اقتصاد
"الشروق" تبحث في خلفيات التقاذف والاتهام بين الوزارة والمنتجين

“السعر المقنّن” لحليب “الزوالية” في خبر كان!

الشروق أونلاين
  • 10099
  • 14
الأرشيف

أخذت أزمة الحليب، مؤخرا، “أبعادا خطيرة”، تجلت في تخلي العشرات من المحلات التجارية عن بيع الحليب المدعم، مقابل قيام بعض المنتجين الخواص بإغراق الخواص بحليب الأكياس “الموسوم” بالحليب الكامل والذي أضحى يباع بـ50 دينارا، ما يطرح تساؤلات حول خلفية منح الأطنان من البودرة المدعمة لمصانع تبيع الحليب بأسعار مضاعفة تحت عديد الأغطية.

القضية دفعت “الشروق” إلى فتح تحقيق بخصوص أزمة الحليب، التي بدأت ولم تنته منذ أشهر، ففي الوقت الذي سجلت أزمات من نفس الصنف لكنها طالما كانت مؤقتة، وتم احتواؤها بشكل سريع من قبل وزارتي الفلاحة والتجارة، إلا أن الأزمة الأخيرة كشفت عجزا فادحا لدى هذين الوزارتين في تسيير الأزمة، واحتواء المشكل وتفعيل الرقابة، والتدقيق في وجهة “بودرة” الحليب.

في بداية هذا التحقيق ارتأينا النزول إلى الشارع لجس نبض السوق، حيث توجهنا للعديد من البقالات التي كانت إلى أمد قريب تسوقه بوفرة، لتنقطع بشكل لافت للانتباه، حيث استقصينا وضعية المحلات والبقالات، التي غابت فيها بشكل لافت أكياس الحليب، استفسرنا تجارا عن أسباب ندرة الحليب المدعم فقال أغلبهم: “تخلينا عن تسويق حليب 25 دينارا.. وقررنا فقط الاكتفاء بالحليب الكامل الذي ينتجه الخواص”.

 

طوابير طويلة.. شجارات ورحلات بحث عن كيس حليب

وبخصوص الحليب الكامل الذي ينتجه ويسوقه الخواص، أكد بعض التجار أن هذا الأخير بات يمنح فرصة لتحقيق أرباح كبيرة لفائدة التجار، وعن سر رفع سعره بشكل قياسي في ظرف سنتين من 30 دينارا إلى 50 دينارا، فأكدوا أن الأمر بيد أصحاب المصنع وهم ما قرروا رفع سعره.

المواطنون يتساءلون عن سبب غياب الحليب المدعم في وقت يشهد الحليب الكامل وفرة لا مثيل لها، في وقت تؤكد الحكومة عدم تخليها عن دعم المواد واسعة الاستهلاك، فهل من المعقول أن يكون حليب البودرة المسوق بـ50 دينارا متوفرا بينما يغيب الحليب المدعم، أين هي وزارتا الفلاحة والتجارة؟

ويؤكد التحقيق الميداني، أن أغلب أصحاب محلات بيع المواد الغذائية قرروا مقاطعة تسويق حليب الأكياس المدعم، نظير اقتناء عشرات الصناديق الخاصة بالحليب المسوق بـ50 دينارا أو أكثر، في تصرف يطرح تساؤلات عديدة عن الجهة التي أضحت تدعم هذا المتعامل والذي أغرق الحليب بآلاف اللترات منه في مقابل انكماش كمية إنتاج الحليب المدعم، وهو ما يؤكد وجود فوضى على مستوى ديوان الحليب في توزيع غبرة الحليب المدعم.

وحسب عدد من المواطنين فغالب ما تشهد عملية تسويق الحليب التي تجري في وقت قياسي، شجرات عنيفة واعتداءات للظفر بكيس حليب، فضلا عن طوابير لا تنتهي، ما جعله يشكل صداعا للتجار والمواطنين “الزوالية” على حد سواء، وأشار محدثونا أنه في كثير من الأحيان تفرض شاحنات الحليب طوابير لا تنتهي.

 

تجار يتخلون عن المدعم وآخرون يفرضون “المضاربة”

وفي وقت يؤكد عدد من المستهلكين أنهم يدخلون يوميا في رحلة بحث “واسعة” عن مادة الحليب “المدعم”، في حين أنهم غالبا ما يجدون صعوبة في العثور عليه، مقابل توفر الأنواع الأخرى، ليؤكدوا أنه في ظل الأزمة، دخلت بورصة الحليب عالم المضاربة، حيث قرر عديد أصحاب المحلات التجارية رفع سعر”الحليب المقنن” بأغلب المتاجر إلى 30 دينارا لأي بفارق 5 دنانير إضافية.

ولم يعد يقتصر مشكل ندرة الحليب والتلاعب بأسعاره على بلديات وأحياء العاصمة فقط، حيث امتدت الأزمة  لتشمل مختلف الولايات الشرقية والغربية والوسطى والجنوب الكبير، ويقول أحد المواطنين -حسب ما وقف عليه مراسلو “الشروق”- إنه في الوقت الذي أضحى “الحليب المقنن” متوفرا نوعا ما مقارنة ببلديات أخرى وأحياء أخرى، اغتنم العديد من التجار فرصة “الفوضى” في الأسعار، وفرض متعاملون خواصا الحليب بأسعار مرتفعة تحت أغطية “متعددة”، حيث رفعوا سعر الحليب “الموسوم” بالحليب المقنن إلى 30 دينارا في حين انتهز تجارا فرصة توزيع الحليب المتذبذب لجني المزيد من الأرباح من خلال بيع سعر الحليب المدعم بـ 35 دينارا.

 

حجة توزيع الحليب على المقاهي واهية.. مصدر بمركب بئر خادم:

نتوقع أزمة خانقة في الأيام المقبلة

تقليص حصة الغبرة على المصانع ولّد المضاربة وسط الموزعين والتجار

كشف مصدر مطلع بمركب بئر خادم لإنتاج الحليب، لـ”الشروق”، أن سبب الأزمة في الحليب المدعم، مردها التقليص الكبير لتوزيع البودرة المدعمة من طرف الدولة على الملبنات والمصانع العمومية والخاصة، ما أدى إلى ندرة كبيرة، تولد عنها المضاربة في الأسعار.

وقال المصدر أن السبب الرئيس لعودة أزمة الحليب في الأسابيع القليلة المقبلة، مردها قيام الديوان الوطني للحليب بتقليص توزيع البودرة المدعمة على المصانع العمومية والخاصة إلى أدنى المستويات، ناهيك عن قيام بعض المصانع بتحويل كميات البودرة لإنتاج مشتقات الحليب على حساب هذه المادة الضرورية.

وأكد المتحدث أن حصة المصانع الخاصة العريقة تقلصت بالعاصمة مثلا إلى أدنى المستويات وباتت تتراوح من بين 20 ألفا و80 ألف لتر أي نصف الكمية التي كانت تنتجها هذه الأخيرة في الأيام العادية، وبالتالي تراجع العرض مقابل الطلب المتزايد، ولتتولد بعد ذلك الأزمة.

وأضاف محدثنا انه حقيقة عرفت الأزمة انفراجا في الأسبوع الأول من شهر جانفي بفعل تحرير الكمية الممنوحة للمصانع، ما أحدث توازنا بين العرض والطلب، إلا أن هذه البحبوحة حسبه ستبقى مؤقتة، كون الديوان عازم على تقليص الكمية إلى سابق عهدها، متوقعا أزمة عنيفة في مادة الحليب في الأيام المقبلة ما لم تتدخل وزارة الفلاحة وتعيد تحرير توزيع الكميات من البودرة على المصانع.

ووصف المتحدث الحجج التي تقدمت بها الوزارة بخصوص تحويل مادة الحليب إلى المقاهي ما ولد الأزمة، بالحجج الواهية، باعتبار أن المقاهي كانت تنال نفس الحصص التي كانت تحوزها في الأيام العادية، مؤكدا أن المشكل يكمن في تقليص الكمية لا غير، مستدلا بقوله أن ولاية كالبليدة باتت محرومة من “الحليب المدعم”، إلا ما يوزع من الحليب المنتج من قبل مركبي بودواو وبئر خادم، والسبب بيع مركب بني تامو لأحد الخواص والذي بدوره قلص كمية الإنتاج إلى أدنى مستوى مقابل تحويل الكميات الأخرى لإنتاج مشتقاته.

 

غياب الرقابة فرض المضاربة.. رئيس جمعية حماية المستهلك:

غرباء ينقلون الحليب عبر الشاحنات لبيعه في السوق السوداء

قال رئيس جمعية حماية المستهلك، مصطفى زبدي أن مادة الحليب باتت عرضة للمضاربة، من طرف التجار بفعل غياب الرقابة وحالة الفوضى التي باتت تطبع الأسعار، مشيرا أن سبب الأزمة لم يحدد لحد الآن ما يطرح حسبه العديد من التساؤلات.

وصرح زبدي لـ”الشروق”، ضعف هامش الربح في بيع مادة الحليب دفع الكثير من التجار إلى التخلي عن بيع حليب الأكياس المدعم والتوجه نحو أنواع أخرى، فيما ذهب البعض الأخر إلى رفع سعر “الحليب المقنن” إلى 30 و35 دينارا، مشيرا أن بيع هذه المادة الأساسية أضحى يتم بطريقة فوضوية جدا، بل أن بعض أصحاب الشاحنات باتوا ينقلون هذه المادة بين الأحياء لبيعها بطريقة غير قانونية.

ودق المتحدث ناقوس الخطر، جراء حالة الفوضى التي يشهدها قطاع إنتاج وتوزيع الحليب كغيره من القطاعات التجارية، ما أفرز حالة من “المضاربة” في أسعاره، مبرزا ضرورة احترام السلسلة النظامية لتسويق هذه المادة الاستراتيجية، من اجل تتبع نظام التوزيع من قبل الجهات المعنية.

وحمّل المتحدث وزارتي التجارة والفلاحة مسؤولية غياب الرقابة، مبديا استغرابه من عدم كفاية هذه المادة، على الرغم من أنها كانت متوفرة بشكل لافت خلال شهر رمضان لتختفي بشكل مفاجئ، فعلى الرغم من إعلان الديوان الوطني للحليب رفع حصة توزيع الغبرة على المصانع بـ200 ألف لتر، إلا أن الأزمة لا تزال على حالها.

مقالات ذات صلة