الشاذلي ساند زروال ضدّي .. فاستقلت
في هذه الحلقة، يتحدث وزير الدفاع الأسبق، الجنرال المتقاعد، خالد نزار، عن الخلاف الذين نشب بينه وخليفته في قيادة القوات البرية، الرئيس السابق، اليمين زروال بسبب تباين وجهات النظر في قضية إعادة هيكلة الجيش، وكيف انتهى الخلاف بتقديم الأخير استقالته، ثم يعرج على قضية محكمة الجنرال الراحل، مصطفى بلوصيف، وموقف الرئيس الراحل الشاذلي منها، وأمور أخرى ستكتشفونها في عدد اليوم.
ناداني العربي بلخير وطلب مني أسماء الأسرى الذين يتم تبادلهم. لأن أسرى “أمغالا واحد” ما زالوا قيد الأسر .
لقد تفاجأ من الموجودين في القائمة الجزائرية.. عندها كلمني العربي بلخير (رئيس الديوان برئاسة الجمهورية آنذاك)، وقال لي إن الشاذلي طلب مني إجراء تحقيق في القضية، فأصبحت في حرج. وكنت يومها قائدا للقوات البرية ونائب قائد الأركان.
من أعد تلك القائمة؟
قائد الناحية العسكرية الثالثة، لكن أرجوكم لا تسألوني عن اسمه.
أواصل.. ترددت مدة، ثم كلمني العربي بلخير ليؤكد لي بأن الشاذلي كلف عبد الله بلهوشات ليقوم بالتحقيق، قلت الحمد لله. لم يكن مكتبي بعيدا عن مكتب بلهوشات، وذات يوم كلمني سي عبد الله، وطلب مني الحضور إلى مكتبه، ولما دخلت وجدت ذلك الشخص معه (يقصد قائد الناحية العسكرية الثالثة). وقال لي إن الملف جاهز لدراسته، ثم طلب مني الانتقال إلى محمد العماري، وكان يومها مسؤول القطاع العملياتي، برفقة قائد الناحية الثالثة، لدراسة الملف.
تحفظت على إشراكي في الملف مجددا، لأن المسؤول الذي وقع في الخطأ يعتبر أحد الثلاثة المجتمعين. ثم كلمني العماري وأبلغني بأنه مع قائد الناحية المذكور، ونحن في انتظارك، فأبلغته بأنني أرفض الحضور. وأنجز التقرير ووجهه للرئيس الشاذلي، ويبدو لي أنه لم يعجبه.
كيف تم تكييف القضية عند الرئيس.. أو ما الذي جعله يهتم بهذا الملف شخصيا؟
القضية تتعلق بتبادل الأسرى، وقدموا له معلومات خاطئة. كانت بحوزته معلومات ثم وجد معلومات أخرى. هذا هو الأمر الذي أغضبه فطلب التحري في الموضوع لا أكثر.
قائد الأركان يومها كان عبد الله بلهوشات، وأنت كنت نائب قائد أركان..
نزار مقاطعا.. أدرك أين تجرني.. قلت لك أنا لا أذكر الأسماء..
لا لا، أنا أقصد..
تلحون على اسم قائد الناحية العسكرية الثالثة يومها، إنه الرئيس السابق اليمين زروال. فلنتجاوز هذه النقطة.
نصل الآن إلى إعادة هيكلة الجيش في 1987. هل لديك ما تقول في هذه القضية؟
فيما يخص إعادة الهيكلة، أعطت إمكانات جديدة للوحدات. عندما عُينت قائد القوات البرية، أنا كنت في تندوف بشار، وكنت في الحدات سابقا، وأدرك مشاكل الجنود والوحدات.. لم تكن مهيكلة كما يجب. وفي ذلك الوقت بدأ بروز التيار الإسلامي بمشاكله، والظروف كانت صعبة، الأمور الاقتصادية لم تكن على ما يرام.. أسعار البترول في الحضيض وانجرعنها كما هو معلوم أحداث 1988.
وفي الواقع الأزمة بدأت في 1985، ويومها كنت نائب رئيس أركان.. ومصطفى بلوصيف رئيس أركان. وكنا في كل مرة نبرم صفقة سلاح، ننتدب فنيين اثنين من المالية للعمل معنا، ويسافرا مع الوفد الذي يقوم بالمفاوضات، وقد أكدا لي أن الجزائر كانت “تغلّط” صندوق النقد الدولي، من حيث الأرقام التي توجهها له.
نعود للهيكلة.. اقترحت إعادة هيكلة الجيش على الرئيس الشاذلي، وقبلها، لكن كان هناك رافضون، من جملتهم محمد بتشين، اليمين زروال، والروج (محمد عطايلية).. ولذلك يمكنكم الوقوف على مصدر المشاكل التي يواجهها خالد نزار.
ومن كان إلى جانبك في قضية إعادة هيكلة الجيش علاوة على الرئيس الشاذلي؟
لا لا، أنا كنت أقوم بمهمتي.. كل من كان يملك كفاءة كان معي في قضية الهيكلة، وقادة الوحدات أيضا كانوا يدركون أن ذلك في صالحهم.
لكن أنا أسأل عن الأسماء البارزة في الجيش أو في الرئاسة، مثل العربي بلخير؟
ما دخل العربي بلخير في إعادة هيكلة الجيش.
هو كان رئيس ديوان الرئاسة؟
وما دخل ذلك؟
نفوذ الرجل لا يخفى على أحد؟
ليس له علاقة بإعادة الهيكلة لا من قريب ولا من بعيد. سبحان الله العظيم
نعم، العربي بلخير كان رئيسا للديوان، بعيدا عن الجيش، نعم..
خلاص، أنا أقول لك، لا علاقة لبلخير بإعادة هيكلة الجيش.
نعم، ولكن أتركني أطرح السؤال جنرال.. القرار بيد الشاذلي، وأنت قلت سابقا، إن مشكل الشاذلي أنه كان يسمع للآخرين، وكان يمكن أن “يوسوس” العربي بلخير للشاذلي؟
كيف يعلم العربي بلخير أنني بصدد إعادة هيكلة الجيش، بل لا يهمه الأمر. من كانوا معي هم من يعرفون معنى تنظيم الجيش.
أذكر لنا بعض الأسماء من هؤلاء؟
دعوني من حكاية الأسماء. ما معنى هذا؟
يفترض مادام ذكرت الأسماء الذين كانوا ضد، أن تذكر الذين كانوا معك..
أرجوكم.. أنا أتحدث في أمور مهمة.
نحن لا نريد إحراجك، ولكن نريد تنوير الرأي العام.
— ما دامت إعادة الهيكلة تم تبنيها، فالأغلبية كانوا معي، والبقية كانوا “خضرا فوق عشا“.
هل استعملت النفوذ من أجل فرض منطقك؟
بالطبع.. لأنني وجدت عراقيل في الطريق من كل جهة، وبقي لي مخرجان، إما الاستقالة أو المواصلة. ثم تساءلت في قرارة نفسي، وقلت إذا نجحت الخطة سأواصل، وإذا لم تنجح سأستقيل. هذا هو مبدئي.
ولكن المطلعين على القضية يقولون إن الرئيس الشاذلي طلب من زروال أيضا خطة عمل إعادة هيكلة الجيش، واختاره على حسابك في البداية؟
دعني أكمل للتوضيح. زروال لم يكلفه الشاذلي بإعادة هيكلة الجيش. لما كلفت أنا بقيادة الأركان وتمت ترقية زروال لقيادة القوات البرية. ولما سلمته المهام (نزار كان قائد للقوات البرية)، قلت له يا سي لمين، أتمنى أن تحافظ على خطة العمل التي وضعتها لإعادة هيكلة الجيش، لكن من دون أن أحرمه من حقه في أن يترك بصمته.
أنا تركت مجموعة العمل التي تشرف على إنجاز الخطة، وكانت تصلني معلومات بعد ما اعتليت منصب رئيس أركان، بدأت تصلني بعض المعلومات عن وجود انحرافات في تنفيذ الخطة. عندها بعثت رجالا قريبين من زروال مثل محمد العماري، للتدارك. بعدها جاءني زروال وأبلغني بأنه أنهى إعادة الهيكلة وسلمني الملف، واطلعت عليه، وإن كانت المعلومات قد وصلتني.
عندها قلت لزروال ما كان يجب عليك أن تلغي ما قمت به تماما، فرد علي بأن إمكانيات الجيش لا تسمح بتنفيذ الخطة، ولا بد من مراعاة هذا الأمر.. قلت يا سي لمين حسب خطتك، سنكمل المشروع في 2015، وكان ذلك في 1987.
فقررنا الاحتكام للشاذلي، وقدمت تقريرا بهذا الخصوص للرئيس، لكنه لم يجبن. وذات مرة كلمني وقال لي سيلتحق بك زروال ليتباحث معك بشأن إعادة الهيكلة، وأكد لي بأنه استقبل زروال. تفاجأت حينها، لأنني راسلته ولم يجبن. عاتبت الرئيس، فرد علي: كنت على علم بأنك منشغل بأمور.. ففهمت بأن الشاذلي اختار الوقوف إلى جانب زروال.
وهنا قيل إنك قدمت استقالتك؟
نعم، كلمت مصطفى شلوفي (أمين عام وزارة الدفاع يومها) وقدمت له استقالتي.
قبل لقائك بزروال؟
نعم. مباشرة بعد ما كلمني الشاذلي وقال لي إن زروال في طريقه إلى مكتبه، فهمت أن الأمر حسم لصالح زروال، فسارعت للاتصال بشلوفي وقدمت له استقالتي. وبعد حوالي نصف ساعة وصل زروال، وقال لي هل كلمك الشاذلي، قلت له نعم. ثم توجهت نحوه وقلت يا سي لمين، مادام رأيي أصبح لا قيمة له، فلم يبق لي إلا الاستقالة، وأبلغته بتقديم استقالتي. عندها ترجاني العودة عن الاستقالة، وقال لي الجيش بحاجة إليك. هذا يبين أن زروال من طينة الرجال، لكن البعض لعبوا به.
من لعب به؟
بتشين وجماعته الذين عارضوا إعادة الهيكلة، لأن التقرير الذي تم إعداده كان في مكتب بتشين. لم يرد الشاذلي على استقالتي، وكان كلما يلتقي شلوفي يقول له: هل مازال ذلك الشاوي غضبان؟ بعدها يكلمني سي العربي (بلخير)، ويقول إن الرئيس طلب منك جمع قادة القوات وقادة النواحي وتعيد تقديم مشروعك لإعادة الهيكلة، والرئيس سيحضر في المساء. وأنا حينها كنت جاهزا، لقد عرف الرئيس أن مشكلا قد وقع، ولكن الرئيس هو من خلقه.
لما صعدت على المنبر لقراءة المشروع بحضور الرئيس، لم أقرأ المشروع الذي تم بالتوافق مع زروال، وإنما خطتي الأصلية، واعتبرتها الأفضل للجيش، ثم تكلم الرئيس ودعا الجميع إلى الالتزام بهذه الخطة. بعدها خرج زروال مباشرة وقدم استقالته.
ما الذي جرى كي يغير الرئيس موقفا من النقيض إلى النقيض. لقد كان مع زروال من قبل؟
بسبب هؤلاء الناس الذين يريدون خلط الأمور.
هل قمت بمناورة؟
لما قدمت اقتراحا ولم يؤخذ به، ماذا تنتظرون مني أن أفعل. أنا أردت حل المشكل ودّيا، لكن هم حاولوا فرض الأمر الوقع، ولكنهم فشلوا.
الورقة الوحيدة التي كانت بيدك، هي إما قبول المقترح كما هو، أو تقديم الاستقالة؟
نعم، كانت تلك الورقة الوحيدة.
من اتصل بك وقال لك إن الرئيس طلب منك عرض مقترح؟
قلت لك مدير الديوان في الرئاسة، ولكن يجب أن تضع في راسك أن مدير الديوان لا مسؤولية له، هو مجرد قناة لنقل المعلومات والأوامر.. ولماذا تريد النبش في قضايا هامشية.
نصل الآن إلى قضية مصطفى بلوصيف، يقال إنه كان أصغر جنرال في تاريخ الجيش الجزائري، ما قصة هذا الرجل؟
لقد توفي رحمه الله. أنا من جملة الذين اتصلوا بالشاذلي بخصوص ترقية بلوصيف، لأن مصطفى كان مقدما وأنا كنت عقيدا، وكنا لما نذهب للقاء الرجل، وكان يومها أمينا عاما لوزارة الدفاع، أنزع رتبتي وأرتدي الزي المدني، لأنني كنت أعلى رتبة منه، فطلبت من الرئيس أن يرقيه إلى عقيد. فربما هذا من بين الأسباب التي ساهمت في ترقيته بسرعة إلى أن أصبح قائد أركان وهو الذي لم يستفد من تكوين عسكري، ماعدا فترة تكوينية في موسكو في 1964.
بلوصيف برز في وقت الشاذلي، بحكم الحلقة الضيقة للجهوية، إضافة إلى مسالة ثقة، ممكن. بلوصيف، كان أمينا عاما لوزارة الدفاع، ثم رقي ليصبح رئيس أركان في العام 1985.
مصطفى بلوصيف صعد بسرعة لكنه أيضا سقط بسرعة؟
ذات يوم قال لي الشاذلي إنه أعطى الفرنسيين مشروع شراء عتاد الغطاء الجوي، وبمبلغ مهم. كان ذلك من صلاحيات الرئيس، وخاصة إذا رأى في ذلك فوائد للبلاد.
ألم تعارضه؟
لم أعارضه. لكن هذا المشروع ألغي فيما بعد، مثلما ألغينا مشاريع أخرى مثل مشروع أطلس للاتصالات.
تعيين بلوصيف وترقيته، كان وفق التقاليد المعمول بها في المؤسسة العسكرية؟
كل التعيينات تمت خارج التقاليد.. كما أن الكثير من الوجوه شغلت مناصب حساسة ولم تكن تتوفر على تكوين.
لم تجبن عن سؤالي السابق، بلوصيف صعد بسرعة لكنه أيضا سقط بسرعة، لماذا؟
الجميع يقول إن سبب بلوصيف هو خالد نزار رغم أنني كنت بعيدا عن هذه القضية.. لكن الرجل سرق. لماذا رفض التنقل من وزارة الدفاع، لأنه خشي أن يكشف أمره، وأنا كنت على دراية. في ذلك كان مدير المالية يدعى الهبري.. أنا كنت في لجنة ترأسها الهاشمي هجرس، أنا عضو، عطايلية، عضو، لكحل عياط عضو، بتشين عضو، إذن لماذا تلصق التهمة بي؟
ما هي قضية بلوصيف بالضبط؟
قضية بلوصيف واضحة، الرجل اختلس خمسة ملايير سنتيم عملة صعبة، أما العملة الوطنية فمن الصعب حصرها. خمسة ملايير سرقها (50 مليون فرنك). كانت الأموال التي تبقى في الخزينة يضعها في حساب خاص، ويصرفها كما يشاء.
ملف بلوصيف تم تحريكه في عهد قيادتك لوزارة الدفاع؟
لا، قبل. تم تحريك ملفه لما كان رئيس أركان.
من أعطى الضوء الأخضر لذلك؟
الرئيس شخصيا.
وكيف اطلع الرئيس على هذا الملف؟
وصلته أخبار، وأعتقد أن المدير العام للأمن الوطني الأسبق، لحرش، هو من أوصل الملف للرئيس.
ما حقيقة أن الرئيس الشاذلي قدم ملف شقيقه للعدالة، ويقال إنك تدخلت وسحبت هذا الملف؟
أبدا، لم أقم بشيء من هذا القبيل. ما الذي أوصلني للقضاء.
كيف تم تسريب ملف بلوصيف للصحافة عشية محاكمته؟
لست أدري. لقد اتصلت بمسؤول الجريدة التي نشرت الملف، وطلب منه تقديم مصدر التسريب، لكنه رفض بحجة حماية المصدر، ثم كلمته ثانية فقال لي إن من سربه لم يعد في الجيش.
برأيك، ما الهدف من تسريب الملف؟
لست أدري.
يقال إن ملف بلوصيف أغضب الرئيس كثيرا؟
لأن هذا الملف طال محيط الرئيس. ولعل ذلك كان من أسباب تكوين اللجنة للتحري في القضية. لقد تردد الشاذلي في البداية، ثم طلب من شلوفي أن يطوي القضية، لكن شلوفي قال إن المسألة تتعلق بثغرة ستبقى تلاحق الميزانية، عندها قرر الرئيس إحالة الملف على العدالة، ولا دخل لي في ذلك؟