السودان.. والمعركة القانونية المقبلة
كن أو لا تكون.. هذا ملخص القضية المفتعلة ضد الرئيس السوداني، عمر البشير.. كن أو لا تكون بالنسبة للعالم العربي والإسلامي، فقد نلاحظ للأسف الشديد تدخلا سافرا وغير مقبول سياسيا ودبلوماسيا وعرفيا من طرف المدعي العام…
-
فإنني قد أُدخل حالة “الادّعاء العام ضد الرئيس السوداني” في خانة التآمر العالمي على السودان بافتعال العديد من بؤر النزاع بينها وبين دول الجوار أو في الداخل سواء، بدكّ التغيرات بين الشمال والجنوب، أو بين الجيران (إيريتيريا، مصر والتشاد) أو في المنطقة الشرقية، أو من خلال اشتعال نيران “الفتنة ” في دارفور، فأصبح السودان بلدا محل تكالب دولي وإقليمي وكأنه فريسة، كل واحد يريد أن ينهكها وينخرها من الداخل والخارج وذلك أمام عجز الأنظمة العربية والإسلامية.. فحتى بعض المواقف -للأسف الشديد- جاءت متأخرة أو في الربع الأخير… ولكن نعزي أنفسنا ونقول إن المواقف المحتشمة أحسن من لا شيء، والغريب أن بعض الدول الغربية كانت لها مواقف شجاعة وجريئة من العالم الإسلامي...
-
-
وبالرجوع لحيثيات القضية الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية، نلاحظ أن القضية لو أخذت مجراها كما رسم لها المدعي العام لحدثت “ثورة ” في العديد من المفاهيم القانونية، وذلك تناقض صريح مع العديد من المتطلبات الدستورية، مثل ذلك تقديم شخص للمحاكمة خارج وطنه وعدم استنفاذ جميع مراحل التقاضي… دون أن ننسى الكلام عن الآثار السلبية على السيادة… ومن المفروض أن نظام روما مكمل للقضاء الداخلي وليس بديلا له.. ومن المفارقات في هذا الشأن أن القرار رقم (1593) الصادر عن مجلس الأمن الدولي يفرض على الحكومة السودانية والأطراف المعنية التعاون مع المحكمة الجنائية، والسودان ليس طرفا في هذه المحكمة!!؟ والتساؤل المنطقي الموالي لماذا نفس التعامل لم يتم مع بعض الدول، وهي في نفس الوضعية القانونية من حيث عدم الانضمام، ولكن في المقابل لها سجل حافل من الانتهاكات الجسمية في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني!!
-
-
ونفس المنطق غير العادل قد يلاحظ في بعض المنطلقات، من ذلك توجيه المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية رسميا اتهاما للرئيس السوداني بارتكاب جرائم الحرب وإبادة جماعية في إقليم دارفور في ظل الحصانة التي يتمتع بها رئيس دولة، وعلى جرائم سابقة لظهور المحكمة قبل يوليو2002؟! قد يقال إن الجرائم ضد الإنسانية لا تتقادم، طبعا نعم.. ولكن أليس الأولى أن ننظر في المجازر والانتهاكات الخطيرة المرتكبة في حق الشعب الفلسطيني العازل.. أليس ذلك تهديد مستمر للأمن والسلم الدوليين..
-
-
ولذلك فإن الدعوى -حسب قناعتي- دعوى كيدية في ظل المحيط الذي تم استصدارها.. وبالأخص تكريس بامتياز لمنطق سياسي بتغليف قانوني وتجميل دولي.. ولا ننسى أن الخبر قبل تيقّنه تم تسريبه من طرف وزارة تابعة لدولة ليست – أصلا – عضوا في المحكمة الجنائية الدولية؟! وذلك قد يدفعنا للتساؤل عن سر هذا التسريب –المبرمج والعفوي– هل هو لجسّ النبض أو لغة مشفّرة لا يفهمها إلا كبار هذا العالم !؟…
-
-
بالتأكيد، فإننا كلّنا نتوق للعدالة وقيمها ولكن العدالة التي نريدها، تلك العدالة العادلة وليست عدالة الدولة المنتصرة أو القوية المبنية على ازدواجية المعايير، والتسيس لأحكامها، أو الانتقادية في معالجة القضايا..
-
-
ولعل قضية (عمر البشير) المفتعلة -حسب اعتقادي وقد أكون مخطئا- تحمل في طياتها صراعا مصلحيا للدولة الكبرى على الثروة الطبيعية ومخزونات السودان، كما هو بامتياز مخطط استعماري لتفتيت السودان وأهله بين الشمال والجنوب، الشرق والغرب… فالبعض قد يتناسى أنه في يوم من الأيام أن مملكة دارفور كانت هي التي تكسي الكعبة الشريفة وأن “بئر علي” أي ميقات أهل المغرب العربي للإحرام لأداء فريضة الحج والعمرة قد ينسب لملك دارفور السابق “دينار بن علي” الذي كان حاكما مسلما منصفا، وأن نصف حفظة القرآن الكريم في إفريقيا منحدرين من هذه المنطقة، ناهيك عن الخيرات الباطنية المكتشفة حديثا والمرصودة بالساتليت، ولا ننسى أن دارفور قد تنام على أكبر مخزون مائي في إفريقيا…
-
فهل هذه المعطيات يجب اعتزالها أثناء قراءة “الادّعاء” الصادر في حق الرئيس عمر البشير.. أو في حق السودان وأحد رموزها؟! أو يجب قراءة هذه العملية بصفة مجردة مطلقة بعيدا عن الرائحة السياسة والتحديات الاقتصادية.. فإنني قد أميل للقراءة الأولى بحكم أن هذا التكالب ليس وليد لحظة ولكن هو سلسلة متصلة ابتداء من إرهاصاته الأولى في التسعينيات ووصولا إلى “الادّعاء العام”، وكذلك يمكن أن نقول إن هذه التهمة دفع لفاتورة التصدي لرفض قرار القضاة بإصدار مذكرة التوقيف ضد وزير الدولة للشؤون الإنسانية، أحمد هارون، والقيادي علي كشيب الذي اتهم هؤلاء (فبراير الماضي ) بارتكاب 51 جريمة...؟!
-
-
إذن يجب أخذ هذه المعطيات محل الجد أثناء قراءة مذكرة المدّعي العام ولكن في ظل زمن الرداءة والتخلف، فإن هذه الأمور وغيرها شيء عادي إن لم نقل طبيعي!! وعليه هل هي بداية لتحقيق تنبّؤات الزعيم الليبي؟! والإجابة تقول إن المستقبل وموقف الدول العربية والإسلامية الوحيدة بتقرير أو نفي ذلك.. والفاهم يفهم؟!.