-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

السرقات العلمية لا تُكشف بالبرمجيات المستورَدة 

السرقات العلمية لا تُكشف بالبرمجيات المستورَدة 

اشتكى إليَّ الكثيرُ من طلبة الدكتوراه -بمن فيهم من بقيت أُشرف عليه- المقبلين على مناقشة مذكرة الدكتوراه من أنهم يواجهون مشكلة كبيرة في مجال النشر العلمي، بسبب عدم تدرُّبهم الكافي على إنجاز الأبحاث والمقالات العلمية القصيرة في مجال البحث العلمي في مرحلتي الليسانس والماستر بسبب هشاشة التكوين والتأطير من جهة، وبسبب ضآلة ومحدودية قراءاتهم واطّلاعاتهم وفقر زادهم المعرفي الذي يؤهِّلهم لكتابة بحث علمي رصين ومتزن ومبتكر.. 
وبسبب أنهم ملزَمون بتقديم بحث علمي بمواصفات خاصة من جهة ثانية، فضلا عن أنهم لم يعتادوا مثل هذه الإجراءات من جهة أخرى، وهي عقبة برمجيات جهاز كشف السرقات العلمية الذي اقتُني مؤخرا وسخِّر لغرض البحث ولمعرفة حجم ومدى وكمّ المعلومات غير الأصيلة والمتضمنة في ثنايا البحث، أي بعبارة أخرى: معرفة حجم السرقات العلمية المتضمَّنة في مثل هذه الأبحاث.. والتي كنا نقوم بها نحن الأساتذة المحكّمين تلقائيا وبحكم خبرتنا الطويلة والعريضة في عالم القراءة والبحث العلمي والمنهجي الأكاديمي، فنعرف حجم التضمين، وحجم وكمّ النقل الحرْفي، وحجم وكمّ الاقتباس، وحجم المعارف المنقولة والأصيلة.. ونستخرج النسب المئوية المتراوحة بين نسبة خمسين بالمائة معارف منقولة بكافة أشكال النقل العلمي المنهجي الأكاديمي المتعارف عليه بين أهل الاختصاص، وبين الكمّ المعرفي والإنشائي الذي يبدعه الطالب والمقدَّر بنسبة خمسين بالمئة، فالبحث نصفه لغيرك، ونصفه الباقي من إبداعك وابتكارك وإنشائك.
هكذا سار الأمر في مجال النشر العلمي عقودا من الزمن 1987-2023م الذي كانت تتخلله الكثيرُ من السرقات العلمية التي يعرفها أهل الاختصاص والتي سنبيِّن بعضا من ملامحها وتقنياتها الخفية لاحقا.
غير أن وزارة التعليم العالي، وبعد فضيحة طالب جزائري سرق مجموعة أبحاث باللغة الإنجليزية ونشرها باسمه، ما وضع الجامعة الجزائرية وباحثيها في حرج كبير وقدّم صورة سيئة عن باحثيها في شكل لصوص، وهو أمر مجانب للصواب بالجملة، ففي الجامعة الكثير من الباحثين الجادّين والعاملين، وفيها أيضا الأراذل واللصوص كما سنبين ذلك لاحقا… ولأجل تفادي هذا الخلل اقتنت الوزارة برمجيات من الغرب.

تأصيل البوصلة الحضارية
ولتأصيل وجهة نظري الحضارية الأصيلة في هذه المشكلة القديمة المتجددة، أودُّ أن أعرض تجربتي مع البحث العلمي، فقد ولجتُ مجال البحث الأكاديمي سنة 1983م سنة إعداد بحث مذكرة الليسانس بجامعة عنابة في قسم الآداب واللغة العربية ببحث موسوم (الصراع النفسي لدى البطل في الرواية الإسلامية قاتل حمزة لنجيب الكيلاني أنموذجا) تحت إشراف الأستاذ الدكتور الراحل (محمد نسيب نشاوي. ت 1987م) رحمه الله. ومن يومها وأنا أتعاطى ما يُتدارس في عالم المناهج البحثية العلمية الأكاديمية إلى غاية استيعابي رفوف المكتبة المنهجية التي يُرمَز لها في تصنيف ديوي العشري برقم (375)، وما يتوزع على أطروحات الفضاء البحثي المنهجي المتباين بين المدرستين الفرنكوفونية والأنغلوساكسونية وما يتبعهما من خليط المدرسة المنهجية العربية الهجينة، وإلى غاية تأليفي كتابي الذي استوعبتُ فيه كل ما كُتب وأُلِّف في عالم التخصص المنهجي الموسوم بـ(المدخل الوجيز لمنهجية البحث العلمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية والإسلامية وكتابة الرسائل العلمية) المُهدى لطلبة العلم على شبكة المعلوماتية بالرغم من سعي كثير من دور النشر إلى طباعته.
وعليه، فقد صحبت تخصص مناهج البحث العلمي منذ أكثر من أربعة عقود، فضلا على ذلك لم أكتف فقط بالتأليف في عالم مناهج البحث العلمي إلاّ في أواخر حياتي البحثية، فقد رافق تعلّمي مناهج البحث منذ إنجاز أول بحث علمي أكاديمي لي أن تدرّجت في سلم الكتابة العلمية حتى ألّفت إلى اليوم سبعين كتابا منشورا بينها أربعة كتب في سلاسل علمية محكمة زيادة على الكتب الجماعية المحكمة أيضا، ومائة وخمسين بحثا علميا أكاديميا منشورا وما يقارب ألف مقال صحفي مطول..
وتولّدَ لديّ تلقائيا -بسبب المزاوجة بين البحث والاطلاع والقراءة في فضاء البحث النظري المتخصص في الأبحاث المنهجية والكتابات المنشورة المُجسدة لتلك المساطر والقواعد المنهجية- حسٌّ أكاديمي ومنهجي بحثي متميز يخالف كل من كتب في المناهج ونظّرَ لها واكتفى كغالبية أساتذة علم النفس والاجتماع والفلسفة والأدب.. ونحوهم ممن نظر وكسر يديه عن شفع ما نظّرَ بالأبحاث التطبيقية المُجسدة لتلك النظريات.. وهو ما نراه في مناقشات الماستر والدكتوراه التي يتقعر فيها المناقشون في عالم المنهجيات النظري فقط، وإن ألجمته الحجة بفراغ سيرته العلمية من بحث يُجسِّدُ صحة ما يذهب إليه صمتَ وانكسر مصباحه المنهجي الخفيت.

حاسية كشف السرقات العلمية:
ومع هذه التجربة المزدوجة في عالم البحث العلمي، تولّدت لديّ حاسية معرفة السرقات العلمية بسرعة فائقة.. ولديّ كتابٌ عن السرقات العلمية في الجامعة الجزائرية لن يُنشر إلاّ بعد وفاتي وبوصيّةٍ مني إن كان أحد أبنائي يمتلك مثقالا من شجاعتي وجرأتي التي كلّفتني الكثير من قبل الجهات الوصية المحلية والمركزية.. كي لا يكتشف الفضاء الجامعي عموما وحقل العلوم الإنسانية والاجتماعية والإسلامية على وجه الخصوص حقيقة الكثيرين مهم.. ومن باب من ستر عورة المسلمين..
ولكني أمدُّ القائمين على الحقل الجامعي أنني كلما أجد أستاذا جامعيا هزيلا أو مشكوكا في أصالة انتسابه للعلم من الذين انتسبوا للجامعة بحكم العصبية القبلية والانتماء العصبي والعمل الوظيفي.. ونشر بحثا أو دراسة أو كتابا في حقل من الحقول المعرفية، أذهب إلى مكتبة الجامعة وأبحث يدويا في السجلّات ورفوف مكتبة الرسائل عن مجموع الرسائل والمذكرات (ماجستير، دكتوراه) وأحيانا (ماستر متميزة) التي يُشرف عليها أو كان عضوا مناقشا لصاحبها، وأحصر البحث في التخصص وأبدأ في القراءة والمطالعة، وسرعان ما أجد التطابق الحرفي بدءا من التعريفات والشروحات ووصولا إلى النقول والتضمينات والاقتباسات والنتائج والإحالات، بل ثمة من ينقل الأخطاء والزلات كما هي.. وثمة من ترقّى إلى درجة أستاذ محاضر بسرقة أبحاث طلابه.. وأُحيلكم على منشوراتهم مع بذل شيء من الجهد وساعتها ستكتشفون العار، بل ثمة من ترقّى إلى درجة بروفيسور ببحثٍ مسروق ليس فيه سوى أربعة أسطر.. وثمّة من سطا على رسالة بكاملها وغيّر عنوانها، وثمّة من سرق فصولا من رسالات غيره وألّف بها رسالة مع مشرف لا يقرأ ولجنة لا تقرأ، للأسف الشديد، ومنهم من بلغ شأوا عاليا في بلاد يكثر فيها الغش ويعلو فيها الرويبضة ويسمو ويتمتع في خيراتها ومناصبها كما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لكّع بن لكّع)..

سياق كشف السرقات العلمية
وأذكر وأنا بصدد إعداد موسوعة (معجم تراجم وسير أعلام الأوراس) منذ سنة 2014م إلى 2024م رفقة زميلي الأستاذ الدكتور عبد الباسط دردور أنه جلب لي كتابا عنوانه (معجم أعلام الجزائر خرّيجي الجامع الأعظم بتونس) للمدعو (خير الدين شترة) لعلّنا نستفيد مما كتب، وهذا الكتاب طُبع ثلاث مرات ونال صاحبُه جوائزَ مالية معتبرة جدا حسب تصريحه لي (الجزائر 2007م، تلمسان 2011م قسنطينة 2015م)، فلما بدأت القراءة فيه، وجدت أنه قد سرق كتابي (مدينة تبسة وأعلامها طبعة 2005م و2013م) دونما أدنى إشارة، وسرق كتاب (عبد الحليم الصيد أعلام بسكرة) وكتاب (أعلام طولقة لعبد الحق مواقي) و(تعريف الخلف برجال السلف للحفناوي) وغيره الكثير.. ولعلمكم لا يكتشف السرقاتِ العلمية إلاّ من أدمن على القراءة، فتتولد لديه حاسة الشك في عبارة (أين قرأتُ هذا الكلام؟) وسرعان ما يتذكره بسرعة ويذهب للبحث عنه فيجده بسرعة لأن عقل وذاكرة الإنسان أقوى بكثير من البرمجيات العميّة.. وهو الأمر نفسه الذي نصنعه مع أوراق الامتحان ولاسيما مع الغباء السلفي الذي يُحرِّم على الطلاب القراءة والاطّلاع والتعرُّف أو الاستماع على ما كتب غير السلفي فيُعدّون لهم ملخصات يحفظونها ويدوِّنونها كما هي في الامتحان وسرعان ما تكتشفها وتجمعها بسهولةٍ لتشابهها، وتمنحهم الصفر الجماعي.

عورات وعدمية البرنامج
والآن وفي ختام هذه المسيرة البحثية والمنهجية نتوجه إلى القائمين على هذه البرمجيات أن يصغوا إلى هذا النداء وأن يضعوا صوب أعينهم حتى لا يزيدوا الإثخان في حقل البحث والنشر العلمي الأكاديمي، فيُفسدوا من حيث ظنُّوا أنهم من المصلحين.. وليعلموا أن هذه البرمجيات نبتت وصُنعت في بلاد وعقل ومنهج غربي وغريب كلّ الغرابة عن طريقة التفكير والكتابة والمنهجية العربية الخاصة بالبحث في مجال العلوم الإنسانية، فلا يصلح البتة وهو يعتبر أن من استشهد بآية قرآنية مكوّنة من أكثر من سبع كلمات أنها “سرقة علمية”، فلو أراد باحثٌ أن يُثبت كذب وتزوير وتزييف أحبار اليهود لعنهم الله حقيقة نبييّ الله داوود وسليمان عليهما السلام من أنهما نبيّان وليسا ساحرين كما هو شائع ذلك تاريخيا منذ سنة 80 ق.م إلى سنة 625م تاريخ نزول سورة البقرة؛ أي ما يقارب ثمانية عشر قرنا، وليصحح التاريخ المزوَّر من قبل اليهود الملعونين، فلو نقل الواحد من الباحثين آية ووضعها ضمن قوسين ووضع النقطتين وأشفعها بقوسين صغيرين وقال (سورة البقرة: آية 101 و102) لاكتشف الجهازُ المستورَد أنها “سرقة علمية”، كقولنا (..واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر وما أُنزل على الملكين ببابل وهاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهم ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن من اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون))، (البقرة: 101، 102) فيا لخيبة وفداحة هذه البرمجيات المستورَدة؟ ويا للسخرية من التبعية لهذه البرمجيات وفي الأمة الجزائرية عباقرة مجيدون مبتكرون لأفضل من هذه البرمجيات التي كلّفتكم الكثير من المال..
ولو أن باحثا في مجال المنهج التاريخي وأراد أن يقول إن فلانا قال عن فلان إنه خائن وعميل ومتعاون مع العدو الفرنسي وليس مجاهدا كما هو شائع.. واستخدم ضوابط المنهج العلمي في النقل والاقتباس لاكتشف جهازكم أنها “سرقة علمية”، فيا للسخرية.. ولو أن باحثا أراد أن يُعدّ دراسة بمنهج دراسة المضمون في الصحف أو الكتب ووجد نفسه محتاجا للنصوص كي يستشهد بها لقال جهازكم التائه “هذا نقل حرفي”.. وبالتالي، يستبعد بحثه.. وهكذا سائر الأبحاث!
فالرجاء ثم الرجاء أن تبعدوا جهازكم الجامد الجاف عن العبث بالبحث العلمي أو عدِّلوه أو حدِّثوه وفق الرؤية الصائبة، أو اصنعوا غيره، أو.. واستشيروا أهل الاختصاص.. أللهم اشهد أني بلّغت.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • على

    والله اشكر كاتب المقال ليس فقط على المحتوى الهادف في ما يخص القرصنة العلمية, ولكن ايضا للغته العربية الجميلة, يا ليت لنا الكثير من مثل هؤلاء المكونين في جامعاتنا فنحن في امس الحاجة إليهم, فقد كثر المزيفون و الغشاشون

  • أ.د عمر بوبقار

    وقعتم في أثناء استشهادكم بالآيتين الكريمتين من سورة البقرة في أخطاء خطيرة.وعليه فالرجاء التثبت و أخذ الحيطة والحذر عند توظيف النص القرآني..وإليكم نصكم بأخطائه ثم النص القرآني الصحيح. وبارك الله في جهودكم. (.إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهم ما يضرهم ولا ينفعهم ...))، ﴿ فيتعلمون مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا ينفععهم [ البقرة: 102]