منوعات
أغلب المواطنين أخّروا عطلتهم السنوية إلى شهر الصيام

“السيروكو” القادم من مالي يرعب الجزائريين

الشروق أونلاين
  • 23093
  • 86
ح.م

على بعد أسبوعين فقط عن شهر الصيام والقيام، سجلت الحرارة مع بداية شهر جويلية أرقاما قياسية مدهشة، أنذرت بشهر رمضان استثنائي هذا العام، لأنه يصادف الأيام العشر الأخيرة من شهر جويلية وثلثي شهر أوت القادم، وهي الفترة الأكثر حرارة في فصل الصيف الجزائري، ومع “السيروكو” القادم من شمال مالي الذي رفع مقياس الحرارة نهار أمس الخميس، إلى ما فوق الأربعين في غالبية المدن الشمالية، فما بالك بالجنوبية دبّ الرعب في قلوب الكثير من الجزائريين الذين بدأ البعض منهم في التحضير المناخي للشهر الفضيل بعيدا عن الروحانيات وماديات تكاليف الحياة المعروفة بغلائها في رمضان، ناهيك عن سفرية مناسك العمرة التي يصر الجزائريون على القيام بها رغم أن درجات الحرارة في أواخر جويلية لن تنزل عن الستين مئوية بعيدا عن الظل في الأراضي المقدسة.

مخطط دلفين منع العطلة عن رجال الدرك

ورجال الحماية في حملة لتفادي “الجحيم”

باشرت مصالح الحماية المدنية في مختلف الولايات، خاصة الشمالية منذ نهاية فصل الربيع حملة لمنع أو التقليل من حرائق الغابات التي لم يُسجل الخطير منها إلى غاية أمس الخامس من جويلية، الذي قال عنه الفلكي الكويتي خالد الجمعان. أنه الأسخن على الإطلاق في الجزائر، باستثناء الحرائق الفلاحية المسجلة خلال مرحلة الحصاد خاصة في شرق البلاد، لكن كل الخوف من أن لا تبقى الحياة الغابية بردا وسلاما خلال شهر رمضان حيث يبلغ الازدحام أقصى درجاته في المدن الكبرى وتُصبح حركة السيارات صعبة وبلوغ الحريق في حد ذاته حريق آخر، مع أن مختلف المديريات زوّدت رجال الإطفاء بلباس من آخر طراز واق ضد الحرارة الشديدة وهو مستورد من الخارج.. أما رجال الأمن والدرك الوطنيين فهم كالعادة مجبرون على التواجد بقوة في الطرقات سواء في الفترة التي تسبق رمضان، لأنها فترة أوج الحركة أو في شهر الصيام لأن مخطط دلفين الذي تسهر عليه مصالح الدرك لا يمكن تنفيذه إلا بالتواجد الكثيف، وعطلة رجال الدرك وحتى رجال الأمن هي عادة مؤجلة إلى ما بعد الشهر الفضيل، وزاد الطريق السيار الذي يفتقر بشكل شبه كلي للغطاء النباتي والأشجار التي توفر الظِلال وهذا من تلمسان إلى قسنطينة، من معاناة رجال الأمن، والغريب أن الجزء الذي تأخر تسليمه من الطريق السيار في منطقة سكيكدة إلى غاية 2014، هو الوحيد الذي توجد به أشجار كثيفة.. ويكفي تصوّر رجل درك يرتدي واقيات الرصاص المسماة “جيلي أونتي بال” في قلب الطريق تحت شمس صاعقة دون حركة لنعرف مدى المعاناة التي تسببها هذه المهنة، وأحيانا تكون الحواجز المؤقتة أو الثابتة التي تشرف عليها مصالح الدرك الوطني بعيدة عن المصحات العمومية لأجل إسعاف أي دركي من ضربات الشمس المحتملة، ويبقى الماء هو الحل الوحيد لمنع جفاف الأبدان، وهذا على خلاف الحرفيين وأصحاب المهن الخاصة الذين يحلّون مشاكلهم مع الحرارة القياسية بطرقهم المبتكرة، فرغم أن الخبّازين بدأوا يلوحون بالإضراب ومنع الخبز عن المواطنين في شهر رمضان أو قبله ببضعة أيام، إلا أن غالبيتهم باشروا التحضير المادي وخاصة المناخي للتعامل مع الحرارة التي ستكون جحيما داخل الأفران من خلال التحضير لجعل الليل فرصة للطهي، والنهار للبيع فقط ويعتبر الكثير من أصحاب المخابز ما يقومون به بطولة، ولا يوجد من يدخل في عطلة خلال شهر رمضان لأنه أحسن فرصة من حيث الربح المادي إذ يزداد الطلب على الخبز المحسّن بالخصوص الذي فيه هامش ربح كبير بالنسبة للخباز، إضافة إلى أصناف الحلويات المختلفة.. والملاحظ أن بعض الخبّازين دخلوا في عطلة قصيرة مع بداية شهر جويلية الحالي استعدادا للعمل الرمضاني، والبقية ستعلن عطلتها بعد عيد الفطر المبارك في العشرين من شهر أوت، أما أكثر من يعاني في الصيف فهم عمال نفطال الذين يقدمون البنزين والمازوت للمواطنين تحت لهيب قياسي، خاصة أن نفطال لا تغطي معظم المحطات والعامل مجبر على الوقوف تحت شمس حارقة لتزويد الزبون بالوقود.. بينما قامت العديد من المناجم منذ سنوات الاستقلال الأولى وعلى رأسها منجم الونزة بولاية تبسة، بأخذ عطلة كاملة في عز الحر لتفادي الموت الذي كان يتهدد العمال قبل خمسين سنة في العهد الاستعماري، وتبقى مهن أخرى في غاية الخطورة ولكنها إلزامية في كل الشهور مثل حفر قبور الموتى والفلاحة وتنظيف الشوارع.

الزواحف والخنازير والجرذان تغزو الحقول

الشتاء الاستثنائي الذي عرفته الجزائر هذا العام، وجعل الثلوج تحاصر معظم المدن الشمالية في شهر فيفري ولمدة قاربت الشهر غيّر الطبيعة الإيكولوجية وهجّر الكثير من الحيوانات من منطقة إلى أخرى، وردم الجحور وأعاد منظر حيوانات ظن الجزائريون أنها انقرضت من الجزائر مثل الضباع حيث ظهرت الخنازير بقوة في هذه الصائفة وصار منظر الثعالب والذئاب والضباع عاديا في الحقول، كما برزت القردة ولأول مرة في ولاية سكيكدة لتصنع جميعها المنظر الجميل وأيضا المؤلم بالنسبة للفلاحين، وهذا في حركة للبحث عن مأوى آخر لها، أما عن مهن الظهيرة الصيفية فإن أصعبها هو ما يقوم به حفارو القبور لأن الجزائريين متعودون على دفن موتاهم في الظهيرة أو بعد صلاة العصر الذي لا تفقد فيه الحرارة وهجها.. وتزيد قساوة الأرض الجافة المليئة بالزواحف السامة من مخاطر هذه المهنة التي تعرّض حافر قبر الميت إلى الموت المؤكد، وقد يكون أعوان النظافة هنا أحسن حالا من هؤلاء حيث يعملون ليلا و”الكناسون” صباحا مما يعني نجاتهم من لهيب منتصف النهار ولكنهم هم أيضا مجبرون على العمل الرمضاني لأن أطنان الزبالة تتضاعف في الشهر الفضيل، وعدم حمل الزبالة يعرضها للتعفن ودخول المدينة بأكملها عالم الأوبئة، ولحسن حظ الحصادين أن مرحلة الحصاد تنتهي في الغالب قبل العشرين من شهر جويلية الحالي، أي بداية شهر رمضان مع العلم أن الفلاحين بصدد جني منتوج وفير بفعل السقوط القياسي للثلوج والأمطار وامتلاء السدود باعتراف السيد عبد المالك سلال، الذي قال أن ما جمعته السدود في عام 2012 لم يحدث له مثيل من قبل، ولكن عزاءهم أن العمل في النار يمنحهم انتعاشة مالية ستمكنهم من اقتناء سيارات ومكيفات في المستقبل القريب من عرق الجبين طبعا.. والملاحظ أنه بالرغم من أن الحرارة تهدد حياة الناس والحيوانات بالموت فإن الناموس وحده من تمكن من الصمود والحياة حيث تكاثر بقوة هذا العام وعاث في أبدان المواطنين ألما وفسادا، فمنعهم من نعمة النوم والراحة لم يعد الناموس مقتصرا في صيف 2012 على الأماكن الفقيرة بل هو موجود الآن حتى في حي حيدرة الراقي بقلب العاصمة الجزائرية.. يحدث هذا التغير الجوي الذي حذّرت منه جميع المنظمات العالمية وحتى المنظمة العالمية للصحة والمنظمات الفلاحية أمام عجز تعامل الحكومة الجزائرية، من التعامل مع الحرارة الجديدة حيث يفضل المسؤولون الكبار السفر إلى الخارج في عطلتهم بدلا عن التفكير في التعامل مع هذا الوضع الجديد مع الإشارة أن الرياضة ستكون بقوة في الفصل الفضيل من خلال الألعاب الأولمبية في لندن، التي تراهن فيها الجزائر على تحسين الغلة التي تحصلت عليها في بكين عام 2008 حيث اكتفت بفضية وبرونزية في رياضة الجيدو، وأمام التحديات التي تنتظر الجزائر خلال البرنامج الخماسي الحالي من المفروض التعامل بأسلوب جديد حتى لا يصبح الصيف موعدا للخمول، وأن تأخذ من الدول المتوسطية التي تمكّن بعضها مثل مصر واليونان وإسبانيا وقبرص من تحويل الليل إلى نهار عبر فتح المرافق العمومية والأسواق ليلا حتى تمنح للمواطنين حق التسوق واستخراج وثائقهم وغيرها من الضروريات التي لا يمكن القيام بها في شهري جويلية وأوت، وشهر رمضان معروف بحركة المواطنين ليلا ونوم المصالح الحكومية نهارا وليلا، والغريب أن هناك بلدانا كثيرة في العالم بسبب التقلبات الجوية التي أثرت على الحركة الصناعية والزراعية فيها أنشأت ما يشبه بوزارة المناخ التي تقدم لمختلف المصالح الحلول وتتدخل حتى في التعاملات الاجتماعية، بينما لا توجد عندنا سوى وزارة للبيئة يعترف الجزائريون أن دورها بعيد عن البيئة ولم تقدم أبدا ما يجعل الجزائر في منآى عن المخاطر البيئية، بدليل تلوث أوديتها وجفاف معظمها وتدهور الغطاء النباتي وتحول الأخضر فيه إلى أكوام من الإسمنت.

مقالات ذات صلة