السعودية ـ قطر ـ مصر .. هل يعيد العرب ترتيب بيتهم؟
يتعرض العرب لعملية متعددة الوسائل والأساليب تستهدف وجودهم الإنساني ودورهم الحضاري المرتقب في واقع التدافع بين الأمم والشعوب.. وعندما يذكر العرب يذكر الإسلام كمنهج وكحضارة وتاريخ وفتوحات ورسالة رحمة للعالمين.. وعندما يذكر العرب ايضا فإن فيضا عظيما من القادة التاريخيين يتسارعون إلى الذهن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى صحابته الكبار وآل بيته العظام والعلماء والأئمة رضي الله عنهم.. اجل هؤلاء هم الذين حملوا مشعل الحرية وارتقوا بالانسانية، فماذا تبقى منهم بعد عاديات السنين وقاصمات الظهر من الفتن المتجددة؟ هل بقي من العرب شيء؟
يكاد القول يصبح قانونا بأن لا أحد من شعوب الأرض تعرض لمثل ما تعرض له العرب عبر قرون من الزمن، فلقد شمر الاستعمار عن ساعديه وأمعن في تدمير كل ما يمكن ان يصل اليه ثقافة وسياسة واقتصادا وذلك على اعتبار ان العرب مادة الاسلام وعموده الفقري وهم الرابط الاستراتيجي بين أممه وشعوبه، ولم تسلك العملية نهجا معينا ثابتا، فلقد شملت التشويه والطعن المعنوي والالتباس الثقافي والاختراق في منظومة المفاهيم والقيم لاستبدال هويتهم وتشويهها كمرحلة أولى في عملية القتل الحضاري.. وانتهى الأمر ببلادهم إلى حيث نرى تشتتا وتقسيما، وبشعوبهم إلى تناثر وتجزئة، وبثرواتهم إلى نهب واستحواذ من قبل الغربيين الاستعماريين ليقيم الغربيون الاستعماريون مدنيتهم وصناعتهم ورفاه مجتمعاتهم على جثة الأمة وثرواتها.. وتكلل ذلك كله بفقدان فلسطين والقدس مؤقتا على الأقل.
لم تتعرض الكتل الاسلامية الكبرى الأخرى ولم يصل بها الأمر إلى ما وصل اليه الوطن العربي، فأندونيسيا وتركيا وايران وباكستان ظلت في منآى عن عملية التقسيم الإثني مع ان كل منها يحتوي مكونات عرقية ومذهبية وثقافية وبالتأكيد هي ليست في منآى عن التخطيط الغربي؛ ولكن لمرحلة لاحقة ان استطاعوا.. فهم الآن يريدون ان ينتهوا من هذه الكتلة العربية لتتحول إلى إمارات متناثرة لكل منها راية وجيش او مليشيا وبضع آبار من نفط او موقع استراتيجي.
وفي موجة جديدة من موجات الاستعماريين نقلوا المعركة من الحدود بين الدول العربية المعاصرة إلى حروب وصراعات داخل المجتمع الواحد لتفسيخ نسيجه الانساني وتناثر مكوناته الإثنية الثقافية والعرقية والجهوية.. وكان الاستعماريون قد جهزوا لذلك أدواتهم الاعلامية والعلمية والأمنية يعاونهم في ذلك الجهل المستبد في نخب الأمة وقياداتها والضعف المسيطر على مؤسساتها والارتجالية في تخطيط دولها وهامشيته..
جاءت مرحلة الفوضى الخلاقة التي اطلقتها وزارة الخارجية الأمريكية والشرق الأوسط الجديد الذي اصبح سياسة واضحة للمؤسسات الأمريكية.. وللعلم فإن الشرق الأوسط الجديد يبدأ من جبال الأناضول إلى جبال الأطلس، كما ان ايران مشمولة فيه.. وللعلم ايضا فإن شمعون بيريز أول من اطلق مصطلح شرق اوسط كبير تكلم فيه عن مهمات متكاملة بين الكيان الصهيوني ودول عربية مع التخلص من قوى “التطرف والارهاب“..
لم يستطع العرب التقاط انفاسهم رغم انهم خاضوا غمار حرب تحريرية في اكثر من موقع كان لها الأثر الكبير على النخب الثورية في آسيا وافريقيا وامريكا للاتينية.. الا انهم طيلة قرنين من الزمن او اكثر وهم يتخبطون في دمائهم من طعنات في الصدر والظهر وضربات على الرأس، وكلما جاءت فرصة للصحو والنهضة، أسرعت أدوات الجريمة الغربية فيهم طعنا وقهرا.
لا بد من الاعتراف ان العرب في هذه المعركة الطاحنة فقدوا القيادة السياسية الواسعة المقتدرة الحكيمة التي يمكنها ان تنآى بهم عن التخبط وتوصلهم إلى بر الأمان وإلى الحالة التي يصعب فيها ان يتعرضوا لمثل ما نرى.. وفقد العرب النخبة السياسية والثقافية، أي المرجعية الضرورية لمجتمع أراد نهوضا وتماسكا.. وتكون قد تبلورت مرجعيات محلية هنا او هناك، لكنها دون ان تصل إلى مستوى المرجعية الفاعلة في مجموع العرب.
في هذه الظروف، ترك العرب فراغا مذهلا في الأمة الاسلامية لم تستطع ان تملأه اندونيسيا ولا باكستان ولا تركيا ولا ايران.. ومن غير المطلوب ان يملأ فراغهم أحد من مكونات الأمة البشرية.. لأنهم إن لم ينهضوا لانتشال دورهم من التمزق والتلاشي فإنهم سيصبحون عالة على كل مشروع من مشاريع الأمة معطلين له ومثبطين لهمته.. انهم ان لم ينهضوا لدورهم الطبيعي سيتحولون بحكم قانون “تبعية المغلوب للغالب” إلى أدوات بيد الاستعماريين ضد كل بؤرة مقاومة او بقعة ضوء في الأمة..
على ارضية هذا الشرح المتداخل بين السياسي والتاريخي والنفسي والحضاري، يبدو لنا المشهد ينتظر مبادرات تاريخية تعيد الصواب إلى نخب الأمة وطلائعها فتصحح لديها البوصلة وتنقذ شبابها من الفتن والحروب الداخلية وتوفر الإمكانيات والطاقات للقيام بدور حقيقي في نهضة لا بديل عنها ليسهم العرب كما هو الواجب عليهم في نهضة الأمة وتحقيق انتصاراتها.
كان وضع سوريا ومصر من عناوين الاختلاف بين دول عربية واسلامية، وحدثت استقطابات عمقت الارتباك، وتدفق الدم وهدرت الطاقات.. وبدا كأن الجميع في المشهد ما هم الا مفعول بهم خاضعون للتوجيه الخارجي على مسرح التدمير الذاتي.. فالذي يموت هم ابناؤنا والذي يهدر هي أموالنا والتي تدمر هي بيوتنا..
جاءت مبادرة العاهل السعودي بفض الاشتباك بين قطر ومصر خطوة في اطار حسابات اقليمية ودولية على ضوء أحداث العراق واليمن والبحرين وسوريا.. وهنا تتوارد الاسئلة والتساؤلات.. اين هو موقع الإخوان المسلمين الحركة السياسية العربية الكبرى من واقع لملمة البيت العربي.. هل تستتبع المصالحة القطرية المصرية مصالحات بين الإخوان والنظام المصري من جهة، والإخوان ودول مجلس التعاون الخليجي من جهة اخرى؟ ثم هل تستتبع محاولة لملمة البيت العربي الاقتراب من الملف السوري وسحب عناصر التفجير واستعادة سوريا وجودها في الإطار العربي بعد ان كانت مستهدفة من قبل البعض؟ وهل تكون لملمة البيت العربي على حساب علاقات العرب بجيرانهم الأتراك والايرانيين؟ وما هي رؤية البيت العربي نحو الجيران؟ ثم هل سيكون للقضية الفلسطينية والقدس والأقصى وغزة حضور على طاولة أولويات البيت العربي..
ان هناك اسبابا للتفرق السياسي بين الدول العربية، وان أي مبادرات او جهود يجب ان تأخذ في الحسبان تلك الأسباب والظروف، وان يصار إلى حلول لا تنشئ مشكلات جديدة تعقد الأوضاع وتثير العداوات وتعمقها .. نحن من البداية يجب ان نتأكد ان الأجانب الاستعماريين يريدون بنا شرا وفرقة وتناحرا.. لذا فإننا بحاجة إلى مبادرات تنهي أزماتنا الداخلية وأزماتنا الجوارية، والأمر يتطلب نوايا حسنة وهمة عالية ووعيا وقدرة ورؤية ومعيارا.. تولانا الله برحمته.