“السحر” والمال السريع.. هكذا تصطاد شبكة غامضة ضحاياها من خلف الشاشات
حذّرت تقارير إخبارية وجهات رسمية في بعض الدول من شبكة إجرامية تستدرج ضحاياها من مختلف أنحاء العالم، مستغلة حاجتهم إلى المال ومعتقدات مرتبطة بالسحر، لإيقاعهم في مصيدة احتيال تستنزف أموالهم بلا رحمة.
في لحظة ضعف، وبينما يبحث شخص مثقل بالديون أو الأزمات المالية عن مخرج سريع، قد تصله رسالة تبدو في ظاهرها كأنها طوق نجاة: “هناك مساعدة مالية في انتظارك”، أو “تم اختيارك للحصول على مبلغ من المال”.
كلمات قليلة قد تكون كافية لفتح باب الأمل، لكنها في كثير من الحالات ليست سوى بداية رحلة طويلة داخل عالم من الخداع والابتزاز، حيث تختلط التكنولوجيا بالوهم، والاحتيال بالطقوس الغامضة.
من غرب إفريقيا، وتحديدا غانا، برزت ظاهرة تعرف باسم «ساكاوا» (Sakawa)، وهي تسمية ارتبطت بعمليات احتيال إلكتروني تستهدف ضحايا داخل البلاد وخارجها، قبل أن تتحول إلى واحدة من أكثر صور النصب الرقمي إثارة للجدل، بسبب ارتباطها في المخيال الشعبي بطقوس السحر والشعوذة المعروفة محليا باسم «جوجو» (Juju).
من رسالة عابرة إلى فخ مالي
تبدأ القصة غالبا برسالة من رقم مجهول على واتساب أو عبر حساب على فيسبوك. صاحب الحساب يبدو كريما، متدينا، وربما ثريا. يعرض مساعدة مالية، قرضا ميسرا، منحة أو فرصة للحصول على المال.
وبمجرد أن يبدأ الضحية في التفاعل، تتحول الرسائل تدريجيا إلى علاقة مبنية على الثقة. كلمات مطمئنة، عبارات دينية، ووعود بأن الفرج قريب، قبل أن يظهر الشرط الأول: “المال جاهز.. لكن هناك رسوم بسيطة يجب دفعها أولا”…
رسوم فتح ملف، مصاريف تحويل، إجراءات بنكية، أو أي ذريعة أخرى. وما إن يدفع الضحية المبلغ الأول، حتى تبدأ سلسلة لا تنتهي من الطلبات.. مرة تكون المشكلة في البنك، ومرة في الجمارك، ومرة أخرى تظهر “رسوم جديدة” لم تكن في الحسبان. وهكذا، تتحول المساعدة الموعودة إلى مصيدة مالية تستنزف الضحية تدريجيا.
ساكاوا.. عندما يلتقي الاحتيال بالوهم
ارتبط مصطلح “ساكاوا” في غانا بثقافة الاحتيال الإلكتروني التي تطورت من أساليب الخداع التقليدية، مثل الرسائل الاحتيالية والاحتيال العاطفي، قبل أن ترتبط في بعض الروايات والممارسات الشعبية بالاستعانة بمشعوذين وطقوس روحانية.
ويعتقد بعض ممارسي هذه الطقوس أن ما يعرف بـ”الجوجو” يمكن أن يمنحهم تأثيرا على الضحايا أو يجلب لهم المال والحظ، وهي معتقدات شعبية لا تستند إلى دليل علمي.
لكن الحقيقة الأكثر أهمية أن المحتال لا يحتاج إلى قدرات خارقة حتى يوقع ضحيته في الفخ.
الحاجة، والخوف، والطمع، والأمل في حل سريع للمشاكل المالية.. كلها أدوات أكثر فاعلية من أي طقوس غامضة.
“بابا زاكي”.. أسماء مزيفة بثوب ديني
وللوصول إلى ضحايا من العالم العربي، يلجأ بعض المحتالين إلى تغيير هوياتهم الرقمية بالكامل.. أسماء مثل “بابا زاكي” أو “ملاّم زاكي” أو ألقاب أخرى توحي بالثراء والوقار، قد تُستخدم لإضفاء نوع من المصداقية على الحسابات.
وترافق هذه الأسماء صور لرجال يرتدون ملابس تقليدية فاخرة، سيارات فارهة، رزم من الأموال، وسبائك الذهب الخالص، في محاولة لإقناع الضحايا بأن صاحب الحساب رجل ثري يمتلك القدرة على تقديم المساعدة، لكن خلف الصورة الفخمة والوعود الكبيرة، قد يكون هناك شخص ينتظر فقط أن يرسل الضحية أول مبلغ.
يغري هؤلاء المحتالون ضحايهم بفيديوهات الثراء الفاحش ولما يبدأ متابعون بطلب المساعدة المالية يتم استدراجهم إلى واتساب لتبدأ فصول اللعبة القذرة..
وأخطر ما في هذه العمليات أنها لا تعتمد دائما على طلب مبلغ ضخم منذ البداية، حيث يبدأ المحتال بمبلغ صغير نسبيا، لأن دفع مبلغ محدود يبدو أقل خطورة. لكن هذه الخطوة هي الاختبار الحقيقي.
فإذا دفع الضحية، يصبح أكثر عرضة للاستمرار، خصوصا عندما يقال له إن المال أصبح “قريبا جدا”، وإنه لا ينقص سوى رسم بسيط أخير، ثم يأتي رسم آخر، ثم مشكلة جديدة، ثم وعد أخير بالحصول على مبلغ أكبر وهكذا…
وبين كل مرحلة وأخرى، يكون الضحية قد دفع أكثر، وأصبح من الصعب عليه التراجع بسبب الأموال التي خسرها بالفعل.
لماذا ينجح المحتالون؟
يعرف المحتال أن الشخص الذي يعيش أزمة مالية قد يكون أكثر استعدادا لتصديق عرض يبدو مستحيلا في الظروف العادية. ولذلك، فإن الضحية لا يكون دائما شخصا ساذجا، بل قد يكون إنسانا وجد نفسه تحت ضغط الحاجة. وهنا تكمن خطورة “تجارة الأوهام الرقمية” فهي تستغل لحظات الضعف الإنساني وتحولها إلى فرصة للربح غير المشروع.
في ذات السياق، كانت سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في غانا قد حذّرت من تنامي عمليات الاحتيال المالي والعاطفي المرتبطة بغرب إفريقيا، مؤكدة أن هذه العمليات تستهدف أفرادا وشركات عبر أساليب متطورة تقوم على الإغراء بالأرباح السريعة والوعود بالحصول على مبالغ مالية ضخمة مقابل إجراءات تبدو في ظاهرها قانونية ومشروعة.
وأوضحت السفارة أن المحتالين يلجؤون إلى استخدام وثائق وأختام رسمية مزورة، وانتحال صفات مسؤولين حكوميين ورجال أعمال، فضلا عن طلب رسوم مسبقة بحجج مختلفة، مع التأكيد في كل مرة على أن المبلغ المطلوب هو “الدفعة الأخيرة” قبل تحويل الأموال. كما أشارت إلى أن الإلحاح والسرية المفرطة في التعامل يمثلان أبرز العلامات التي قد تكشف وجود عملية احتيال.
وفي الجانب العاطفي، حذرت السفارة من أشخاص يتعرفون إلى ضحاياهم عبر الإنترنت، ويبنون معهم علاقات عاطفية قد تستمر لأشهر، قبل الانتقال إلى طلب الأموال بحجج تتعلق بالعلاج أو السفر أو التأشيرات أو مشكلات شخصية. وأكدت أن عددا من هذه الحالات انتهى بخسائر مالية كبيرة، داعية إلى عدم إرسال الأموال إلى أشخاص لم تتم مقابلتهم وجها لوجه أو التحقق من هويتهم بطرق مستقلة.
كيف تحمي نفسك؟
القاعدة الأولى بسيطة: لا توجد جهة موثوقة تمنحك مبالغ مالية كبيرة عبر رسالة مفاجئة من شخص مجهول، ثم تطلب منك دفع رسوم مسبقة للحصول عليها. كما يجب عدم إرسال أي صور لوثائق الهوية أو جواز السفر أو البيانات البنكية إلى حسابات مجهولة، وتجنب فتح الروابط المشبوهة أو الدخول في نقاش طويل مع أصحاب هذه الحسابات.
وعند الاشتباه في عملية نصب، يبقى الحل الأكثر أمانا هو حظر الحساب والإبلاغ عنه، مع الاحتفاظ بالرسائل إذا كان هناك ضرر مالي أو حاجة لتقديم بلاغ رسمي.
وفي عالم أصبح فيه المحتال قادرا على الوصول إلى هاتفك برسالة واحدة، لم تعد الحماية مرتبطة فقط بكلمات المرور أو برامج مكافحة الفيروسات، بل أحيانا، تبدأ بسؤال بسيط:
هل يعقل حقا أن شخصا لا أعرفه قرر فجأة أن يمنحني المال؟ في الغالب، عندما تكون الإجابة واضحة، ينتهي السحر… وتنكشف الخدعة.