-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
عمرها خمسة قرون .. أنجبت ابن باديس وحملاوي وقادة من مجموعة الـ 22

السويقة مدينة “الزلايج” والجوزية والقفطان ومهنة الدباغين بقسنطينة

س. ر
  • 362
  • 0
السويقة مدينة “الزلايج” والجوزية والقفطان ومهنة الدباغين بقسنطينة
ح.م

أول ما يتبادر إلى الأذهان، بحلول شهر رمضان، في قسنطينة، هي مدينة السويقة العتيقة، هناك تتلمس بحواسك ما تشتهيه النفس والروح أيضا، الرائحة وحدها تجيب.
من الجسر العملاق، ومن جسر سيدي راشد الحجري، يتراءى، منظر مدينة عتيقة تبدو في انهيارها، أعرق من تيديس الرومانية، بالرغم من أن عمرها لا يزيد عن خمسة قرون، كانت تتحدى المدن الحديثة في قسنطينة وآوت أبناء المدينة والنازحين إليها، من الجزائريين، عندما بنت فرنسا لأبنائها المعمّرين الفرنسيين مدينتهم الحديثة في سيدي مبروك والمنظر الجميل وأحياء فرنسا والكدية و”سان جان”.

الترميم مصالحة مع الذاكرة الجزائرية والتراث الخالد

وكلما خطت فرنسا بثقافتها خطوة، خطا أهل السويقة أو المدينة القديمة في قسنطينة، خطوات حتى تحولت السويقة إلى مدينة احتضنت الحرج القسنطيني ومهنة النحاس والدباغة وحلوى الهريسة، والجوزية والقطايف و”البيزا فوغاس”، وغيرها من المهن والحرف والتقاليد، ناهيك عن جمال مساكن السويقة من زلايج فاخر عريق وفوانيس و”الدرابزي وراس الدار” وغيرها من أشجار الورد الذي يتم تقطيره في كل ربيع فتصبح السويقة أشبه بالفردوس، أينما وليت شمّك، عبق برائحة الزهر والورد المنعشة.

من ناطحات السحاب إلى الترميم
الأحياء التي بنتها فرنسا حوالي السويقة، وحتى جسر سيدي راشد المشيّد في سنة 1912 بجوار المدينة العتيقة السويقة، زلزل أرض المنطقة وحرّكها، فأصيبت بوباء الانزلاقات، ومع مرور السنوات صارت الانهيارات هي اللازمة التي يعيش بها وعليها أهل المنطقة، وعندما استقلت الجزائر نزح الكثير من أهلها إلى المدينة الأوروبية، طلبا للأمان والسلامة، ونزح إلى السويقة مواطنون، طلبا للسكن في قلب مدينة قسنطينة، وبين هذه الحركة وتفاقم الانزلاقات والتسربات المائية والأحوال المناخية ضيعت السويقة الكثير من بريقها وبقيت مجرد حنين وذكرى ومكان للتسوق بالخصوص.
في بداية ثمانينيات القرن الماضي تكفلت شركة “كوجار” الإيطالية بإنجاز نفق أرضي للمشاة في قلب قسنطينة “ساحة لابريش” إضافة إلى مشروع للسكة الحديدية بين بلدية زيغود يوسف وقسنطينة، وتم فتح نقاش كبير ومتشعب مع الشركة الإيطالية التي اقترحت إنجاز عدد من ناطحات السحاب التي يبلغ طول كل واحدة منها 60 طابقا، في مكان المدينة العتيقة وطبعا بعد إزالة السويقة من الوجود، ولكن الاقتراح حرّك أهل المدينة ومنهم العديد من العائلات التي تواصلت مباشرة مع الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، ومع ابن المدينة رئيس الحكومة السابق مولود حمروش وتم وأد المشروع نهائيا، وفتح إمكانية ترميم المدينة القديمة، ولكن باقتراحات بقيت في الأدراج فقط.
وقد تكون زيارة الرئيس عبد المجيد تبون الذي تحدث عن ضرورة ترميم المدينة القديمة أملا آخر للسويقة، التي ضحك عليها مسؤولون سابقون، وما حدث لها ما قبل احتفالية تظاهرة عاصمة الثقافة العربية عندما تم ترميم بيت واحد يطل على جسر سيدي راشد، خير دليل على أن السويقة ضربها القِدم والانزلاقات والمناخ وأيضا إهمال المسؤولين، وما فعله فيها سكانها أيضا.
سكان قسنطينة يسمون من زمان السويقة بسرّة المدينة، وهي السرّة التي ولد فيها الكثير من مشاهير المدينة في عالمي الفن والفكر، وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس، الذي ولد في السويقة في الرابع من ديسمبر من سنة 1889، وقد قامت السلطات الولائية في سنة 2015 بترميم البيت الذي ولد فيه الشيخ، تزامنا مع تظاهرة الثقافة العربية، ولكن من دون إكمال عملية الترميم ومن دون أدنى حراسة للبيت الذي عاود التدهور وسرقة بعض أغراضه، من “زلايج” وتحف أخرى، كما يعتبر الشهيد الفدائي سليمان داود الشهير باسم حملاوي، من مواليد السويقة في 27 مارس 1934، حيث تربى فيها وباشر عملياته الفدائية انطلاقا من أزقتها الضيقة وبناياتها العتيقة التي تعود إلى العهد العثماني، ويكفي المنطقة أو المدينة القديمة السويقة فخرا، أن عضوين من مجموعة الـ 22 التاريخية ولدا فيها، وهما سليمان ملاح والسعيد بوعلي. كل هذا التاريخ الفكري والتراثي يدفع السلطات لأجل ترميم ما يمكن ترميمه، من ذاكرة حقيقية لتاريخ عاصمة الشرق والجزائر قاطبة.

هنا موطن “الزلايج” وقفطان القاضي
في البيوت القليلة المتبقية في حي السويقة العتيق، تشاهد تحف “الزلايج” القسنطيني تروي ما لا يقل عن خمسة قرون من الوجود، فالمدينة العتيقة احتوت سكان قسنطينة منذ إنشاء السويقة في العهد العثماني، ثم وحّدتهم أكثر عندما تمكّن الاستعمار الفرنسي من المدينة، بعد سقوطها سنة 1937، فكانت حاضنة للعديد من معالم التراث الجزائري والعالمي، من فنون وحرف، وعلى رأسها الزليج أو كما يسمى في قسنطينة “الزلايج”، وهو فن معماري تشاهده في مساجد المدينة العتيقة، وبيوت السويقة جميعها في مداخلها وسطوحها بأشكال بديعة، تظهر حتى في البيت الذي ولد فيه العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس، أما عن الحمامات الشعبية والنسائية بالخصوص، فالزليج هو جمالها الأخاذ. في السويقة، توجد إلى حد الآن محلات كانت خاصة بالفنانين تبيع آلات العود الجزائرية والقانون والدربوكة وغيرها، ومحلات يمارس فيها الرسامون والنحاتون مواهبهم وهواياتهم الفنية، أما الزلايقة وهو أحد أهمّ أحياء المدينة القديمة السويقة، ولكن زائرها الآن سيصدمه منظر الحي الذي صار مجرد كومة من التراب، ففي كل شتاء يسقط منزل، من سبحة السويقة العتيقة.

وفي الزلايقة مازالت الأحواض شاهدة على حضارة حقيقية عندما كانت دار الدباغين والخرازين شاهدة على صناعة وحرفة الجلود التي كانت مضرب المثل في كامل الجزائر ومنطقة المغرب العربي.
يقال بأن لذي لم يلبس الجلد القسنطيني، فاتته الأناقة والإتقان والجلد الطبيعي، حتى صباغته في أحواض وأفران خاصة مازالت موجوة لحد الآن، تزيد في أناقته، وبقي في منطقة “الشط” و”البطحة” بعض محاولات الدباغة وصنع “الهريسة” القسنطينية الحلوة، وبيتزا فوغاس تقاوم اللباس المستورد وأكلات “الطاكوس” وقلب اللوز.

وكان الفاصل ما بين المدينة العتيقة التي يقطنها أهل قسنطينة وما يسمى بطريق جديدة التي بنتها فرنسا للمستوطنين، منطقة الشط، التي تؤدي إلى ديار الدباغين وناسجي الصوف وصانعي الأحذية والطرابيش التقليدية وطراحين وطاحني القهوة وما شابه، كما أن الشط كان المكان التاريخي الذي يلتقي فيه الحجاج، القادمين من وسط وغرب البلاد قبل إكمالهم الرحلة إلى الحجاز، مشيا على الأقدام، ومن هؤلاء الأمير عبد القادر الذي كان برفقة والده الشيخ محي الدين، حيث توقفا في منطقة الشط كما ورد في سيرة الأمير عبد القادر، والتقيا بأعيان قسنطينة والشرق الجزائري في سنة 1825 قبل الاحتلال الفرنسي، فأقاما في منازل أعيان قسنطينة في حي السويقة ثم انتقل الوفد الكبير إلى الحجاز مشيا على الأقدام.
أما عن القندورة القسنطينية العتيقة أو قفطان القاضي أو قندورة القطيفة، فقد كانت السويقة عاصمة لها، مدتها بالمعدن النفيس وبالخيوط الحريرية، فكانت مسيرتها ممتدة لأكثر من خمسة قرون، مرورا بمدينة السويقة العتيقة إلى اعتراف اليونيسكو بها كتراث لا مادي.

السويقة حاليا.. قدمٌ في الماضي وأمل في المستقبل
الزائر للمدينة العتيقة أو السويقة الآن، سيشم رائحة التاريخ، ولكنه بوجع الحاضر المرّ، فمجرد أن ترفع رأسك وأنت تشق زقاقا من أزقتها، تشعر بالرهبة، فقد تنهار على رأسك تلك الحجارة المائلة، أو تلك الأعمدة الحديدية التي عرّتها السنوات والأحوال الجوية ويد الإنسان.
لكن مع ذلك، فالذي يريد أن يشتري “الفريك أو البسيسة أو المزيّت” أو كسكسي الشعير وغيرها من المواد الغذائية، فعليه بالبطحة وقلب السويقة، والذي يريد شراء أواني الفخار أو يبحث عن كتب قديمة، أو حتى أسطوانة قديمة لمحمد الطاهر فرقاني أو فريد الأطرش، فلن يجد غير السويقة.
في سنة 2025، حطمت قسنطينة رقما قياسيا غير مسبوق في السياح الأجانب، وحتى المحليين الذين زاروها، كانت السويقة واحدة من المعالم التي استحسنت زائريها ولكنها بهندام رث لا يليق بمدينة كانت ومازالت وستبقى “سرّة” المدينة، كما قال المثقف الأكاديمي عبد السلام يخلف والفنان التشكيلي أحمد بن يحيى وعامة أبناء المدينة وعاشقي المدن العتيقة.
وفي شهر رمضان، بل وفي شعبان.. وفي كل الشهور، تسترجع السويقة عشاقها وخاصة عاشقاتها. هناك نسوة لا تهمهن “المولات” العملاقة، فالأواني الفخارية والصينيات البديعة والفريك الطبيعي والهريسة الحارة والجوز واللوز والعنبر والجاوي وأنواع البخور لا يمكن شراؤها إلا من السويقة.
وكان الرئيس عبد المجيد تبون بعث أملا في النفوس بحديثه عن بعث مشروع جاد لترميم المدينة العتيقة، والسيدة وزيرة الثقافة مليكة بن دودة أنعشت الأمل في تجوالها بأزقتها، لأجل استرجاع السويقة، على الأقل ما تبقى من أزقتها، وسيكون انتصارا للتراث الجزائري وللحضارة الجزائرية، التي يتكالب عليها الأعداء ومنهم الجارة الغربية التي كانت في سنوات الأزمة الجزائرية من عشرية النار إلى عشرية الفساد، ترسل زبائنها ليأخذوا من زليج السويقة ومن “القنادر” القسنطينية العتيقة، وتدفع لأجلها الملايين من أجل بناء تراث من تراث الجزائر وقسنطينة والسويقة على وجه الخصوص.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!