادية.
الشروق انتقلت أمس إلى عين المكان لتفقد آثار الكارثة على مستوى بلديات القلب الكبير والميهوب والعزيزية.. البداية كانت ببلدية الميهوب وتحديدا بفرقة أولاد سميدة التي تضررت سكناتها المشيدة من الطوب بشكل كبير، حيث تشققت جدرانها وانهارت أجزاء كبيرة منها ليصبح قاطنوها بين ليلة وضحاها في العراء، وتتضاعف معاناتهم بعد ما ذاقوا لسنوات الويلات بسبب العزلة والتهميش نتيجة انعدام الماء والغاز والوضعية المزرية للطرقات.
انهيار عشرات السكنات ومواطنون تحت الصدمة…
ويقول أحد سكان هذه القرية “لقد عانينا كثيرا منذ سنوات وزاد الزلزال من حجم المعاناة”، مشيرا ان الهزة التي ضربت المنطقة منتصف الليل يوم السبت أثارت الرعب في نفوسهم، ما يجعلهم يهرعون للخروج من منازلهم المبنية بالطوب مخافة انهيارها على رؤوسهم، مشيرا أنهم منذ سنة 2013 تلقوا الوعود بتسوية وضعيتهم وتقديم إعانات لبناء السكنات، لكن دون جدوى، وعن شعورهم بعد الهزة الأخيرة.. أجاب قائلا “أضحى الخوف يتملكنا كل لحظة.. لم يعد بإمكاننا الدخول إلى منازلنا بعد ما انهارت أجزاء كبيرة منها وبتنا نقضي الليل كله في العراء، خاصة مع تواصل الهزات الارتدادية”.
… بعدها توجهنا مباشرة نحو مركز الهزة وهي فرقة رحات علال، وهي المنطقة التي تضررت بشكل كبير كغيرها من المناطق جراء قوة الهزة حسب شهادات السكان، وتسببت في انهيار بنايات بأكملها منها ما شيد منذ فترة قصيرة بالخرسانة، أما البنايات المبنية بالطوب فقد أتى الزلزال عليها بالكامل، ما أدى بالعائلات إلى مغادرة منازلها والمبيت في العراء في ظل عدم وصول المساعدات التي قررتها السلطات الولائية.
ويقول احد سكان المنطقة “حقيقة، نجونا من الموت بأعجوبة.. انظروا كيف تحولت هذه البنايات التي لم يمر على تشييدها سوى سنة إلى ركام.. ما يدل على ان الهزة كانت قوية جدا”، بينما تضرر منزل احد المتضررين بشكل تام، كونه مشيد بالطوب، حيث نجا قاطنوه من موت محقق مثل ما رووه لـ”الشروق”.. وقال احدهم “كانت الساعة تشير إلى الواحدة صباحا فجر الأحد حين أحسسنا بالهزة.. فتملكنا خوف كبير ولم نشعر حتى ونحن خارج البيت.. لنستفيق بعدها من هول الصدمة ونقف على آثارها”، ليضف “لم يعد بوسعنا دخول المنزل بسبب الأضرار الجسيمة التي لحقت به، فالعودة من المنزل بمثابة انتحار”.
الهزات الارتدادية ترعب السكان وتجبرهم على المبيت في العراء
وتسببت الهزة في تشقق الأرض وانجراف عميق للتربة وسقوط أشجار، وبمجرد وصولنا إلى احد المنازل حتى حدثت هزة ارتدادية ففر الجميع، خاصة وأننا كنا بداخل إحدى البنايات المهددة بالانهيار في اية لحظة، وقال المرافق إن هذه الهزات تسببت في مقتل شخص في الخمسينيات من العمر نتيجة مضاعفات مرض مزمن عقب الهزات الارتدادية أمس.
فيما اعترف مسن نجا من موت محقق مثلما وقفت عليه الشروق بعد انهيار جميع أجزاء منزله وقال “لقد كنت نائما حين ضربت الهزة الأرضية ولم استفق حتى وجدت نفسي خارج المنزل، والحمد لله قد عدت إلى الحياة بعد ما كدت أن ألقى حتفي، لقد انهار منزلي بالكامل وأضحىت العودة إليه خطرا على حياتي”.
واعترف السكان أن الهزة خلفت خسائر بشرية ومادية معتبرة بدليل تضرر جميع البنايات الواقعة بمداشر وقرى البلدية، ولم يسلم من قوة الزلزال حتى العمارات الجديدة والبنايات المشيدة حديثا، كما قال السكان ان ثلاث ابتدائيات أصيبت بتشققات عديدة واحداها انهار جزء كبير منها إلى جانب انهيار مقهى وتصدع منشآت عمومية، مطالبين السلطات برفع عدد الإعانات لأكثر من 450 إعانة التي أعلن عنها الوزير بسبب ما خلفه الزلزال.
إعانات الولاية لم تصل.. والسكان متذمرون
وعبر السكان عن تذمرهم الواسع من تنصل السلطات المحلية والولائية من جميع مسؤولياتها وإخلالها بالوعود التي قطعوها على المواطنين عقب زلزال 2013 والمتمثلة في منح إعانات لتشييد سكنات لائقة وترميم أخرى، عقب الهزة الأرضية التي ضربت المنطقة آنذاك، مشيرين أن كل الوعود ذهبت هباء منثورا، “فلم نحصل لا على إعانة ولا على ترميم ولم تتحرك التنمية قيد أنملة” يقولون، وفتح محدثونا النار على السلطات المحلية والولائية التي لم تقم –حسبهم- بالواجب، فلا المساعدات التي صرح الوالي بتخصيصها للمنكوبين وصلت ولا الخيم نصبت ولا حتى اللجنة الولائية التي نصبت لإحصاء المتضررين زارت العائلات المنكوبة حسب محدثينا.
وأضافوا أنهم لايزالون يعيشون الرعب منذ شهرين، خاصة بعد الهزة القوية مادامت الهزات الارتدادية مافتئت تضرب المنطقة، وهو ما جعلهم يقضون يومياتهم بالعراء خوفا من انهيار السكنات على رؤوسهم.
وبمناطق مزغنة والقلب الكبير والعزيزية ومغراوة فقد خلفت الهزة أضرارا جسيمة ببعض البنايات، ما دفع أصحابها إلى مطالبة السلطات بالإسراع في التكفل بهم.
دراسة جديدة لمركز “كنريب” يحذر:
النشاط الزلزالي يهدد 12 ولاية بسبب البناء العشوائي
أدرجت آخر دراسة للمركز الوطني للدراسات والأبحاث المتكاملة للبناء “كنريب” 12 ولاية، تضم سكنات شيدت بطريقة عشوائية مما يجعلها مهددة بالسقوط، بسبب تصنيفها في خانة الأكثر عرضة للنشاط الزلزالي. وحسب تصريحات نائب مدير الأبحاث بالمركز لـ “الشروق”، فعدد الولايات التي تضم سكنات عشوائية ارتفع من 8 ولايات في 2014 إلى 12 ولاية هذه السنة، وذلك كون هذه الولايات مدرجة في خانة الأكثر عرضة للنشاط الزلزالي، على غرار ولايات بومرداس، تيبازة، المدية، البليدة، البويرة، الشلف، الجزائر العاصمة، عين الدفلى، بجاية وسطيف وغيرها.
خبراء: 30 بالمائة من البنايات مهددة بالانهيار في حال حدوث زلزال عنيف
ويقول محدثنا إن المركز الوطني للدراسات والأبحاث في البناء وضع شروطا جديدة لتشييد سكنات تتماشى مع مناخ كل منطقة، حيث يحمل هذا المخطط الذي تم رفعه إلى وزارة السكن والعمران خريطة جديدة لبناء سكنات تراعي الخصوصيات المناخية والجيولوجية لكل منطقة، سواء تعلق الأمر بالزلازل أو الفيضانات أو الحرائق، مع إخضاع البنايات إلى مقاييس تقنية وقانونية منها دراسة واختيار الأرضية التي تنجز فيها هذه الأخيرة وتطبيق قانون البناء، من خلال عزل البناية حيث تمكن هذه التقنية التي لا تطبق على كل البنايات من خفض قوة الزلزال، مثلما عليه الأمر في المشاريع الكبرى، قيد الإنجاز على غرار المسجد الأعظم الذي يتم تشييده وفقا للمعايير المضادة للزلازل، وهو البرنامج المعتمد في العديد من الدول المتقدمة.
أما بخصوص المقاييس المعتمدة في تحليل الأخطار بالنسبة للمؤسسات الكبرى، فقد اعتمد المركز على تحليل الآثار المحتملة على السكان في حالة وقوع الكوارث الطبيعية وكيفيات تنظيم أمن المواقع، فضلا عن وصف الأماكن المجاورة للمشروع والمحيط الذي يتضرر في حالة وقوع حادث يشمل المعطيات الفيزيائية والجيولوجية والهيدروجينة والمناخية، إلى جانب الشروط الطبيعية على غرار الطبوغرافية ومدى التعرض لزلازل، خاصة أن النشاط الزلزالي المسجل في الجزائريصل إلى 100 هزة في الشهر.
بعد خسائر المدية.. رئيس المجمع الوطني للخبراء المهندسين:
30 بالمائة من البنايات مهددة بالانهيار في حال حدوث زلزال عنيف
قال رئيس المجمع الوطني للخبراء المهندسين بوداود عبد الحميد، بأن ما يقارب 30 بالمائة من السكنات المبنية في العشرية الأخيرة مهددة بالانهيار في حال وقوع زلزال مماثل الشدة لزلزال ماي 2003، بسبب عدم احترام المقاييس المعمول بها في البناءات المضادة للزلازل، وانعدام المراقبة في بعض ورشات البناء.
وأكد بوداود لـ”الشروق” أمس على أن ما وقع لبنايات وسكنات جديدة في بلديات ولاية المدية في الزلزال الأخير الذي ضرب بلدية الميهوب وبلغت شدته 5.3، كان متوقعا نظرا لعدم احترام بعض أصحاب المشاريع للقوانين والمقاييس المعتمدة في البناء، موضحا بأن المشكل لا يكمن في القوانين، لأن الجزائر تملك ترسانة لا بأس بها -يضيف- خاصة بعد زلزال بومرداس المدمر في 2003، لكن لا يوجد –حسبه- رجال يطبقون هذه القوانين بصرامة، ومكاتب دراسات تقوم بمتابعة مشاريعها في الورشة، وأضاف بأن العديد من المشاريع تنطلق بمعايير مضادة للزلازل في الدراسات الأولية، لكنها في أرض الواقع لا تطبق بحذافيرها، وكل هذا –يقول الخبير- بسبب انعدام المراقبة وعدم توفر مخبر متنقل في الورشة.
وأشار بوداود إلى أن أغلبية المشاريع السكنية والإنجازات التي تقام في الجزائر تفتقر للإمكانيات وتجهيزات البناء المنصوص عليها في القوانين، لدرجة أن هناك عمالا يشتغلون بتقنيات بدائية وبدون حماية، وكل هذا في نظره يلعب دورا في إتقان وتطبيق المعايير التي يقرها مكتب الدراسات، والذي بدوره لا يقوم بمراقبة ومرافقة المشروع إلى نهايته، كما أكد ذات المتحدث على أن العينات التي يتم فحصها غالبا ما تكون عينات مطابقة مائة بالمائة، لكن الواقع مغاير، لو تمت المراقبة وفحص عينات في مخبر متنقل مثلما تقوم به دول الجوار والدول الكبرى، ولفت الانتباه إلى الإسمنت المستعمل في البناء والذي تصل مدة صلاحيته في الغالب إلى ثلاثة أشهر، لكن الكثير من أصحاب المشاريع يغضون الطرف ويستخدمون إسمنتا تجاوزت مدة صلاحيته في ظل انعدام رقابة صارمة وحقيقية، وكذا عدم وجود تكوين لليد العاملة في البناء، متسائلا عن دور معاهد التكوين المهني في هذا المجال، وسبب عدم تجاوز مشكل نقص اليد العاملة الفادح.
وقال رئيس المجمع الوطني للخبراء المهندسين بأن المشكل في تطبيق القوانين وعدم وجود مراقبة لورشات البناء، مرده لعدم الاستعانة بخبرة المهندسين ومكاتب الخواص، ليؤكد على أن الكثير من البنايات في الجزائر وخاصة في المدن الصغرى التي تنعدم فيها المراقبة مهددة بالانهيار في حال حدوث زلزال تصل شدته 6 درجات، ليدعو إلى ضرورة احترام المقاييس والقوانين وتكثيف المراقبة الدورية والمفاجئة في ورشات البناء حتى لا تكون الكارثة.