السلمية سبيل جديد
ما تم تكريسه في مصر خلال أكثر من شهر كامل، يؤكد أننا أمة قادرة أن تقدم نماذج الهداية للسلوك البشري على صعيد الممارسة السياسية والدفاع عن الحقوق.. وهنا بالضبط نصبح مدعوين للافتخار بقدرتنا على أن نستمر في الخلاف والتصادم الحاد ولكن بأقل الخسائر.
في مصر قدّم المدافعون عن الشرعية المثال الإنساني الأرقى في كيفية عدم الانجرار إلى معارك ثانوية تغرق المجتمع في الدم، والاحتقانات التي لا تجد سبيلا للخروج منها.. وفي مصر كذلك قدّم هؤلاء المدافعون الذين يعدون في ذروة الحشد بعشرات الملايين أن القتل فيهم لا يبرر انزلاقهم للعنف أو الإرهاب، بل إنهم صابرون على وسيلتهم المثلى: “السلمية” وبهذا تمكنوا من الضغط على كل الضمائر في العالم على العدو والصديق والمحايد.. فلقد توسعت ساحات ميادينهم لتشمل معارضين أيديولوجيين لهم ومعارضين سياسيين، وتوسعت ميادينهم لا لتكون فقط منابر تحريض على استمرار الصمود بل ساحات ثقافة سياسية فريدة من نوعها، إذ أصبحت مسألة الحكم ليست طلاسم والدولة مكشوفة الجنبات أام ابن الشارع العادي، وفي هذا الصدد تزود المدافعون عن الشرعية بحوافز إضافية، أنهم أصبحوا ليس فقط مدافعين عن الشرعية مع أهميتها إنما هم مدافعون عن ثرواتهم ومؤسسات بلادهم وهذه قيمة إضافية للميادين.
شهر كامل من الصوم في حر القاهرة والصعيد ومطروح وعلى الإسفلت في ميادين مصر العديدة، أبدى المدافعون عن الشرعية قدرة متميزة في الإدارة والتنظيم وضبط النفس، وهذا أمر ليس بالسهل على جموع الملايين من الشباب لاسيما بعد كل حالة وقوع قتلى وجرحى..
شهر كامل لابد أن يقف العالم كلّه تحية إكبار وإجلال لهؤلاء المحترمين الذين نؤوا ببلادهم عن فتن الموت وخراب السلاح والقتل في المجتمع والتخريب.. شهر كامل شهادة مجللة بالدم والصبر والعناء يتسلمها المصريون باقتدار، وهم بهذا يكونون قد سجلوا أول ثورة شعبية بسلمية منقطعة النظير.
وفي بلداننا العربية يصبح هذا الشهر الكريم أو هذه الشهادة العظيمة التي تناولها المصريون بصبرهم.. يصبح هذا حجّة على كل أصحاب مشاريع المعارضة بأنه ليس أمامكم إلا السلمية داخل المجتمعات، وأما العنف فقط هو ضد المحتلين المستعمرين.. فليس أكثر من الابتلاء الذي أصيب به المصريون، فلقد أسقط البرلمان والدستور والرئيس أي كل إفرازات العملية الديمقراطية.. وواجهوا كل هذا بسلمية نادرة.
إن ما حصل في مصر يقول بملء الفم، إن الأمة قادرة على تقديم النموذج الأرقى على الصعيد السياسي في العالم.. وسيكون لهذا الصبر الجميل أثره البالغ في الصف الآخر المتصدي له بأن يقرّب المسافات، ولعل الله سبحانه يفرج كرب مصر ويخرجها من المأزق بأقل الخسائر، وحينذاك سيفرح المؤمنون.