منوعات
البحر، الفقر، والهوية تيمات مهرجان عنابة

السياسي والإنساني يرهن مستقبل شعوب المتوسط

الشروق أونلاين
  • 1910
  • 0
ح.م

تواصلت العروض السينمائية في طبعة العودة بمهرجان عنابة للفيلم المتوسطي بالمسرح الجهوي عز الدين مجوبي، الأفلام التي اختيرت بذكاء وفق تيمة الطبعة” الهجرة السرية ومشاكل دول حوض المتوسط” أتاحت خيارات متعددة أمام الجمهور لاكتشاف الأفلام الحديثة، خاصة تلك المعروضة بالمهرجانات الدولية.

تنوعت مواضيع الأعمال المعروضة بين السياسية والاجتماعية وحتى الذاتية، ولكنها تقاسمت البحر كتيمة رئيسية ومركزية تعود باستمرار في كل الأعمال   .

البحر الذي يشكل عادة فضاء ممتدا للحرية والبوح والرومانسية يتحول في جملة الأفلام المعروضة إلى فضاء للنفي والغربة وحتى مقبرة وسببا للفقد والإبحار في المجهول، حيث يتحوّل البحر إلى لعنة تطارد دول حوض المتوسط سواء تلك الواقعة في الجنوب أو في الشمال.

يتجسد البحر كفضاء للمناجاة الروحية والاسترخاء في الفيلم الفرنسي “أتمنى أن يحبوك بجنون” للمخرجة أوني لو كومت قبل أن يتحول في نهاية الفيلم إلى معبر للبحث عن الجذور، الأصل والهوية، حيث تعرض المخرجة أمامنا صور البطلة إليزا وهي تسترخي أمام البحر رفقة ابنها نوح، تستغرق إليزا طويلا أمام البحر وهي تستبطن أعماقها في محاولة إيجاد طريق لاكتشاف سرها المتمثل في البحث عن والدتها وأصلها، لاحقا يتحول البحر إلى معبر لإليزا نحو الشواطئ الجزائرية للبحث عن والدها محند وقد تخلت عنها والدتها لأن العائلة الفرنسية لم تكن تقبل بحفيدة تنحدر من أب ذو أصول مسلمة. وهنا يصبح البحر أشبه بالحبل السري الذي يعيد ربط البطلة بجذورها وأصلها ويصالحها مع هويتها.

في الفيلم “الحدود” لمصطفى جاجام يلعب البحر كتيمة سينمائية دورا معاكسا، فإذا كانت إليزا الفرنسية قد عبرت المتوسط بحثا عن الهوية والتصالح مع الجذور فإن قوافل الشباب الأفارقة يعبرون في فيلم مصطفى جاجام نفس المتوسط في الاتجاه المعاكس بحثا عن الحلم وحياة الرفاهية، حيث يصور المخرج معاناة الأفارقة من طريق العبور إلى جنة الواقع في الجانب الآخر من المتوسط، البحر هنا ليس فقط طريقا للحلم، لكنه أيضا يشكل مساحة للحلم والفرح، حيث يقدم لنا عمل “الحدود” مشهدا معبرا للمرأة التي ترافق القافلة وهي تكاد تبكي من الفرح لرؤيتها البحر في إحدى شواطئ المغرب، البحر هنا مساحة لا تعترف بـ”الحدود”، هو الخلاص هو الرجاء للهاربين من الصحراء القاحلة جغرافيا ومعنويا، لكن البحر يتحول في نهاية الفيلم إلى مقبرة توقع نهاية المغامرين قبل بلوغهم الضفة الأخرى، لعبة التناظر وترابط المصائر بين دول جنوب المتوسط وتلك الواقعة في الشمال تنقلها كل من اوني لو كومت ومصطفى جاجام سينمائيا عبر الشخوص النسائية أيضا، ربما المرأة هي الأرض الأخرى والذاكرة، حيث تصر اليزا  في فيلم “أتمنى أن يحبوك بجنون” على البحث عن الأم التي تصل إليها في النهاية وتتخذ منها الخيط الذي يقودها إلى ذاكرتها أو جذورها الأصلية ووالدها المتوفى، وهو نفي رمزي للعقم الذكوري مقابل النموذج المؤنث المنتج للمعنى، في الاتجاه المعاكس تشكل المرأة التي ترافق قافلة الحراقة في فيلم “الحدود” لمصطفى جاجام رمزا للحلم والخلاص، لكنها تنتهي بالنسبة للبعض مثل وهم يلقي بهم في قاع البحر، وهنا تلتحم المرأة بالحبر في رمزية جدلية، يتجاذبها تبادل الأدوار بين الحلم والفقد والألم واليأس.

على نفس الخط تسير المخرجة الفرنسية ليتيسيا تورا في فيلمها “الرسل” التي اختارت أن تجعل من البحر مساحة للذاكرة، خلدت من خلالها ذكرى الباحثين عن النبوة في الضفة الأخرى، فراحوا ضحية أوهامهم وخلفوا وراءهم شهود على ذاكرة، “الرسل” يحاول الشهود في هذا العمل مساعدة زملائهم وأصدقائهم المفقودين على استعادة أسمائهم ووجوههم، بعدما حوّلهم البحر إلى أرقام في ذاكرة ذويهم، تستند المخرجة الفرنسية لعمل فتوغرافي توثيقي لتقول ذاكرة الفقد، حيث يتحول البحر إلى مقبرة لآلاف المجهولين الذين يختفون بدون قبور وبدون شواهد، في هذا الفيلم يتحول البحر إلى شاهد أيضا على الموت على الفقد على السراب والحلم الكاذب، من بقي عالقا بين الضفة والضفة يفصله البحر ويعيقه عن العودة كما يعيقه أيضا عن إدراك الوجهة التي يحلم بها، بل ويعيقهم أيضا حتى عن امتلاك قبر وشاهد.

يعود الفقد أيضا كتيمة مشتركة بين الأعمال المعروضة في المهرجان في يومه الثالث من خلال الفيلم اللبناني”وين ن” أو “أين هم” الذي وقعه عدد من المخرجين الشباب وتناول مشكلة المفقودين خلال الحرب اللبنانية1975 و1990، وقد دخل القائمة الأولية لاختيار الأفلام المرشحة لجوائز الأوسكار لأحسن فيلم أجنبي، في هذا الفيلم اختار جورج خباز الربط بين قصص خمس نساء لبنانيات يلتقين في ساحة الاعتصام للمطالبة بكشف حقيقة أهاليهم المفقودين خلال الحرب، يبرز الفيلم المشاكل التي خلفتها الحرب واضطراب حياة الناس، حيث يتحول الانتظار إلى موت يومي وعذاب حقيقي للشخصيات الخمسة التي تتقاسم الفضاء واللحظات والوجع الأم وتتقاسم صلة القرابة مع المفقود، لأن الأحداث تكشف لنا في النهاية أن الشخصيات الخمسة تربطها صلة مشتركة مع المفقود، الأخت، البنت، الزوجة وحتى العشيقة السابقة التي يستغلها زوجها النائب في البرلمان للاستثمار في مأساة المفقودين من أجل مصلحته السياسية والظهور الإعلامي.

الفيلم حاز جائزة أفضل سيناريو في مهرجان السينما العربية في مالمو بالسويد، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان الإسكندرية السينمائي، ويبرز أن المفقودين هي قضية مجتمع بأكمله مشكل جماعي، لكن طريقة إدراكه والإحساس به قضية فردية دائما. 

مقالات ذات صلة