الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة في حوار صريح لـ"الشروق":
“السينما المصرية متخلفة والدراما السورية جادة والمسلسلات التركية تافهة”
الكاتب أسامة أنور عكاشة
عندما اتصلت بالكاتب أسامة أنور عكاشة، وأنا في القاهرة، لأطلب منه تحديد موعد لإجراء مقابلة صحفية، وافق بدون تردد عندما علم أنني صحفي من الجزائر، فقطع إجازته التي كان يقضيها بمدينة الإسكندرية، عائدا إلى القاهرة، وفي بيته كان لقاؤنا وتحدثنا عن السينما والكتابة وقضايا أخرى.
-
*
-
-
** في البداية أنا اعترض على هذا التصنيف؛ لأنني لا أحب التصنيف الذي يمكن أن يظلل ولا يقول الحقيقة. أنا كنت أؤيد التوجهات الرئيسية لفترة الحكم الناصري، وكنت دائما أفرق بين عبد الناصر الرمز والفكر، وبين عبد الناصر النظام، فأنا كنت مع الرمز والفكرة إلى أقصى حد، كالتحرر الوطني، مقاومة الاستعمار، ومقاومة نظام الأحلاف، وعدم الانضمام إلى كتلة من الكتل الكبرى، الملهم لحركات التحرير والباحثين عن الحرية، وأنا أتذكر ما قاله فيدال كاسترو، كنا نتمثل دور عبد الناصر وما فعله بالسويس، عندما كان ضد حكم باتيست. هذه التوجهات كنت معها دون أي جدال، أما عن نظام الحكم فكانت لي اعتراضات كثيرة على قرارات وتوجهات؛ لأني كنت اعتقد انها لم تكن في صالح مصر، خصوصا قرار تأميم الصحافة، وقرار إلغاء الأحزاب. أعتقد أن هذين القرارين أضرا بمصر ضررا بليغا.
-
** لا طلاق بيننا، أنا أؤمن بجمال الفكرة والرمز أو الشعار، الرجل المجرد من الهوى، ليس له مأخذ شخصي، الذي يفكر دائما في مصلحة الفقير، هذا هو عبد الناصر في نظري.
-
-
** أعتقد أنكم أنتم أدرى بما حصل في الجزائر، هنا كانت فترة إرهاب دامت حوالي 15 سنة حصلت فيها تجاوزات أساءت للإسلام نفسه، الإسلام ليس دين دم أو عنف، والقرآن الكريم يقول (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “بشروا ولا تنفروا”، و”يسروا ولا تعسروا”.. هذا جوهر الدين الإسلامي، فكيف نعطيه هذا الوجه المتجهم القاسي الذي يقوم على إرهاب الآخرين؟ هذا وللأسف أساء للإسلام، واستغله أعداء الإسلام حتى يدينوا الدين بأكمله، ويقولوا هذا دين عنف، فطبعا كان لابد أن يكون لنا موقف مضاد؛ لأننا لم ندفع الثمن الغالي كما الثمن الغالي الذي دفعته الجزائر، وكانت تصلنا الأخبار وكنا نشعر بذلك ونأسف لذلك أسفا عميقا.
-
-
** لأن الدستور يحرم قيام أحزاب على أساس ديني.. هناك نوع من الفصل بين الدين والدولة في مبادئ المجتمع المدني حتى لا يقع في هوة الاستقطاب الديني، إذن أنت ستؤسس حزبا باسم الإسلام، وآخر باسم المسيحيين وعددهم معتبر، إذن تعمل على الشقاق بين عناصر الأمة، فمنع الدستور نهائيا قيام حزب على أساس ديني أو على أساس عنصري.
-
-
؟
-
** البداية تأتي منهم أولا ـ أي الإسلاميين ـ الذين يستطيعون إرساء هذا المبدأ، إذا آمنوا بحكاية فصل الدين عن السياسة، أما إذا كانت دعوتهم قائمة ونشاطهم كله سياسي ولم أر لهم أي نشاط ديني، بحجم ما لهم من النشاط السياسي، وبالتالي تبقى المسألة من البداية قابلة للاحتقان والانفجار، وسيضطر أي نظام حاكم للعمل ضدهم، ويفتح لهم المعتقلات، وهذه المسألة نشتغل فيها منذ نصف قرن.
-
-
-
** منذ سنوات طويلة ونحن نردد شعار الوحدة العربية، ولم نتمكن من تنفيذ اتفاقية اقتصادية واحدة بين الدول العربية، إذن هذا مجرد كلام. أين هي الوحدة العربية؟ المظهر الوحيد الذي نستطيع أن نقول إنه تجلت فيه الوحدة العربية، هي الوحدة الثقافية والفنية؛ لأن ثقافتنا واحدة، الكتب والفيلم والراديو والتلفزيون نجتمع حولهم، ماعدا هذا لا يوجد أي شيء يجمعنا، على الأقل نعمل سوق عربية مشتركة، وطول عمرنا نحارب بعضنا البعض، أكثر مما نحارب أعداءنا، وهذا وضع مأساوي للأسف الشديد.
-
** مقومات الوحدة غير موجودة.. نحن عرب ثقافة ولسنا عربا جنسا ولا عرقا.
-
ج:الفنان يجب أن لا يقدم فنا مجانيا دون قضايا، الكاتب والفنان يجب أن تكون له قضية تشغل عمله، وكل من يشارك في الحياة السياسية اليومية لوطنه يؤدي واجبه ليس أكثر من ذلك، نحن نقول إن الفنان طليعة، وأن الكاتب يتصدر مقدمة زحف بلاده، إذن يجب أن يكون مشاركا ولو بالرأي؛ لأن مشاركته بالرأي تفيد الناس بأن تكشف لهم نقاط الظل لما نتصدى للحياة، وننور طريق الناس، نخدم بلدنا، وهذا أضعف الإيمان كما يقولون.
-
** (مقاطعا).. للأسف هذا نوع من التلفيق والتزوير، أنا لم أكن أتحدث عن عمرو بن العاص، عن عقيدته أو تدينه، أو..أو..، نحن كنا نتحدث عن السياسة، كنا نقول أن عمرو بن العاص كان له دور مدمر للأمة الإسلامية، وبسببه انشقت الأمة الإسلامية إلى غاية اليوم بسببه شقين، سنة، وشيعة، بفضل مؤامرات عمرو بن العاص؛ لأنه سياسيا قام بدور مشبوه، وليس له أي أفضلية دينية، أي ليس من العشر الأوائل المبشرين بالجنة، وليس من السابقين في الإسلام، لم يعلن إسلامه إلا بعد فتح مكة هو وخالد بن الوليد، أعلنوا إسلامهم في هذه الفترة، وهم الذين حاربوا قبل ذلك في صفوف المشركين في غزوة أحد. أنا كنت أتكلم عن دوره السياسي، للأسف الشديد تسبب في كارثة بالنسبة للأمة الإسلامية.
-
** لم أرفض مواجهته، أنا لا أتكلم في الدين، أنا أتكلم في السياسة، في دور عمرو بن العاص السياسي في سياق تاريخي، ..ولكن “أسامة أنور عكاشة يهاجم الصحابة”، وأثاروا حولي زوبعة، “هذا مرتد”، والكلام الضخم الذي يرددونه، وبعد ذلك زوبعة في فنجان؛ لأن لا أحد صدقه.
-
** الدراما المصرية تشهد للأسف الشديد حالة انحسار، سببها الرئيسي تغليب مصلحة الإعلان، واستخدام الدراما في خدمة الإعلان التجاري، هذا قضى على الأفضلية التي كانت الدراما المصرية تتكلم عن الناس، تتكلم في الكيف وليس في الكم، وأصبحت المسألة كلها مجرد تجارة، وأي موضوع تافه يأتون بنجم ويضعون الإعلانات، لم نبق في المستوى الذي كنا نقدمه.
-
** طبعا، الفضائيات عملت نوع من الانتشار لوكالات الإعلان، وكل فضائية تريد أن تنتج وليس تشتري، وكل ذلك على حساب النص، ولا أحد يعتني بالنص.
-
-
** الدراما السورية اشتغلوا بشكل صحيح، أولا عرفوا أين يمكنهم أن يتفوقوا في المسلسل التاريخي، لهم إمكانيات في الإنتاج التاريخي، وبدأوا من حيث انتهى المصريون، بدأوا بالاهتمام بالنص، عملوا نصوصا تاريخية في منتهى القوة والجمال، يعني مجموعة المسلسلات التي عملوها عن صلاح الدين الأيوبي، وعن ملوك الطوائف، وهولاكو، والأمين والمأمون، والأعمال الكبيرة الأخرى، وفي النهاية احسبها بالإضافة وليس بالخصم، هذا كله يضيف للثقافة العربية، لما ينجح السوريون والجزائريون والمغاربة والسودانيون في عمل فني محترم، يبقى هذا إضافة للمصريين الذين كانوا يعملونها، نحسبه بالزائد وليس بالناقص.
-
-
-
** ببساطة، أنا خارج من أرض الأدب المكتوب للقراءة، يعني أنا أصلا قصاص وروائي، إلى يومنا هذا أحرص أن يصدر لي إنتاج في الأدب المقروء، ست روايات، وأربع أو خمس مجموعات قصصية، ناهيك عن كتاباتي في المسرح والصحافة، فهذا أساسا مهم جدا بالنسبة للكاتب أن تكون خلفيته أدبية؛ لأن ثقافته تبقى عريضة، ولأن الدراما تحتاج إلى النفس الروائي، والمعرفة والإلمام بأدوات السرد، بالإضافة إلى أنني أخذت المسألة منذ البداية بجدية، والتزمت باتجاه فني، ولم أفضل عليه أي شيء في الدنيا، الفن ديكتاتور يجب أن تخضع له، وتخضع لقوانينه وشروطه، ولو فضلت عليه أي حاجة تخلى عنك على طول.
-
** أكتب نهارا، ولا أكتب إلا في الإسكندرية، المكان الذي ارتاح له، وأنتج فيه.
-
-
ج:أولا، هناك سبب عاطفي جدا، وهو غرامي بالإسكندرية كمكان، وثاني سبب، سبب عملي؛ لأني أجد وقتي هناك، وقتي يبقى ملكي، ولكنه مشتت كما هو في القاهرة.
-
ماعدا هذه الطقوس في الكتابة عادية، أكتب بالحبر الكلاسيكي، ولا أكتب بالجاف، أكتب من الساعة 11 مثلا قبل الظهر إلى غاية الخامسة مساء، وبعدها أشاهد التلفزيون، أنزل إلى المسرح، أقرأ، وعندي كتب كثيرة لم أقرأها؛ لأن الوقت لم يسعفني كثيرا، فأحاول أن أحصّل ما فاتني.. وهكذا.
-
** الجديد دائما في الفكرة، في أي موضوع تعالجه، موضوع جديد أنت تلفت النظر إليه، أو مجرد تكرار لموضوعات سبق وإن تمت معالجتها وتصويرها، هذا هو المهم.
-
أنا أعتقد مثلا أن مسلسل “الراية البيضاء”، ليس كلاسيكيا، بل يتحدث عن هذه الأيام، وما يحدث في مصر اليوم، مسلسل آخر “أنا وأنت وبابا في المشمش” معاصر جدا، ومسلسل آخر يعالج مشكلة الانفجار الديموغرافي.
-
أما مسلسلاتي الطويلة، الحلمية والمصراوية، وشهد…………….، أربع من ضمن 47 مسلسلا عملتها للتلفزيون.
-
-
-
** لا أريد أن اشتغل تحت الضغط، وأريد أن أكتب جزءي المصراوية براحتي، وأنا مشغول بهذا المشروع، الثاني والثالث.
-
** في الحقيقة كان هناك اتفاق بيني وبين القوات المسلحة لكتابة فيلم حول حرب أكتوبر1973، وبعد ذلك أدركت أن وقته غير مناسب.
-
** لأن ثلاثين سنة من عمر أي بلد ليست ذات أهمية، مثلا تولستوي عندما كتب “الحرب والسلام” انتظر 70 عما لكتابة رائعته، إنك تكتب تحت ضغط ناس كانوا مشاركين في الحرب وهم لا يزالون على قيد الحياة، لن تكتب ما تريد قوله.
-
-
** لا، الفكرة عندي، لم أكتبه بالكامل، حضرت كل شيء، واعتذرت بعد ذلك.
-
** تغيرت سنة الحياة، هناك مثل يقول”أنت لا تنزل للنهر مرتين”، بمعنى أن مياه النهر تتجدد باستمرار، أي لما تنزل اليوم إلى النهر، غير النهر الذي تنزل إليه مرة ثانية، تسبح في نهر ثان، وهذه حالة التغير والتقدم، الدنيا تتغير كل يوم، هناك كلمة قالها بيل غيتس صاحب ميكروسوفت ولها معنى، “نحن لا نصبح على العالم الذي أمسينا عليه”، في ليلة واحدة العالم يتغير، فإذا كان هذا حقيقي، فليست الأفكار أو الأساليب التي ستتجمد، هي تتغير كذلك.
-
** السينما المصرية متخلفة، وحتى كآليات فنية السينما المصرية تراجعت، والأفلام التي تنجز الآن أقلها جيد، وأغلبها رديء.
-
-
** تفرجت على أفلام “ريح الأوراس” و”الأفيون والعصا”، والحقيقة أن للجزائريين مجموعة من المخرجين العظام، الأخضر حمينا، والأستاذ أحمد راشدي، والتقيت به في مهرجان دمشق للسينما سنة 1995، وتعرفت عليه شخصيا، وهذا كان أساسه مجموعة من الكتاب الجزائريين الكبار، أمثال كاتب ياسين، مولود فرعون، والطاهر وطار، وآخرين طبعا، والحقيقة أن المسألة مترابطة ومتساندة؛ لأن الفن يقوم على نصوص جيدة وجميلة، والأفلام الجزائرية التي شاهدتها فيها جمال غير عادي، وسينما راقية ونظيفة جدا.
-
** هذا تقصير، إهمال وقصور من مسؤولي التلفزة عندنا في مصر، كان من المفروض أن يسعوا لعرض نسخ من هذه الأفلام على الشعب المصري، ومع ذلك فإن الفضائيات عموما حلت هذه المشكلة.
-
** أزور الجزائر أولا، للأسف وجهت لي دعوات في فترات كانت ظروفي لا تسمح، وأتمنى أن أرى الجزائر، وأكتب عنها.
-
-
** الأصداء التي وصلتني إيجابية جدا، مثل هذا المهرجان يشكل جانبا من الوحدة الثقافية التي كنا نتحدث عنها قبل قليل، وهي الوحدة الوحيدة التي أفلحنا في قيامها.
-
** الأتراك يفهمون النفسية العربية، ولما يعملون مسلسلاتهم، لهم خبرة ماذا يعجب العرب، والموضوعات التي تعالجها ليست على قدر كبير من الجودة، وفيها أشياء تافهة كثيرا، ولكن فيها عناصر الجاذبية التي تجعل الناس تتابعها بشغف، وهذه صنعة؛ لأن صناعة الجاذبية وكيفية استقطاب الناس، بحد ذاته هم شطار فيه.
-
باختصار ماذا تعني لك هذه الكلمات:
-
** جرح عميق، ومستعص على الشفاء.
-
-
** الخنجر الذي وضع في خصر كل مواطن عربي، وهي التي عطلت حركة التقدم العربي.
-
** عمل وفقني الله فيه جدا، وكان له جاذبية عند الناس، وإن كان ليس أحسن مما كتبت.
-
-
** لما كان وزيرا للخارجية أيام بومدين، هو رجل ملفت للنظر، ويعطي انطباعا بخبرة عميقة، والدور الذي يقوم به اليوم يجب أن يُحيا عليه.
-
-
** الرمز والفكرة أنا متيم بها.
-
** لم تتضح معالمه بعد، ولا يستطيع أي مواطن في مصر أن يعطيك رأيه فيه.