الرأي

السّاسي عابدي.. المثقّفُ الموسوعيّ الألمعيّ

لمباركية نوّار
  • 73
  • 0

سار الفقيد الساسي عابدي (23 مارس 1955ـ 11 أفريل 2026م) في مساره الفكري الحافل والمشحون والوفير سيرا معرفيا مستندا إلى البحث العميق والتنقيب الدقيق، والنظر في بطون أمهات المصادر ومظان أكبر المراجع التي تعرّضت للموضوع الذي شغله عمره كلّه. ولم يستثن الجلوس أمام المرئيات والإصغاء للمرويات في تحرُّز وتوقٍّ وحيطة وحذر خشية الوقوع مكبَّلا بأصفاد العاطفة التي تقود صاحبها إلى الشطط والنشوز. واستطاع أن يجمع في كف يده بين العلم والعمل النضالي الهادئ خدمة لقضيته. وإن كسب احتراما بين عارفيه، فبفضل شق أداته الأولى، أي العلم عن بصيرة، الذي وفق في توظيفه حتى رفعه درجات وميّزه عمن يشاطرونه عنوان مسار السير.

مكنت مثابرات السنوات الطويلة، بكل ما صاحبها من عنت وصبر، الأخ الساسي عابدي من الانتقال بقضيته التي تدور حول الهّوية الوطنية من الفكرة إلى المشروع الذي لا يتوقف عن النمو والترعرع. مما يعني نقلها إلى ساحة المبارزة العقلية والمناظرات العلمية ذات المدى الزمني الطويل، وتخليصها من سخافات المناكفات التي لا تسمن الهزيل ولا تغني من جوع العقول، وهو أخطر من خواء البطون.

لا يُعدّ الأخ الساسي عابدي من زمرة أولئك الذين يسهل على المرء أن يرسم لهم ملمحا جامعا شاملا، ولو تقريبيًّا، من خلال ما تنقله ألسنة الناس إليه. وإنما هو من سلالة صنف لا يستطيع أحدٌ أن يكتشف عناصر شخصيته إلا من بعد جلوسه معه، والاستماع إليه، ومناقشته، وإلا وقع في مطبِّ الإجحاف في حقه بدل إنصافه والحكم له أو عليه، والوقوف معه مؤيدا نصيرا، أو مخالفا معارضا.

عرفتُه اسما قبل التعرف عليه رسما منذ سنوات طويلة، ولكن لم يكتب لي اللقاء به إلا قبل سنتين، أو ما يزيد أو ينقص عنهما بشيء قليل. وبعد انقضاء أول جلسة جمعتني به مصادفة، رحت أسأل نفسي سؤالا تشكيكيا كبيرا، فحواه: هل هذا هو الساسي عابدي الذي سمعت عنه؟.

كنت في هذا المجلس أجلس قريبا منه. وساقنا الحديث إلى الخوض في عدة مواضيع تاريخية قديمة وحديثة. وكانت كلما أتيحت الفرصة له للحديث إلا وتكلم بإسهاب وعن دراية وتمكُّنٍ مازجا بين اللغة العربية التي يتقنها واللغة الفرنسية التي تعلم بها، واكتسبها حتى طوَّعها، ولانت على لسانه.

كان يتكلم من جراب مكتنز ومملوء حتى التخمة، وكانت ذاكرته الذكورة والزاخرة التي يبدو أنه مرَّنها طويلا على الحفظ مُسعِفة له في تذكر الأحداث والوقائع والمواقع بأدق تفاصيلها، وعلى الإتيان بمن كتب عنها وبالكتب التي حوت معلومات تخصها. وما يثير الدهشة هو حفظه أرقام فصول الكتب وصفحاتها التي يقتبس منها. وأغرب الأغرب أنه يسترجع، أحيانا، فقرات كاملة مؤلفة من عدة أسطر يحفظها عن ظهر قلب، ويسردها في يسر كمن ينظر في صفحة كتاب مفتوح بين يديه. ويجري الموازنات والمقارنات، ولا يفنِّد قولا أو رأيا إلا بالدليل والبرهان. وحقا، وجدت نفسي أنني أقف أمام ظاهرة بشرية ثقافية متميزة، ولم يسبق لي أن عرفت لها نظيرا أو شبيها. وهي ظاهرة ابتلعت مئات الكتب قراءة وفهما وتحليلا.

منحت الطاقة الذهنية الاستيعابية للأخ الساسي عابدي قوة خارقة في الاسترسال في الكلام؛ فإذا بدأ الحديث فلا أحد يستطيع توقيفه أو مقاطعته. وإن جاءه سؤالٌ رأى فيه فائدة، أجاب عنه إجابة مدمجة، ثم استأنف. ولم يكن حديثه يسبِّب ضجر متلقيه، لأنه لا يقع في مزلق التكرار أو عارضِ التوقف للتذكر.

بعد عدة لقاءات، توطَّدت علاقتي بالأخ الساسي عابدي، وأصبحت من جلسائه الأثيرين، لأنني كنت استفزُّه ببعض أسئلتي حتى يُسمِعني أكثر من ذخائره المكنونة. وكان كلما حام بسيارته قريبا من الحي الذي أسكنه إلا وهاتفني للقائه، والتوجُّه إلى أقرب مقهى، والانزواء في زاوية من زواياها بعد أن نطلب فناجين من القهوة (وأهلنا يدعونها “الشاذلية” لإفراط حبّهم لها) التي نشتهيها معا.

يحمل الأخ الساسي عابدي تعلقا منمّقا لكل ما يرمز إلى أصالته التي يلتحم بها، ويحاول إشاعتها. وأذكر أنه حدثني، ذات مرة، في زهو عن تمسك زوجته بارتداء الملحفة الأوراسية السوداء والعريضة والمطرزة حوافها بالألوان الزاهية، والتي تلفّ جسم من ترتديها لفا كاملا وتغطيها من ذؤابة رأسها حتى قدميها كما تلفُّ الأغلفة الخضر حبة الذرة. وروى لي سفرها معه بهذا اللباس الذي يعتز به إلى عدة دول أوروبية، وعن إعجاب الأوروبيات بها، وكيف كنّ يستوقفنها، ويسألنها عن موطنها وعيونُهن تبرق بالإجلال والاستحسان الباديين على وجوههن.

عاش الأخ الساسي عابدي نصيرا بعلمه الكثيف والمركَّز والمصفَّى لأحد عناصر الهوية الوطنية الذي كثيرا ما يدور حوله الجدال. وكان يدافع عنه دفاع العالم العارف والواثق الذي قرأ الكتب واستنطق الحجر وسافر وغامر وأجرى المقارنات وجمع المادة العلمية التي رسمت قناعته، فعاش لها عيش من يحرس كنزا ثمينا.

أراد الأخ الساسي عابدي أن يبقى متناصًّا ومنسجمًا مع ماضي أجداده البعيد بعد أن أمضى طفولته في بيئة أوراسية تشبه المنجم بوفرة موجوداتها المادية وعاداتها وتقاليدها وعلاقات أحيائها. وشكّلت هذه العناصر طعم إغراء أوقع أحاسيسه في قبضته، وألهمته التعلق بها ومحبة العودة إلى جذوره.

لا يمكن أن نصنِّف الأخ الساسي عابدي ضمن دائرة المتحيّزين والمتشبعين بفكرة الإلغاء الذين يقصرون من لبنات صرح هويتنا الوطنية، ويحاولون تقليص مساحتها وحجمها مما يثير خلافهم مع الآخرين.

في رمضان الماضي، كنا نلتقي صباحا في نادي إحدى الجمعيات. وكنا نتحدث كثيرا، ونتقاسم هموم الحال التي أصبحت عليها أمتُنا. ولا نفترق إلا بعد أن نصلي صلاة الظهر معا. وكنا نأسف لما يكون أول المغادرين بدرجة سعادتنا نفسها حين يقدم علينا، ويحلس بيننا.

أسرَّ لي أحد الإخوان بعد أن أبلغته نعي الأخ الساسي عابدي الذي فاجأني، أسرَّ لي بما رواه له الفقيدُ بنفسه، فقال: مع نسائم الانفتاح الديمقراطي التي هبّت على جزائرنا، دُعِيت لحضور مؤتمر لحزب “التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” الذي يعرف القاصي والداني مرتكزات أفكاره وتوجُّهاته. ولما لاحظوا أنني أغادر القاعة في أوقات الصلوات لأدائها، اقترب مني أحد قيادييه، وخاطبني بالقبول: أظن أنك أخطأت العنوان!.

أمام زخم مساهماته العلمية الجادة وكثافة حضوره القوي اللذين جعلا منه معلما ثقافيا واضحا وعلامة مميزة في ساحتنا الفكرية المتداخلة بتنوُّعاتها وتقاطعاتها، أرى من الضروري، وبلغة رياضياتية مبسَّطة، تحديد الإحداثيات الدالة عن المكان الذي يقف فيه الأخ الساسي عابدي بشموخه وكبريائه الوطنية النقية حتى نمنع ذهاب اجتهاداته ومثابراته إلى وجهات أخرى غير الوجهة التي كان يعمل من أجلها في عزٍّ وشرف، وهي وجهة الجزائر المعتزة، بلا عقدة، بتنوُّعها وغناها، والفخورة بماضيها وحاضرها، والمؤمنة بزخرفتها الثقافية. ولا أعتقد، أنه يوجد من يرضى بأن تكون خلاصات ما بناه بساعده وعرقه في احتراس نهرا محوَّلا أو جسرا مقطوعا.

لم أعلم بالوعكة الصحية التي ألمَّت، فجأة، بالأخ الساسي عابدي ليلة عيد الفطر، والتي فرضت عليه المكوث أكثر من أسبوعين في المستشفى وتحت رحمة أجهزة غرفة العناية المركزية حتى وافاه أجلُه المحتوم. ولكن لما سمعت خبر رحيله المُحزن، تملكّني ما يشبه اليقين أن الإصابة قد تكون في دماغه الذي أتعبه كثيرا، وحمَّله أكثر مما يطيق حفظا وتفكيرا وبحثا وسهرا، وشغله بصورة مستمرة لم تعرف استراحات بين كل شوط وآخر، وكأنه يسابق الزمن. وفي يوم دفنه، التقيت من أكد لي صدق حدسي. وأخبرني أن عرقا دمويا تعب في دماغه، وانفجر نازفا مدرارا، وأبى أن يتوقف.

إن فقدان الأخ الساسي عابدي هو خسارة للفكر الموسوعي المدهش وللموقف المعتدل وللرأي السديد وللنظرة الثاقبة والمتوازنة والجامعة لمقومات الهُوية الوطنية وعناصرها في هيئتها الكاملة، وهي الهيئة التي صنعت هيبتها ومجدها وسؤددها عبر العصور والأعاصير.

رحم الله أخانا الساسي عابدي الذي سنظل نشتاق إلى موسوعيته الفذة والفريدة وإلى أحاديثه المفيدة ومحاضراته المرتجلة التي تبرز عبقريته الباذخة ونكته الملهية والمغنية والمضحكة.

أسرَّ لي أحد الإخوان بعد أن أبلغته نعي الأخ الساسي عابدي الذي فاجأني، أسرَّ لي بما رواه له الفقيدُ بنفسه، فقال: مع نسائم الانفتاح الديمقراطي التي هبّت على جزائرنا، دُعِيت لحضور مؤتمر لحزب “التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” الذي يعرف القاصي والداني مرتكزات أفكاره وتوجُّهاته. ولما لاحظوا أنني أغادر القاعة في أوقات الصلوات لأدائها، اقترب مني أحد قيادييه، وخاطبني بالقبول: أظن أنك أخطأت العنوان!.

مقالات ذات صلة