السندات تمتصّ أموال “الشكارة” وتخلق أزمة سيولة
تراجعت السيولة المالية المتداولة في السوق الرسمية بحوالي 70 بالمائة، الأمر الذي يفرض على بنك الجزائر في القريب العاجل طبعا إضافيا للدينار من دون مقابل بالعملة الصعبة، قصد إنعاش السوق المالية الداخلية المتأثرة بتراجع مداخيل النفط ولجوء الدولة إلى الساحة المالية عبر القرض السندي، الأمر الذي ينتج بصفة آلية ارتفاعا في نسبة التضخم والذي يعني بلغة بسيطة ارتفاعا عاما في الأسعار.
كشف الوزير الأول عبد المالك سلال، خلال لقائه مع المستثمرين بولاية تيزي وزو أن الجزائر لا تعاني من أزمة في العملة الصعبة، وإنما مشكلة الساحة المالية في الوقت الراهن تكمن في السيولة بالقيمة الوطنية، وهي المعلومة التي فجرها سلال من دون أن يتطرق إلى الحلول التي ستلجأ إليها الحكومة لمعالجة “الندرة” في الدينار.
في الموضوع أوضح الخبير الاقتصادي عبد الرحمن مبتول في اتصال للشروق أن “أزمة السيولة” مردها إلى ثلاثة أسباب رئيسية، أولها: يتعلق بتراجع مداخيل الجزائر من النفط والتي تعتبر المقابل الذي يعتمده بنك الجزائر في تمويل الساحة المالية بالدينار، ويقول مبتول “وعلى اعتبار أن المداخيل بالعملة الصعبة تراجعت بحوالي 70 بالمائة، فتمويل الساحة المالية من قبل بنك الجزائر تراجع بنفس النسبة”.
ويضيف محدثنا أن لجوء الدولة إلى الساحة المالية الداخلية عن طريق القرض السندي نتج عنه ما يعرف بلغة الاقتصاد تجفيف السيولة المالية المتواجدة لدى البنوك، ويوضح محدثنا ويقول إن نسبة الفائدة العالية التي أقرتها الدولة في طرح للقرض السندي، جعل المودعين لدى البنوك يتحولون تحت إغراء فارق الفائدة الذي تعتمده البنوك وفائدة القرض السندي إلى مكتتبين لدى الدولة، مؤكدا أن ضمانات الدولة للقرض السندي التي تعتبر أكبر من ضمانات البنوك، أدت إلى ما يعرف بتجفيف السيولة.
كما أقر الخبير الاقتصادي المستشار الخاص لدى الوزير الأول، بفشل الإجراء الذي تضمنه قانون المالية التكميلي للسنة الماضية والمتعلق بالتصريح الجبائي الطوعي، مقابل خصم7 بالمائة من القيمة الإجمالية لدى إيداع الأموال بالبنوك الذي أوجدته الحكومة خصيصا لاستقطاب السيولة المتداولة في السوق الموازية، والتي كانت ترجو منها ضرب عصفورين بحجر واحد من جهة استقطاب الأموال لتدور ضمن الدائرة الرسمية، وتصحيح الوضع الجبائي للمتهربين من الضرائب.
وأوضح مبتول أن الدولة أضحت بلجوئها إلى السوق المالية الداخلية، والاستدانة من الجزائريين منافس للمتعاملين الاقتصاديين في لجوئهم إلى البنوك التي أضحت سيولتها التي كانت تعرف فائضا وتعاني عجزا، وتوقع مبتول أن يذهب بنك الجزائر إلى طبع قيم جديدة من الدينار من دون اعتماد مقابل احتياطي من العملة الصعبة أو مداخيل فعلية من العملة كحل وحيد لمعالجة أزمة السيولة التي تعرفها السوق المالية، وهو الأمر الذي سيؤدي لا محالة إلى ارتفاع جديد في نسبة التضخم والذي يعني في لغة وخطاب القدرة الشرائية للمواطن ارتفاعا عاما للأسعار.
وأمام هذه المعطيات الجديدة، والمتعلقة بأزمة السيولة التي كشف عنها الوزير الأول شخصيا، يثير قرار الحكومة اللجوء إلى القرض السندي، والتفافها حوله العديد من علامات الاستفهام عن جدواه في حال ما إذا كان سيجر الوضع المالي إلى وعكات صحية أخرى وأعراض جانبية، وهل بإمكان الوضعية الاقتصادية تحمل ارتفاعا جديدا لنسبة التضخم التي شكل خفضها رهان الجهاز التنفيذي طوال الفترة الأخيرة.