الجزائر
سياسة التسقيف والمراقبة الأمنية م تقض على التهريب

“الشروق” تتسلل إلى مملكة “الحلاّبة” بتلمسان

الشروق أونلاين
  • 14568
  • 64
الشروق

في الوقت الذي تتحدث فيه أخبار رسمية عن تفعيل إجراءات ميدانية لمكافحة ظاهرة تهريب الوقود التي ازدادت حدَة في الأشهر الأخيرة بتلمسان وعصفت حتى بولايات داخلية أصبحت هي الأخرى تشهد طوابير في المحطات وأزمات في التموين بمادة الوقود، وتزامنا مع إصدار والي ولاية تلمسان لأوامر وتعليمات للمسؤولين التنفيذيين والسلطات الأمنية للبدء مباشرة بإنشاء لجان مكافحة محلية تقف ضد الحلابة وتمارس رقابة لصيقة تقنية وإدارية للسيارات والشاحنات المشبوهة بالمحطات، وتحجز أي سيارة تحمل خزانين مع تسقيف كميات الوقود الموجهة لها، تلوح في الأفق بوادر أزمة بين السلطات والمهربين الذين لم يهضموا هذه القرارات بعد وأصبحوا يهددون بتنظيم احتجاجات، شعارهم في ذلك “لا تقطعوا أرزاقنا قبل توفير البديل “

الشروق ومن جهتها ومن أجل جس نبض الحلابة والمهربين وأصحاب الخزانات ولمعرفة إن كانت هذه الإجراءات قد أثرت – فعلا – على نشاطهم وقللت من نسبة الوقود الموجه لغير الجزائريين أو قضت على التهريب كليا، ارتأت الخروج في زيارة ميدانية إلى النقاط الحدودية المتاخمة للمغرب ونقل واقع ما يجري هناك. 

كانت الساعة تشير إلى 10 صباحا، عندما توجهنا إلى إحدى البؤر الحمراء بمناطق سيدي بوجنان، العشاش وبوكانون التي لا تبعد سوى بأمتار عن منطقة آحفير المغربية،  وبالرغم من أننا حاولنا ان لا نثير انتباه السكان هناك حول هويتنا الحقيقية وعملنا الصحفي لاجتناب أي مضايقات يمكنها أن تحدث من قبل المهربين ،خصوصا وأنهم وفي الكثير من المناسبات يهددون الصحفيين ويتهمونهم بتضخيم الواقع والتركيز على الحلابة دون نشاطات التهريب الأخرى الأكثر خطورة، اضطررنا أن نستنجد بأحد المعارف من أبناء المنطقة هو جامعي يمارس نفس النشاط في سيارته من نوع رونو إكسبار، لينقلنا إلى مخازن الوقود، وكان شرطه في ذلك أن لا نقوم بالتصوير. 

 

 “المقاتلات” تكتسح الطرقات

اشعرتنا الزيارة في بادئ الأمر أن سكان المناطق الحدودية تقبلوا الأمر الواقع، وقد دفعهم التضييق وتشديد المراقبة الأمنية إلى التقليل من النشاط، باعتبار أن المحطات كانت فارغة وسيارات التهريب كانت كلها مركونة أمام المنازل ولم نصادف في طريقنا سوى أعداد قليلة مقارنة بما كنا نقف عليه مسبقا أين كانت سيارات رونو 21 ورونو 25 المعروفة باسم “المقاتلات” والشاحنات الضخمة تحتل الطرقات والمسالك الحدودية، توقعاتنا هذه لم تكن في محلها، فشهر الصيام – حسب مرافقنا – له خصوصيته، العمل في الليل أكثر من النهار، غير أنه وبمجرد تقربنا من مستودعات تخزين الوقود، كانت المفاجأة أكبر وواقع آخر  يقول.. المهربون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.. تضييق أمني وتسقيف ببعض المحطات وهدوء وتواطؤ في الحدود.. فلا تزال آلاف من لترات الوقود تهرب للمغرب بشكل طبيعي بل وأكثر من ذلك مهربون لا تعنيهم الإجراءات ينشطون أمام أعين حرس الحدود ،فكل المؤشرات التي توقفنا عندها كانت تنبئ بأن الظاهرة متواصلة، يمكن التقليل منها لأيام لكن لا يمكن القضاء عليها بدون مراقبة ومحاسبة جميع المتواطئين، وبدون تطبيق سياسة حكيمة رشيدة تخلق بديلا للشباب وتخلق مصانع واستثمار حقيقي في هذه المناطق الفلاحية، هكذا عبر لنا أحد المهربين.

 

الأزمة ترفع سعر الحمار إلى 5 ملايين والبغل إلى 12 مليونا

في هذه المناطق لا يوجد منزل أو فيلا أو مساحة أرضية لا يملك أصحابها مستودعات خاصة بتخزين الوقود، تسمى بلغة الحلابة “ديبوات”، هي عبارة عن أرضية ذات أربعة جدران مبنية بالآجر الأحمر يتراوح سعرها من 200 إلى 300 مليون للمستودع ذي مساحة لا تتعدى 40 م2، وتستأجر بمبالغ تصل 3 ملايين في الشهر، توضع فيها كميات الوقود في دلاء بسعة 30 لترا أو براميل تصل سعتها 100 ل، يتم شحنها من قبل الحلابة المتوافدين الواحد تلو الآخر لتفريغ شحنة الوقود المزودة من المحطات، الشروق رافقت العملية خفية واستطاعت أن ترصد حوالي 9 سيارات دخلت لمستودع خلال أقل من 3 ساعات، بالرغم من أنه عدد قليل جدا مقارنة بما كان من قبل، إلا أن مرافقنا أكد لنا بأن هذه الكمية وإن كانت قليلة تذر أموالا مضاعفة بعد غلاء الوقود في المغرب حيث أصبحت صفيحة ذات سعة 30 لترا تباع بـ 4000 دج بعدما كانت لا تتعدى 1700 دج . هذا ويضع أصحاب الديبويات حفرة مربعة الشكل يوضع داخلها الدلو لتسهيل عملية الضخ باستعمال أنابيب مختلفة الحجم أصغرهم يسمى “السيروم” مخصص لضخ الوقود في الخزانات ذات الفتحة الضيقة ويقوم صاحب المستودع بجمع الدلاء وركنها في زاوية على أن يتم نقلها من قبل الحمير أو البغال ليلا.

كما ارتفع سعر الحمار الواحد في المناطق الحدودية هذه الأيام حسب ما كشفه لنا أحد الحلابة إلى 5 ملايين سنتيم، فيمكن لهذا الحيوان وفي ظل الأزمة القائمة أن يعود بفائدة لصاحبه تقدر بـ 8000 دج أو أكثر عن كل عملية، حيث يمكنه نقل 8 دلاء من الوقود للتراب المغربي، وتنقل البغال التي وصلت سعرها ما يفوق 12 مليون سنتيم، ما يفوق 16 دلوا أي ما يعادل 480 لتر، حيث تعود بفائدة مضاعفة تقدر بـ 16000 دج عن كل عملية، وتملك أغلب العائلات في الشريط الحدودي بالإضافة إلى المستودعات عددا من الحمير فبعملية حسابية بسيطة يمكن أن نكتشف ما تجنيه يوميا بفضل الوقود المهرب على متن هذه الحيوانات.

 

تراجع كمية الوقود الموجهة للتهريب يلهب أسعاره بالمغرب ويفتح شهية الحلابة أكثر

الكثير من المواطنين يتساءلون إن كانت فعلا هذه الإجراءات ستقضي على هاجس التهريب الذي ضرب بسمعة مغنية وحولها إلى بؤرة تستقطب كل من لا مهنة له من مختلف مناطق تلمسان وبارونات من 48 ولاية لا يهمها سوى الربح السريع، الواقع يقول غير ذلك، ما وقفنا عليه وفي ظل إجراءات التسقيف تبقى ومنذ 4 أيام كميات الوقود تصل الخزانات وتهرب للمغرب بشكل عادي، وإن كانت بكميات قليلة على ما كانت عليه إلا أن غلاء الوقود في السوق المغربية فتح شهية المهربين أكثر فبعدما كان المهربون يبيعون 30 لترا  بـ1000 دج أصبحوا يبيعون نفس الكمية بـ3000 دج، والسؤال الوحيد الذي يبقى يتبادر للأذهان هو كيف يتزود المهربون بالوقود الآن؟ وهل هذه الإجراءات تطبقها جميع المحطات؟

 ما استطلعناه خلال جولتنا في المستودعات بوكانون وسيدي بوجنان هو أن نشاط التهريب لم يعد يقتصر فقط على الشباب البطال مثلما يشاع، بل أصبح مهنة ثانية لموظفين من مختلف الأعمار شيوخ متقاعدين أضحوا هم أيضا يزاحمون الحلابة في جلب الوقود من المحطات وبيعه للمستودعات ويضمنون دخلا يتعدى 7000 دج في اليوم بالنسبة لأصحاب السيارات الصغيرة و3 ملايين سنتيم بالنسبة للشاحنات ذات الخزانات الكبيرة، حيث كشف مهربون للشروق أن التهريب هو مهنة سكان المناطق الحدودية منذ عشرات السنين ولم يتسببوا من قبل في أي أزمة وقود بهذا الشكل، وسبب الأزمة الآن هو دخول مختلف الشرائح لممارسة هذا النشاط وحتى الأثرياء وأصحاب الشكارة وأصحاب النفوذ من 48 ولاية، – فحسبهم – هؤلاء من خلقوا إمبراطوريات للتهريب في السنوات الأخيرة، وخصص كل بارون منهم معدل 4 شاحنات حتى 6 من نوع داف وسوناكوم ورونو في نشاط التهريب، فهذه الفئة وحسب ما كشفه المهربون هي من تسببت في أزمة الوقود واستفحال ظاهرة الرشوة في المحطات، “فما يجمعه بومبيست في اليوم يضاهي أجر شهري لموظف سام “… يقول أحد الحلابة.

 

نساء دخلن عالم تهريب الوقود وأصبحن حلابات بمغنية

وانتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة النساء الحلابات يمارسن بكل حرية نشاط التهريب يتحملن معاناة الطوابير ويقمن بنقل الوقود إلى غاية الشريط الحدودي كباقي الحلابة الرجال، حيث تمكنت الشروق من رصد إحداهن على متن سيارة من نوع بوجو 406 يتعدى سنها 35 سنة، جاءت لأحد المستودعات في حدود الساعة الثانية زوالا بمنطقة ربان الواقعة على بعد أمتار بمنطقة سيدي يحيى المغربية لتفريغ شحنة المازوت، ولما حاولنا التقرب منها لسؤالها عن دافع امتهانها لهذا النشاط المحظور والخطير تجنبت الحديث إلينا مكتفية بالقول “نورمال نورمال ما نيش نسرق “، لكن وحسب ما استقيناه من معلومات حول نشاط هذه النسوة كشف مهرب للشروق أنها ليست الوحيدة بل يصل عدد الحلابات ما يقارب 10 نساء إحداهن تملك سيارة مرسيديس وأخرى رونو إكسبراس ولاڤونا وغيرها وتتم معاملتهن معاملة خاصة في المحطات وأحيانا يتم إعطاءهن الأولوية في التزود، مشيرا إلى أن امتهانهن لتهريب الوقود أشرف وأنقى من ممارسة مهنة الدعارة!!

 

تشديد المراقبة في المحطات دفع بالحلابة للتزود من محطة سيدي يعقوب وولايات أخرى

بالفعل لم تعد محطات الوقود بتلمسان تشهد نفس الطوابير مثلما كانت من قبل بعد تشديد المراقبة الأمنية ومنع سيارات الحلابة من التزود بالكميات المعتادة، وهو ما استحسنه المواطنون بتلمسان واستحسنته أيضا منظمات المجتمع المدني في اتصالها بالشروق، هذه الإجراءات دفعت كثير من المهربين إلى التنقل عبر الطريق السيار والتزود في محطات ولايات أخرى أقربها هي محطة سيدي يعقوب بسيدي بلعباس، لكن الإجراء الأخير الذي بادرت به السلطات الولائية قبل يومين المتعلق بتسقيف التزود بسير غاز، وهي المادة التي كان يضمن بها المهربون السير إلى غاية هذه المحطة والرجوع بالخزان الثاني المشحون بالوقود المخصص للتهريب، كانت بمثابة الضربة القاضية للمهربين حيث لن يجد الحلابة كيفية جديدة لتوفير الوقود في ظل الحصار الذي باشرته لجنة مكافحة التهريب لمنع سيارات رونو 21 رونو 25 وغيرها من التزود بأكثر من 300 دج وقود وفقط.

 

مهربون للشروق: من حق الدولة أن تحمي اقتصادها لكن من يتكفل بالعائلات التي تسترزق بالتهريب

تأسف مهربون في حوارنا معهم للإجراءات الردعية التي باشرتها السلطات وصرحوا بأن الدولة من حقها حماية اقتصادها لكن ليس بهذه الطريقة حسبهم، فكان يمكنها – يقول أحد المهربين بمنطقة الزوية  – أن تخلق مناصب شغل للشباب البطال وتخلق البديل قبل القيام بأي إجراءات ردعية حيث اعتبر ما يجري بمثابة عمليات استفزاز لسكان مناطق الحدود الذين يبقون في أمس الحاجة لمشاريع تنموية، وأكدوا على ان آلاف العائلات محدودة الدخل تسترزق من التهريب وليس لديها شيء سوى التهريب فمن يضمن قوتها اليومي؟

 

مقالات ذات صلة