الرأي

“السفير”.. أفول مرحلة

صالح عوض
  • 1497
  • 0

غابت صحيفة السفير اللبنانية “صوت من لا صوت له” عن الصدور بعد أن تجاوزت عامها الأربعين بقليل.. غابت الصحيفة الأوسع انتشارا والأكثر استقلالا واستقرارا في خطها السياسي وقد رهنت نفسها لفلسطين والقضية الفلسطينية رغم ان موجات الطائفية احاطت بها في اكثر من مرحلة لخنقها وقتلها.. لم يتوقف قلب الصحيفة عن النبض بالانحياز لفلسطين وقضيتها وشعبها ولم تسقط طيلة عمرها المبارك في لغة الآخرين الملونة بالطوائف.

ماذا يعني رحيل السفير بعد هذا العمر.. لقد كانت صحيفة الوطن العربي في لبنان وصحيفة لبنان في الوطن العربي.. لقد كان المشهد تراجيديا فيما كان يوقع السيد طلال سلمان مدير الصحيفة على آخر ورقة رسمية في آخر جلسة في مكتبه، ثم يترجل بكبرياء تاركا العتمة والموت يلف المكان.. وفي الخارج كانت دموع الموظفين الذين كانت لهم السفير أكثر من صحيفة انها بيتهم وحلمهم ومشروعهم..

ماذا يعني رحيل السفير..؟ الصحيفة التي فتحت صفحاتها لكبار الكتاب العرب لبنانيين وفلسطينيين ومصريين وعراقيين.. فكانت مدرسة بجدارة لنشر روح الصمود وفضح المؤامرات على الأمة وفلسطين..تعرضت السفير لمحاولات ترهيب عدة أبرزها نسف مطابعها في سنة 1980 وأكثر من محاولة لنسف منزل صاحبها ورئيس تحريرها طلال سلمان ثم محاولة اغتياله في سنة 1984. هذا عدا عن استهداف مبناها بكثير من الصواريخ والعبوات الناسفة خلال الحرب الأهلية.

كانت الصحيفة اللبنانية الوحيدة التي لم تتوقف يوماً واحداً خلال الاجتياح الإسرائيلي (1982)، على رغم الحضور الإسرائيلي، في شوارع العاصمة.

يخيل إلى رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهيد ناجي العلي وهو يستوقف “حنظلة” وينزع منه يده ويضع فيها قلما ليكتب على جدران الغربة الفلسطينية “الآن سقطت قلعة من قلاع المقاومة والدفاع عن فلسطين”.

كان على طلال سليمان ان يلون خطابه بالطائفية او ان يرتمي في احضان من يؤجلون الهم العربي والفلسطيني من اجل هموم اقليمية وثانوية.. ولكن لأنه رافض للخضوع والتبعية لمنطق الجهل والردة كان عليه ان يدفع الثمن الأغلى ان ينسحب من المشهد بعد ان سدت الروح الطائفية ابواب الشمس وألبست الحقائق روايات محنطة.

لكن طلال سليمان ظل يعتبر ان فلسطين هي القضية وان وحدة الأمة هي السبيل وان لا منطق للتوحش الطائفي.. ولأنه هكذا لم تمتد اليه يد لتساعده على الصمود في حين تنفق ملايين الدولارات تدعم مشاريع اعلامية وليدة ذلك ليس لسبب الا انها تخدم رؤية وتفسير معين.

انها نهاية كاملة لمرحلة كانت فيها ثقافة المنطقة ثقافة أمة وليست ثقافة طائفة فكان الرحيل ليس لصحيفة السفير، بل لثقافة مرحلة.. وعندما خرج طلال سليمان من مكتبه أحسست بوجع كبير وانا استذكر ياسر عرفات الذي ما كان ليقبل ان تغلق السفير ابوابها فأين رجال المال العربي ليقفوا بحدود أمانتهم لدعمها وايقافها امام تحدي المال؟

مقالات ذات صلة