الرأي

السّباحة بعيدا عن الدّين… في زمن التّدافع!

سلطان بركاني
  • 114
  • 0

يَروي أحد الطّلبة العرب المبتعثين للدراسة في ألمانيا، أنّ فتاة ألمانية طرقت بابه في السادسة صباحا، فلمّا علم أنّ غرضها هو دعوتُه إلى عقيدتها النّصرانية، بيّن لها أنه مسلم، وأنه ليس في حاجة إلى أن يسمع منها؛ فوجئ بها تجادله وتلحّ عليه أن يمنحها ولو دقائق من أجل المسيح! فلمّا رأى إصرارها أوصد الباب في وجهها، لكنّها أصرّت على تبليغ عقيدتها، ووقفت تخطب أمام الباب المغلق قرابة نصف ساعة تشرح عقيدتها، وتغريه باعتناق دينها المحرّف الذي لا يقرّه عقل ولا نقل!

هكذا يستميت أهل الباطل في الدّعوة إلى باطلهم ويتفانون في خدمته، وفي تقديمه للناس في أبهى حلة، مع ما يعتري باطلهم من دمامة ومصادمة للمعقول؛ فماذا عنا نحن معاشر المسلمين؟ ما الذي نقدّمه لديننا الحق، وبماذا نضحّي لأجله؟ كم جعلنا له من جهودنا وأوقاتنا؟ وما المساحة التي يحتلّها من همومنا؟ إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة تبُثّ الحزن والأسى في النّفوس، لحال عبادٍ لله مسلمين في هذا الزّمان، أصبح الدّين آخر شيء يشغل تفكيرهم، ولا يكاد يمثّل شيئا في حياتهم، لا يهمّهم أن ينتصر وينتشر، ولا يضرّهم أن يُستهدف ويحاصر ويمكر به وبأهله ويتقهقر.

ديننا في آخر اهتماماتنا!

إنّ العين لتدمع وإنّ القلب ليحزن لحالنا مع ديننا في هذا الزّمان، يوم صار الواحد منّا يعيش عشرات السنين ولا يكاد يقدّم لدينه إلا نزرا يسيرا من فضول الجهود والأموال والأوقات؛ تبلّد عندنا الإحساس وأصبحنا لا نعبأ بما يجري على الدين وأهله من محن ونكبات ورزايا. لا نغار للدين أن يرام جنابه، ولا تتحرك قلوبنا إذا أصبح هدفا وغرضا لأعدائه. لا همّ لنا إلا أن تَصلح دنيانا، ولا حديث في مجالسنا إلا عن الزيادات في الرواتب والعلاوات والتعويضات، وعن توزيع السّكنات، وعن التسهيلات الممنوحة لشراء السّيارات.

وما يحزّ في النّفوس أكثر أنّ حال الرّعاة مع الدّين وقضاياه أسوأ من حال الرّعية، في زمن كان المفترض أن تتحرّك فيه قلوب ولاة الأمر ويُظهروا شيئا من الأسف لما لحق الإسلام والمسلمين، يقول ابن القيم عليه رحمة الله: “وأيُّ دينٍ وأيُّ خير فيمن يَرى محارم الله تُنْتَهك وحدودَه تُضَاع ودينه يُتْرَك وسنّة رسول الله –صلـى الله عليه وسلم- يُرْغَب عنها وهو بارد القلب ساكت اللسان؟ شيطان أخرس! كما أنّ المتكلّم بالباطل شيطان ناطق، وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مُبالاة بما جرى على الدين؟ وخيارهم المتحزن المتلمظ، ولو نُوزعَ في بعض ما فيه غَضَاضة عليه في جاهه وماله بذل وتبذَّل وجَدَّ واجتهد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وُسْعِه، وهؤلاء ـ مع سقوطهم من عين الله ومَقْتِ الله لهم ـ قد بُلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون، وهو موت القلوب؛ فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى، وانتصاره للدين أكمل”.

حال انتشى لها المتربّصون

لقد قرّت لهذه الحال التي نعيشها مع ديننا أعين المتربصين بهذا الدين وبتعاليمه، من يهود وصليبيين، وعلمانيين وشيوعيين، يوم حاق بنا مكرهم وهم الذين قال قادتهم: “لقد أنشأنا في الشّرق جيلا لا يعرف الصلة بالله؛ فإذا تعلّم فلأجل الشهوات، وإذا كسب المال فلأجل الشهوات، وإذا وصل إلى أعلى المراتب فلأجل الشهوات. لأجل الشهوات يجود بكلّ شيء….”.

لقد سقط أكثر المسلمين ضحايا لمكر الليل والنهار الذي حاكه المتربّصون وضخّوه في وسائل الإعلام ضخا مركزا على مدار قرن كامل، مكر عظّم الدنيا في عيون المسلمين وجعلها أكبر همهم ومبلغ علمهم ومنتهى آمالهم، وزيّن لهم الشهوات وذلّل لهم سبلها، وصوّر لهم -في المقابل- الدّين على أنّه قيود وحدود وعقد وأحكام لا تتماشى مع التطور والتحضّر، بل وخوّفهم من أنّ الالتزام به وتربيةَ الأبناء على أحكامه وآدابه يقود إلى التخلّف والتطرّف والإرهاب، وقدّموا لهم بدائل زيّنوها وبهرجوها وجعلوها من الأولويات التي يحارَب من حاول تقديم غيرها عليها، وسخّروا لأجل ذلك كلّ الإمكانات، ونفخوا في الخلافات التافهة بين دول المسلمين، فأصبحت الحدود التي رسمها الصليبيان سايس وبيكو أقدس من رابطة الإسلام!

وماذا بعد؟

إنّها الرزية العظمى، يوم ينشأ أبناؤنا وتنشأ الأجيال القادمة على جعل الدين في آخر اهتماماتها، وتتربّى على أنّ الدّنيا هي البداية وهي النهاية، فيترعرع الطّفل المسلم ويتربّى منذ نعومة أظفاره على أنّه في هذه الدنيا لأجل أن يدرس وينجح ويتوظّف ويتقاضى المرتب، ويبني بيتا ويشتري سيارة ويتزوج ويتمتع بدنياه كيفما شاء حتى تأتيه منيته، وللدّين ربّ يحميه وينشره!

لذلك ينبغي للآباء والأمّهات والمربّين في مختلف المستويات، أن يتنبّهوا -بكلّ اهتمام- إلى الدّرك الذي يتّجه إليه الجيل الجديد من هذه الأمّة… العالم يعيش صراعات محتدمة ظاهرها التنافس على النفوذ وامتلاك أسباب القوة، لكنّ باطنها دينيّ بحت، ويكفي التذكير بأنّ قادة “أمريكا” الآن –سياسيين وعسكريين- لا يجدون أيّ حرج في إعلان إيمانهم باقتراب معركة هرمجدون! في خضمّ الحرب التي يشنّونها على “إيران” ويتوقّعون أن تتّسع دائرتها ورقعتها.

ليس ينفع المسلمين أن يصروا على قراءة الأحداث قراءة “علمانية” جافّة، وليس في صالحهم أن يصرّ أولو الأمر منهم على الاستهانة برزية انحدار الجيل الجديد بعيدا عن دينه؛ فالشابّ الذي يراد له أن يسبح بعيدا عن “السياسة” سيسبح –تبعا لذلك- عن أمّته ووطنه وعن كلّ ما يراه لا يصبّ في حسابه وجيبه!

مقالات ذات صلة