-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
مرض نفسي انتشر في أوساط مهنية اقتصادية وإدارية

الشخصية المعادية للمجتمع… الوجه الخفي لأصحاب “الياقات البيضاء”!

وهيبة. س
  • 117
  • 0
الشخصية المعادية للمجتمع… الوجه الخفي لأصحاب “الياقات البيضاء”!

البروفيسور حكيمة سوكي: السمات المعادية للمجتمع قد تظهر لدى ناشطين في أوساط مهنية ومالية مرموقة

قد لا تبدو بعض السلوكيات المثيرة للقلق في شكلها التقليدي فالتلاعب، والكذب، واستغلال النفوذ، والقدرة على التأثير في الآخرين، يمكن أن تتخذ أحيانا مظهرا أكثر نعومة، وتختبئ خلف النجاح المهني والحضور القوي والقدرة على الإقناع.

ومن قاعات الإدارة ومكاتب الشركات إلى غرف الاجتماعات ومراكز القرار، تحضر سلوكيات أقل وضوحا من اضطرابات الشخصية، هذا الجانب كان محور مداخلة علمية قدمتها البروفيسور حكيمة سوكي، المختصة في الأمراض العقلية بمستشفى “دريد حسين”، خلال فعاليات الطبعة الحادية عشرة للتظاهرة العلمية حول الصحة النفسية، حيث اختارت البروفيسور سوكي تسليط الضوء على موضوع الشخصية المعادية للمجتمع في أوساط ما يُعرف بـ”الياقات البيضاء”، في إشارة إلى الأشخاص الذين ينشطون في بيئات مهنية واقتصادية وإدارية، حيث لا تكون السلوكيات المضطربة بالضرورة مرتبطة بالعنف أو بالجريمة التقليدية.

سلوكيات مزيفة… عندما لا يكون الخطر واضحا

في العقل الجمعي الجزائري، غالبا ما ترتبط الشخصية المعادية للمجتمع بصورة الشخص العدواني أو الخارج عن القانون أو “الغاضب”، غير أن الواقع السريري أكثر تعقيدا، إذ يمكن لبعض السمات المعادية للمجتمع أو السمات السيكوباتية أن تظهر في أشكال أقل وضوحا، خصوصا داخل بيئات تتطلب مهارات عالية في التواصل والتفاوض وإدارة العلاقات.

وقد تتجسد هذه السمات، بحسب مداخلة المتحدثة، في التلاعب بالآخرين، والكذب المتكرر، واستغلال الثقة، والابتزاز، واستخدام النفوذ لتحقيق مصالح شخصية، إلى جانب ضعف الشعور بالندم أو التعاطف.

وفي بعض الحالات، بحسبها، قد تكون القدرة على إدارة الانطباع أمام الآخرين جزءا من المشكلة نفسها، فالشخص قد يبدو لبقا، واثقا، جذابا وناجحا، بينما تكون علاقاته المهنية أو الشخصية قائمة على الاستغلال والسيطرة.

لكن هذه المظاهر، مهما بدت لافتة، لا تكفي وحدها للقول إن الشخص يعاني اضطرابا في الشخصية.

النجاح لا يعني الاضطراب… والاضطراب لا يعني الفشل

من النقاط التي شددت عليها البروفسور سوكي، ضرورة الفصل بين المكانة الاجتماعية أو النجاح المهني وبين التشخيص النفسي، في امتلاك شخصية قوية، أو القدرة على القيادة، أو الطموح، أو مهارات الإقناع، أو الوصول إلى منصب إداري رفيع، لا يعني وجود اضطراب في الشخصية، كما أن وجود بعض السلوكيات التي قد تبدو متلاعبة أو أنانية لا يسمح، بمفرده، بإطلاق تشخيص سريري.

ولهذا، فإن الحديث عن “السيكوباتية” أو “الشخصية المعادية للمجتمع” يتطلب قدرًا كبيرا من الحذر، لأن التشخيص النفسي لا يقوم على الانطباعات ولا على سلوك منفرد، وإنما على تقييم شامل لتاريخ الشخص وأنماط سلوكه وعلاقاته وظروفه.

بين “السيكوباتية” واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع

وركزت البروفيسور سوكي، على مسألة كثيرا ما يحدث فيها خلط، وهي العلاقة بين “السيكوباتية” واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع. فالمفهومان متداخلان، لكنهما ليسا مترادفين بصورة كاملة. وتدخل في تقييم السمات “السيكوباتية” مجموعة من الخصائص، من بينها السحر السطحي، وتضخيم تقدير الذات، والكذب والتلاعب، وضعف التعاطف والندم، إضافة إلى الاندفاع وبعض الأنماط السلوكية المعادية للمجتمع.

وفي هذا السياق، تطرقت البروفسور سوكي، إلى مقياس هير لـ”السيكوباتية”، باعتباره من الأدوات المعروفة في تقييم مجموعة من السمات المرتبطة بها، مع التأكيد على أن استعمال مثل هذه الأدوات لا يلغي الحاجة إلى التقييم السريري المتكامل.

“الياقات البيضاء” مهارة بأداة مزدوجة

وتكمن، بحسب المختصة في الأمراض العقلية، خصوصية الحالات التي تظهر في البيئات المهنية الراقية في أن بعض المهارات المطلوبة للنجاح يمكن، في ظروف معينة، أن تستخدم بطرق مختلفة تماما، والقدرة على التفاوض قد تتحول إلى وسيلة للضغط، والذكاء الاجتماعي قد يستخدم للتلاعب، والقدرة على بناء العلاقات قد تصبح وسيلة لاستغلال الثقة، في حين يمكن للحضور القوي والكاريزما أن يساعدا على إخفاء سلوكيات أخرى.

وهنا، تكمن صعوبة التعرف على بعض الأنماط غير السوية، فالمظهر الخارجي وحده لا يكشف طبيعة الدوافع ولا البنية النفسية للشخص.

أمثلة شهيرة… ولكن دون تشخيص بعدي

وشرحت المتحدثة الظاهرة باستحضار حالات أصبحت معروفة عالميا في سياق الاحتيال والتلاعب المالي أو التجاري، من بينها “برنارد مادوف”، صاحب أكبر مخطط بونزي المالي الشهير، وجوردان بلفورت، الذي ارتبط اسمه بتجربة “ذئب وول ستريت”، إضافة إلى إليزابيث هولمز، مؤسسة شركة “Theranos” التي أثارت قضيتها جدلا واسعا بعد انهيار ادعاءات الشركة المتعلقة بتقنيات فحوص الدم.

وتستخدم مثل هذه الحالات عادة في النقاشات المتعلقة بالعلاقة بين النجاح الظاهري، والقدرة على الإقناع، والنفوذ، والسلوك الاحتيالي. غير أن استحضارها لا يعني تلقائيًا إثبات إصابة أصحابها باضطراب نفسي محدد، وهي نقطة ضرورية عند تناول الصحة النفسية بعيدا عن التفسيرات الإعلامية السريعة.

الحالة السريرية تكشف أهمية التشخيص التفريقي

ومن الجانب السريري، أعطت البروفسور سوكي، حالة لامرأة شابة تشغل منصبا إداريا في شركة دولية، كشفت إعادة تقييمها عن أهمية التمييز بين اضطراب الشخصية النرجسية واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، بحيث تبرز هذه الحالة أن السلوك نفسه قد تكون له تفسيرات سريرية مختلفة، وأن الوصول إلى التشخيص الصحيح يحتاج إلى العودة إلى التاريخ المرضي، وإجراء المقابلة السريرية، وملاحظة السلوك، والاستعانة بمصادر معلومات متعددة عند الحاجة.

وهكذا، يصبح التشخيص التفريقي عنصرا أساسيا، لأن وضع الشخص في خانة نفسية بناء على انطباع أول أو موقف واحد قد يقود إلى استنتاجات خاطئة.

لا توجد قاعدة واحدة خلف الكفاءة المهنية…

والرسالة الأهم التي حملها اللقاء الخاص بالصحة النفسية، أن بعض السمات المعادية للمجتمع قد تكون أقل وضوحا عندما تظهر لدى أشخاص، يتمتعون بمكانة اجتماعية ومهنية مرتفعة، ولكن بحسب بعض المختصين المشاركين، هذه الفكرة لا تعني أن المؤسسات أو الإدارات مليئة بالأشخاص المصابين باضطرابات الشخصية، ولا أن النجاح المهني مؤشر على “السيكوباتية”، كما لا تسمح بعض السلوكيات المزعجة، مهما كانت خطيرة أو مؤذية، بإطلاق تشخيص نفسي من خارج الإطار السريري.

وبين الصورة النمطية التي تربط الاضطراب بالجريمة، والصورة المعاكسة التي تفترض أن النجاح دليل على السلامة النفسية، تبرز الحاجة إلى منطقة أكثر علمية وهدوء، بحسب المشاركين، من خلال فهم السلوك ضمن سياقه، والتمييز بين السمات والاضطراب، والاعتماد على التقييم المتخصص بدل الأحكام السريعة.

وربما يكون، بحسب ما أكدته البروفسور حكيمة سوكي، التحدي الحقيقي في هذا النوع من الحالات ليس اكتشاف “الشخص السيكوباتي”، كما تصوره الأعمال الدرامية، وإنما فهم كيف يمكن لبعض السمات النفسية أن تظهر في بيئات عادية، بل وناجحة ظاهريا، من دون أن تتحول الملاحظة إلى وصم أو تشخيص عشوائي. ففي عالم العمل، قد تكون ربطة العنق أنيقة، والكلمات محسوبة، والابتسامة مقنعة، لكن علم النفس لا يحكم على الأشخاص من مظهرهم، وإنما يبحث في النمط والسياق والتاريخ والتقييم السريري.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!