السلطة تستنسخ نفسها وتفوّت فرصة التغيير الهادئ
خيّبت نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت الخميس، آمال الجزائريين في التغيير، ومكنت النظام من استنساخ نفسه، بعدما تمكن حزبا السلطة، جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، من حصد الأغلبية المطلقة في المجلس الشعبي الوطني المقبل.
وفجّرت النتائج التي كشف عنها أمس، وزير الداخلية والجماعات المحلية، دحو ولد قابلية، واحدة من أكبر المفاجآت، ليس بسبب تصدر الأفلان النتائج، وإنما للعدد الكبير من المقاعد التي حصل عليها، والتي وصلت عتبة الـ 220، يضاف إليها نتيجة حزب أحمد أويحيى التي بلغت 63 مقعدا. وتكون هذه النتائج قد فاجأت حتى السلطة، التي مرت بواحدة من أصعب فتراتها خلال ما يقارب السنة والنصف بسب المخاوف من وصول مد “الربيع العربي” إليها، وهي المخاوف التي حتمت عليها الانخراط في مسار إصلاحات سرعان ما تبين أنه كان مجرد حيلة من السلطة لربح الوقت وتفويت الفرصة على حراك شعبي كان على فوهة بركان. وإذا كان التجمع الوطني الديمقراطي، قد تلقى صفعة قد تخسره نفوذه التمثيلي مقارنة بغريمه الأفلان، فإن الخاسر الأكبر في كل هذا، يبقى التيار الإسلامي، الذي خيب آمال أنصاره ولا سيما “تكتل الجزائر الخضراء”، المشكل من ثلاثة أحزاب، هي حركة مجتمع السلم، وحركتي النهضة والإصلاح، التي لم تحصل مجتمعة سوى على 48 مقعدا، في سيناريو لم يكن يتوقعه أكثر المتشائمين حتى من خارج هذا التحالف الذي ولد على عجل وفي ظل إرهاصات صعبة. وتزداد غرابة المفاجأة عندما نجد أن أبناء التيار الإسلامي بكامل تجلياتهم، لم يحصلوا مجتمعين سوى على 59 مقعدا، إذا ما احتسبنا ما حققتاه جبهة العدالة والتنمية، التي يرأسها عبد الله جاب الله (سبعة مقاعد)، وجبهة التغيير التي يرأسها الوزير الأسبق، عبد المجيد مناصرة (أربعة مقاعد). أما التيار الموصوف بـ”الديمقراطي”، فلم يشذ عن القاعدة، وحافظ على محدودية تمثيله، بالرغم من دخول جبهة القوى الاشتراكية، المعترك، حيث حصل بمعية حزب العمال، على ما مجموعه 37 مقعدا، 23 منها للأول والبقية للثاني. ومن شأن النتائج المسجلة أن تفوت على الجزائر فرصة سانحة للتغيير الهادئ، فالنظام وبالرغم مما يملكه من إمكانات ومخابر وأجهزة، عجز عن رصد توجهات الجزائريين قبل الانتخابات، وفشل في توجيه الرأي العام الوطني بما يوائم ظروف المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد، سيما في ظل المعطيات الإقليمية والرهانات الدولية، التي جعلت من البلاد، جزيرة في محيط هائج تتقاذفها الأمواج من كل جهة. أولى الصعوبات والتحديات التي ستواجه السلطة في ضبط بوصلتها بعد نتائج انتخابات “الخميس الأسود”، بحسب دعاة التغيير، بالرغم من الأريحية التي أوجدتها النتائج المحصل عليها، تتمثل في التشكيلة الحكومية المقبلة في ظل حالة التذمر التي اجتاحت الطبقة السياسية من جراء النتائج المسجلة. ويرى المتتبعون أنه من الصعوبة بما كان، أن تنجح السلطة في توسيع قاعدة المشاركة في الحكم، مثلما كان مع تجربة التحالف الرئاسي من سنة 2003 إلى 2011، والتي ضمت كافة العائلات السياسية، وطنيين ممثلين في الأفلان وديمقراطيين (بتحفظ) ممثلين في الأرندي وإسلاميين ممثلين في “حمس”، ما يعني أن البلاد ستعود إلى المربع الأول، لأن المتربصين في الداخل والخارج سوف لن يهضموا فوز حزب حكم البلاد طيلة خمسين سنة، ومعه حزب ولد بـ”شوانب تركية” في ظروف مشبوهة من رحم الإدارة، وترعرع في أحضان تزوير فاضح ومفضوح. وفي ظل هذه المعطيات، يتساءل المتتبعون عن مصير بعض الوجوه المحسوبة على التيار الإسلامي، وفي مقدمتهم وزير الأشغال العمومية عمار غول، الذي حقق نتيجة لافتة في العاصمة بنجاح قائمته في حصد 14 مقعدا(ما يعادل ثلث ما حققه التكتل الأخضر في جميع ولايات الوطن)، ومدى صبره على مغادرة الحكومة بعد الإنجازات التي حققها في قطاعه. وتبدو عودة “حمس” إلى الحكومة أكثر من مستبعدة بعد اليوم، بالنظر إلى الاتهامات والاتهامات المضادة، التي وقعت بين رئيسها أبو جرة سلطاني، وغريميه في التحالف عبد العزيز بلخادم وأحمد أويحيى، إثر انسحاب “حمس” من التحالف الرئاسي مطلع العام الجاري، فضلا عن أن قرارا من هذا القبيل يتطلب موافقة حركتي النهضة والإصلاح. غير أن المخرج الوحيد الذي قد تلجأ إليه السلطة لتجاوز معضلة توسيع قاعدة المشاركة في الحكم، يبقى إمكانية إنشاء حكومة غير متحزبة مشكلة من شخصيات تكنوقراطية، توكل لها مهمة الإشراف على تعديل الدستور في النصف الثاني من العام الجاري، وكذا تنظيم الانتخابات البلدية في أكتوبر المقبل.