“الشروق” تروي تفاصيل وئام مسلمي الإيغور مع الصين وثناء بكين على الجزائر
بين شينجيانغ والصين، صورتان لمصب نهر واحد، في نهاية المطاف، تتشكل معالمه بهدوء، بعيدا عما يثيره الغرب عن الشرق، وما تحاول بكين روايته على طريقتها التكنولوجية في ليّ عنق أمريكا في التجارة والصناعات الإلكترونية.. بين شينجيانغ والصين مساحة وئام تتوسع، ولا تفسد للوُد قضية.
“الحكومة الصينية ترتكب جريمة إبادة ضد شعب الإيغور المسلم، وأكثر من مليوني مسلم قد مر على مراكز تشبه معسكرات الاعتقال، حيث تتم عملية غسل للدماغ، وغسل للهوية القائمة على المبادئ الإسلامية، بداية بالتعليم القسري للأفراد للغة الهان المنديرينية الصينية، ثم تعليم مبادئ الحزب الشيوعي المسيطر على المشهد السياسي في الصين، مع التأكيد للأفراد بضرورة الطاعة والولاء التام للحزب، إن أرادوا مغادرة المعسكر ومواصلة معيشتهم في الصين”.. هذا جزء من اتهامات تسوقها حكومات غربية وينشرها الإعلام الغربي ضد دولة 1.4 مليار نسمة.
أكثر من سؤال يُطرح في هذه المسألة، مثل ما سبب دفاع الغرب عن مسلمي الصين، مع أن الغرب أثخن في دماء المسلمين في أكثر من بقعة العالم، مقابل دفاع غالبية الدولة العربية والإسلامية عن السياسة الصينية اتجاه إقليم شينغيانغ؟ وما صدقية ما تنقله وسائل الإعلام الغربية في هذا الموضوع، هي التي فقدت مصداقيتها في حرب الإبادة الصهيونية على غزة، بالتستر على جرائم يشاهدها الملايين على المباشر؟ ولما عجزت الصين، وهي قوة سياسية وعسكرية واقتصادية، أن تسوق لروايتها حيال هذه الاتهامات؟
20 ساعة للوصول إلى الإقليم
الوصول إلى إقليم شنغيانغ في أقصى غربي الصين، متعب للغاية، بل شاق، ذلك أن قطع مسافة 6800 كم من الجزائر إلى الإقليم، يتطلب 20 ساعة سفرا.
الانطلاقة من مطار “هواري بومدين” بالعاصمة، في رحلة مباشرة إلى العاصمة بكين مع الجوية الجزائرية، الرحلة امتدت 12 ساعة كاملة، كان أغلب المسافرين من الصينيين، وقلة قليلة من الجزائريين.
تتزاحم الأفكار مع الدقائق الأولى في رأسي، أعدت استرجاع ما طالعته سابقا في وسائل إعلام دولية ومواقف حكومات من قضية “مسلمي الإيغور”، وكيف هو الحال في هذا الإقليم، وتحديدا في عاصمته “أورومُتشي”.. كانت 12 ساعة في الطائرة، فرصة لمتابعة مسار الرحلة، التي مرت على البحر المتوسط ثم إيطاليا فكرواتيا وبولونيا فأوكرانيا، ثم “قارة روسيا”، لتحل بالتراب الصيني وتظهر في شاشة الرحلة اسم مدينة أورومُتشي”.. وصلنا بكين وقد أنهكنا التعب.
كان يفترض أن نمتطي طائرة أخرى بعد ساعتين إلى شينغيانغ، بدون تأخير، وكيف يحدث تأخير ونحن في بلد يحسبون فيه الحساب للثانية وأقل منها، لكن هطول الأمطار تسبّب في تأخر موعد الرحلة لأزيد من 5 ساعات، وكان يتم إبلاغ المسافرين عن التأخر الحاصل والتعديلات في مواعيد الرحلة، مع توزيع مأكولات ومشروبات عليهم.
الساعات التي أمضيتها في المطار، كانت فرصة لاكتشاف عالم “التنين الصيني”، وأول ما يلفت الانتباه، شبكة الجيل الخامس للاتصالات، وهي واحدة من المسائل الخلافية بين الصين والعالم الغربي. في تلك اللحظات عادت إلى ذهني قضية “مسلمي الإيغور”، وهل الخلافات السياسية والاقتصادية بين بكين وواشنطن هي السبب وراء الملف، إضافة إلى الرقائق الإلكترونية والاستحواذ على سوق السيارات الكهربائية التي حققت فيها بكين طفرة كبيرة..؟
يتبين لزائر الصين أنها تجاوزت “عقدة أمريكا”، فنمط العيش وفق قواعد “العم سام” حاضرة بقوة، أينما تولي وجهك تجد مقومات الحضارة الأمريكية، هنا محلات “دجاج كنتاكي” وهناك “ماكدونالدز”، وبينهما “بيتزا هوت”، و”ستار بوكس”، مشروب “كوكا كولا” حاضر بقوة، بدون إغفال رمز التكنولوجيا الأمريكية “التفاحة المقضومة” أو “آبل”، أما السيارات، فحدث ولا حرج وعلى رأسها “تسلا” للملياردير إيلون ماسك.
الورقة اللغز!
بعد انتظار “طويل”، كان موعد الرحلة الثانية إلى مقاطعة شينغاينغ، في طائرة لشركة “هاينان” الخاصة، قطعنا مسافة 2770 كم في أربع ساعات كاملة.
كنا في الطائرة سبعة جزائريين فقط، وبعد وقت قليل من الإقلاع، قدم المضيفون ورقة مدونا عليها اسم الجزائريين السبعة الذين كانوا على متن الطائرة، لم أكن أعلم السبب في البداية، بحيث لم يسبق لي أن حدث معي هذا في رحلة إلى الخارج، لكن تبين لاحقا أن الأمر يتعلق بتوفير وجبة “حلال” خلال الرحلة. في العلبة التي قدمت لنا طعام مدون عليه وبخط واضح muslim food، حتى أن المضيفة وعند تقديم الوجبة أعادت إبلاغي أن الأكل حلال وأشارت بيدها لعبارة “أكل للمسلمين”، وتكرر هذا الفعل في رحلات أخرى من شينغيانغ إلى غوييانغ، ومنها إلى شنغن ومن شنغن إلى بكين، وفي شركات كـ”الخطوط الجنوبية الصينية”، المثير كلك في عمر الرحلة أحد “الأمنيين” الذي كان يرتدي لباسا أسود بدون سلاح ظاهر، كان في عمر الرحلة يلف على المسافرين رواحا ومجيئا.
بعد أربع ساعات حطت بنا الطائرة في الإقليم الذي أصبح مادة مفضلة لوسائل الإعلام الغربية، وفي التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية، وكذلك الحال لدى الحكومات في أوروبا وأمريكا.
عادت تقارير اطلعت عليها كثيرا، من قبل، إلى مفكرتي، وكنت أتساءل كيف ستكون هذه المدينة الواقعة في أقصى غربي الصين، وبعيدة عن المدن الصناعية والمالية كشنجن وشنغهاي وغوانزو، وما حظها من الطفرة العمرانية والتنموية التي تعرفها الصين.
وصلنا في وقت متأخر جدا إلى مطار أورومتشي ديوبو الدولي، نظرة خاطفة على المنشأة، تؤكد أنه وفق المعايير الدولية، وجود عدد كبير جدا من الرحلات الداخلية والخارجية، سرعة في استلام الحقائب والمغادرة. لفت انتباهي شيئان، الأول الكتابة باللغة الإيغورية مع اللغة الصينية، والتأكيد على أن المدينة حلقة الرابط بين الصين والعالم الخارجي، فهي منطلق طريق الحرير، في بهو المطار نموذج لقوافل الحرير التي تشق طريقها قديما، واليوم هي منطلق مبادرة الحزام والطريق أو “طريق الحرير الجديد”.
في الرحلة من المطار إلى مقر الإقامة، في قلب العاصمة أورومتشي، غير الطويلة، كنت أرى من نافذة الحافلة العلم الصيني بكثرة على أعمدة الإنارة، للتأكيد على أن هذا الإقليم جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية.
أطل الصبح على العاصمة أورومتشي، وحان وقت اكتشافها. إطلالة سريعة على الشارع الرئيسي قبالة مقر إقامتنا، بملاحظة أولى الشارع واسع ونظيف، وحركة مرور خفيفة، وسيارات فخمة من أرقى العلامات اليابانية والأمريكية والألمانية إضافة إلى النماذج الصينية، وقليل من الراجلين، رغم أن الإقليم يقطنه 23 مليون نسمة، وحتى في المناطق التي تعرف ازدحاما ترى الإبداع الصيني من خلال إنجاز أربعة جسور فوق بعضها البعض، قريبة جدا من العمارات السكنية.
نفس المشهد في شوارع أورومتشي، نظافة على مد البصر، لا حفر، لا اهتراءات طرق، ولا ممهلات، حركة سير سلسلة، تعتمد إشارات مرور وكاميرات رقمية، وغياب عناصر الأمن بالزي الرسمي في الشوارع..
من حي إلى آخر، ورغم أن المدينة تقع في منطقة صحراوية، ترى الاخضرار سمة بارزة، بعدما أطلقت السلطات الصينية عملية تشجير كبيرة جدا، ما غيّر وجه المنطقة الصحراوية من اصفرار إلى اخضرار فاقع، اخضرار منعشا للغاية، ومُلطفٌ للطقس في العاصمة بكين ومدينة شنجن التي زرناها لاحقا.
مع حملة التشجير، تظهر المدينة بعمرانها شبيهة بالمدن الكبرى في البلاد كشنجن وجوانزو وشنغهاي، بنايات زجاجية أينما وليت النظر، وفي كل موضع مشروع بناء جديد، يقول المسؤولون إن وجه المقاطعة سيتغير أكثر وأكثر.
ويندرج التطور العمراني الكبير للمقاطعة، في إطار سياسة عامة للحكومة الصينية، لإعادة البريق لشينغاينغ وإبعاد شبح ما تسميه “العنف والتطرف”.
رؤية إستراتيجية جديدة
في 2013، وقف الرئيس الصيني شي جين بينغ في جامعة نزارباييف بكزاخستان، وأطلق فكرة طريق الحرير للقرن الحادي والعشرين؛ ما اعتبره متابعون تدشين مرحلة جديدة من الصراع الأمريكي-الصيني البارد، أو حرب باردة جديدة، لكنها ليست مع الحزب الشيوعي السوفياتي، بل مع نظيره الصيني، يبدو أنّها لن تكون أقل صعوبة بالنسبة للأمريكان.
أسّست الصين رؤيتها -التي تريد أن تغيّر بها وجه آسيا لتنقلها إلى الحداثة- على مشروع قديم عمره أزيد من ألفيْ سنة، وهو “طريق الحرير”، الذي كان يمتد من الصين إلى شواطئ المتوسط، مرورا بآسيا الوسطى، ومن هناك يمتد بحراً إلى أوروبا التي كانت تستقبل البضائع الآسيوية الثمينة حينها من البهارات والخزف والحرير الصيني.
أطلق الصينيون اسماً جديداً على المشروع “مبادرة الحزام والطريق”، بعد أن كان يُعرف بـ”مشروع حزام واحد طريق واحد”، وما زال الأمريكان منخرطون في مفاوضات تفصيليّة مع دول آسيويّة حول اتفاقية التجارة عبر الهادي التي مرّرها الكونغرس الأمريكي، بعد مقاومة واتهام الاتفاقيّة بهدر الأموال وفرص العمل لصالح دول أجنبية.
طرحت الصين في مبادرتها حلولاً لمشاكل مزمنة عانت منها عقودا. ومن هذه المشاكل تمكين الولايات الداخلية من الانخراط في الاقتصاد العالمي، وربط وتعزيز انتماء الولايات الحدودية إلى المركز، وزيادة مساواتها الاقتصادية، خصوصاً مناطق شينجيانغ، والتبت التي تتنامى فيها نزعات انفصالية أخذت أحيانا أشكالاً مسلحة.
بلغ اليوم عدد المشاركين في المشروع الجديد قرابة سبعين دولة، ليست كلها دولاً آسيوية أو دولاً من العالم الثالث؛ بل شاركت فيها دول أوروبية كألمانيا وبريطانيا مثلا، مع مقاطعة الولايات المتحدة.
في هذه المقاطعة، أنشئ ميناء بري، عبارة عن محطة ضخمة للسكك الحديدية السريعة المختصة في نقل السلع والمنتجات إلى العالم، بثلاثة خطوط، الأول من كازخستان وروسيا والوصول إلى بولندا، والثاني كازخستان وإيران ثم تركيا والبحر الأبيض، والخط الثالث كازخستان ثم أوزبكستان ثم إيران.
المستحيل يصبح ممكنا..
في مدينة أورومتشي، جرى تطوير حاضرة منطقة شينجيانغ الويغورية ذاتية الحكم، في الجانب السياحي، ما مكّنها من استقبال عدد قياسي من الزوار بلغ 100 مليون زائر في 2023، بحسب ما كشفته السلطات المحلية.
ووفقا لبيانات مكتب الثقافة والسياحة بالمدينة، حققت المدينة أكثر من 100 مليار يوان (حوالي 14 مليار دولار أمريكي) من عائدات السياحة العام الماضي، ما يعني علامة تاريخية فارقة.
تقول السلطات المحلية إن العام الماضي شهد إنشاء 41 فندق إقامة منزلية جديدا في أورومتشي، فارتفع عدد هذه الفنادق إلى 324، واستضافت المدينة أكثر من 12000 فعالية ثقافية وقدمت مئات العروض، منها الحفلات الموسيقية والدراما الراقصة ومسرحيات الأطفال.
سهّلت هذه الجهود – بجانب تطوير شبكة نقل شاملة، منها الطرق السريعة والسكك الحديد والمطارات – السفر الملائم واللوجستيات الفعالة.
الميناء البري بقلب الصحراء، والذي بفضله تم تصدير ملايير الدولارات في أشهر معدودات، ليس الشيء الوحيد الذي يميز إقليم شينيانغ، ذلك أن استقطاب العقل الصيني يبهر بمزيد من الابتكارات المذهلة..
ترتبط الفلاحة بشرطين أساسين هما التربة والماء، لكن هل يمكن الاستغناء عن أحدهما، الإجابة المتوقعة أن ذلك غير ممكن، لكن في الصين وتحديدا في شينجيانغ المستحيل أصبح ممكنا.
كيف ذلك؟ الإجابة موجودة في متحف النباتات بارومتشي، عند الوهلة للأولى تتيقن أنه يمكنك أن تمارس مهنة الفلاحة وأنت ترتدي طاقم كلاسيكي فاخر دون أن تتسخ. هنا لا طين ولا غبار، بل أرضية من “البورسولان” والكثير من الآلات المتحكم فيها بتطبيقات خاصة.
الفلاحة وفق هذا النمط المتطور بنمط عمودي، صارت معتمدة، حيث توضع الشتلة على ما يشبه أسلاك المثبتة على الحائط، وتسقى بنسبة مياه محددة، مع أسمدة تتيح زيادة الغلة وتقليص مدة النضج من شهرين إلى 3 أسابيع لعدد كبير من الخضار، مع التحكم في الحرارة.
هنا تزرع الطماطم،خاصة الطماطم الكرزية بنوعيها الأحمر والأصفر، تشدك طردا إليها متى تذوقتها، واكتشفت أنها ببساطة.. رائعا للغاية !
في الصين، الطماطم مصنفة فاكهة، وليست مع الخضروات، إضافة إلى الخيار والقرع، وعدد كبير من أنواع الخس، منها ما توضع في رفوف معدنية تدور من أعلى إلى أسفل أين يوجد مغطس للماء، حيث تأخذ الشتلة ما تحتاج من الماء في كل دورة.
في إقليم شينغاينغ عرقيات مختلفة، منها الإيغور، الكزاخ والقرغيز والتتر والأوزبك والطاجيك، يشتركون في العيش في إقليم عدد ساكنيه 23 مليونا.
في واحدة من الأبراج السكنية التي زرتها بالعاصمة أورومتشي، وقفت على نمط تسيير المدن الحديثة، الذي يعتمد “الوحدة”، أي مجموعة أبراج سكينة، يتم اختيار مسؤول لتسييرها، يراقب الاحتياجات والنقائص، بما فيه المصاعد والنفايات.
على مستوى الوحدات، متطوعون، يشتغلون في روضات مفتوحة لأطفال الحي، ورشات تعليم الخياطة والحلويات، وأخرى خاصة بكبار السن. هنا التقيت مسنين كانوا يمضون وقتهم في لعبة تشبه “الدامة”، ويستمتعون بفن الخط بأحرف صينية.
الأكل مشكلة.. لها حل!
في الرحلات بين المدن الصينية تجاوزنا مشكلة الأكل، وخوف من أطعمة غير حلال، تلاشى بعد ركوب طائرة شركة “هاينان”، حيث تقدم المضيف مني وفي يده ورقة مكتوب فيها إسمي ليتحقق من وجودي في الطائرة، استغربت الأمر في البداية لكن تبين لاحقا أن الشركة وغيرها من الناقلات توفر الطعام الحلال للركاب المسلمين.
تجاوزت المعضلة في السماء، لكن على الأرض، كيف سيكون الأمر ومن يضمن أطعمة حلال، وهو أمر اشترطته قبل سفري.
تعيق اللغة التواصل مع موظفي الفنادق في الصين، ولتفادي أي اختلال ولتيسير الأمر على نزلاء الفنادق في أورومتشي وغويانغ وشنزن والعاصمة بكين، توضع ورقيات صغيرة على جميع الأطعمة، واحدة بلون أزرق وأخرى بالأحمر، الأزرق معناه أن الأكل حلال، والأحمر غير ذلك، والغالب أن من مكوناته من الجيلاتين، أو لحوم غير مذبوحة.
هذا في الفنادق فماذا عن غيرها، كان الأمر في شينجيانغ يسيرا خاصة وأن المقاطعة يقطنها المسلمون، وزائرها يتناول ما لذ وطاب، وله أن يتذوق أشهر الأطباق الصينية، ومن ذلك “البط المشوي” الذي يعد أيقونة المطعم الصيني.
وفي المدن الكبرى كشنزن وبكين، هنالك خيارات واسعة من المطاعم السورية والإيرانية.
لكن واجهت إشكالا في غويتشو عاصمة إقليم غوييانغ، حيث تجد أشياء غريبة من أطعمة يتناولها الصينيون خاصة في مطعم شهير يفتخرون أن من بين زبائنه مالك شركة “علي بابا” جاك ما، صاحب 23.6 مليار دولار، فصورته موضوعة إلى جانب شخصيات مشهورة قصدت المطعم.
في إحدى الليالي، توجهت إلى حي صيني عتيق، عامر بعربات المشاوي وطاولات صغيرة يلتف حولها الزبائن، لم أكن متأكدا من اللحوم المقدمة، ولم استسغ ما يقدمونه خاصة أرجل دجاج مشوي، وضفادع في دلاء مملوءة بالمياه.. كان “الحل” في أن أكتفي بالخضروات والأسماك.
قصة توتر في شينجيانغ..
تعتبر مقاطعة شينجيانغ ذات الحكم الذاتي لقومية الأويغور في زاوية الصين الشمالية الغربية، الجبهة الأمامية لما تسميه بكين التطرف في البلاد.
عرفت المقاطعة منذ أربعينيات القرن الماضي، تحركا لمن يوصفون بـ”الانفصاليين”، الذين يدعون إلى إقامة دولة “تركستان الشرقية”.
في هذا السياق، زرنا “معرض مكافحة الإرهاب والتطرف في شينجيانغ”، في مبنى ضخم ورائع التصميم في أورومتشي، عاصمة الإقليم.
يحتفي هذا المعرض بما تسميه بكين نجاح “التجربة الصينية في مكافحة الإرهاب والفكر المتطرف، بالتنمية واحترام حقوق الأقليات”.
استمع الوفد لعرض تاريخي، من مسؤولة عن المعرض، لقضية التطرف في شينجيانغ وارتباط المقاطعة بالحركات الانفصالية.
هدف هذا المعرض وفق القائمين عليه هو “توعية السكان وتعريفهم بمدى بشاعة الإرهاب وإجرام من يمارسونه، خصوصاً بعد تزايد وتيرة العمليات الإرهابية وأعمال الشغب في تلك المقاطعة، وما مثّلته من خطر كبير على السلم الأهلي وراح ضحيتها الكثير من الأبرياء”، بحسب ما أعلنت المسؤولة عن هذا المعرض، لافتة إلى “تراجع الإرهاب بشكل ملموس بعد اتخاذ حكومة شينجيانغ إجراءات متعلقة بحماية السكان والممتلكات”، مؤكدة أن “إقليم شينجيانغ شهد تطوراً وازدهاراً في شتى المجالات، وارتفع عدد السائحين بشكل كبير”.
لاحقا، وفي جلسة من ثلاث ساعات، حضرتها “الشروق” مع كبار مسؤولي الحكومة الإقليمية في شينجاينغ، وعلى رأسها شيوي قويشيانغ، أمين مجموعة الحزب في مكتب الشؤون الخارجية في المقاطعة، تناول النقاش وضع مسلمي الايغور، وما تسميه الحكومة الصينية “نشاط إرهابي وتخريبي”، وتؤكد بشأنه حكومات غربية ومنظمات حقوقية انه “اضطهاد تمارس السلطات هناك تجاه المسلمين”.
يقول المسؤول الحكومي، في رده على أسئلة “الشروق”: “الغرب يستخدم القوى الثلاث في شينجيانغ لتحقيق هدف تقسيم الجماهير وإعاقة تنمية شينجيانغ. لقد استخدمت الولايات المتحدة ما يسمى اللوائح الدينية المزعومة للضغط على شينجيانغ ولفت انتباه العالم”، ويتابع “اعتمدت حكومة شينجيانغ سياسة الاحترام الديني لحماية الحقوق والمصالح المشروعة للمؤمنين، واتخذت تدابير مختلفة لدعم المؤمنين في ممارسة الأنشطة الدينية العادية، وتحسين مرافق المساجد والمدارس الدينية وغيرها.
وقد زار وفد من منظمة التعاون الإسلامي المرافق الدينية في شينجيانغ”، ويذكر أن القوى الغربية المناهضة للصين قد تكهنت باستمرار حول هذا الموضوع، خاصة منذ النصف الثاني 2018، عندما بدؤوا في التركيز على الإقليم”.
بخصوص الإجراءات المتخذة خاصة ما أطلق عليه “إعادة التأهيل”، يقول المسؤول ذاته: “في 2017 أنشأنا مركزا للتدريب والتعليم المهني لتعليم هؤلاء الأشخاص (يقصد المشتبهين في قضايا تطرف) اللغة الوطنية والقانون ومهارات أخرى من أجل تحقيق أهداف اجتثاث التطرف ومساعدة الجماهير على إيجاد عمل. الهدف هو القضاء على التطرف ومساعدة الجماهير في العثور على عمل. تم إغلاق مركز التدريب والتعليم المهني رسميًا في أكتوبر 2019 بعد عامين ونصف من التعليم المكثف والتحول المكثف”.
يؤكد المتحدث أن بلاده ضحية مغالطات ومؤامرات غربة تستهدفها عبر ملف المسلمين الإيغور، ويقول: “في مواجهة القمع الذي تمارسه قوى الدول الغربية، فإننا جميعًا ضحايا. طرحت الصين ثلاث مبادرات رئيسية، هي مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحضارة العالمية، لتقديم مساهمات جديدة في التنمية المشتركة للعالم. كما أن مبادرة الحزام والطريق هي أيضا منفعة عامة عالمية اقترحتها الصين للدعوة إلى التعاون وتوارث الصداقة.”
ينبّه شيوي قويشيانغ إلى أن الإقليم مفتوح للجميع للاطلاع على الوضع الحقيقي في مواجهة “الادعاءات المغرضة”، ويقول: “أوصلنا رسائل إيجابية من خلال مئات المؤتمرات الصحفية، ومن خلال دعوة الناس للقيام برحلات ميدانية، حتى يتمكن الجميع من رؤية من هو على حق. منذ نهاية 2018 وحتى الآن، قمنا بدعوة منظمات دولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية ولجنة القضاء على التمييز العنصري ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، وكذلك سفراء مختلف الدول لدى الصين ودول أخرى، أي ما مجموعه 80 ألف شخص و600 مجموعة، لزيارة شينجيانغ، وقمنا بتعريفهم بصراحة وصدق بالوضع في شينجيانغ، على سبيل المثال، من خلال اصطحابهم لزيارة سجن كاشغر ومركز التدريب والتعليم المهني، مما حقق نتائج معينة”، وتابع “في أفريل 2023، دعونا مجموعة من الخبراء الألمان لزيارة شينجيانغ، وفي ماي من هذا العام، نشر الخبراء الألمان مقالاً في وسائل الإعلام المحلية الرئيسية يفيد أن “الإبادة الجماعية” في شينجيانغ ليس لها ما يبررها.
دعونا مجموعة من اليابانيين لزيارتها، وفي جوان 2024، دعونا المقرر الخاص لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة المعني بالتأثير السلبي للتدابير القسرية أحادية الجانب على حقوق الإنسان لزيارة شينجيانغ، حيث زار منطقة صناعية وعقد مؤتمراً صحفياً. وفي أبريل من هذا العام، أرسلنا ممثلاً لنا كجزء من وفد الحكومة الصينية إلى اجتماع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة للمصادقة على تقرير الصين للجولة الرابعة من الاستعراض القطري لحقوق الإنسان.”
وخلص المسؤول الصيني أن الإجراءات المطبقة في الإقليم أتت أكلها، وذكر “منذ 2016 وحتى الآن، حققت شينجيانغ استقرارا مستداما، وفي الفترة من 26 إلى 30 جوان الماضي فقط، أقامت شينجيانغ معرض آسيا-أوروبا الثامن، مستغلة الظروف المواتية للتنمية الاقتصادية في شينجيانغ، حيث حضر المعرض رئيس وزراء وثلاثة نواب لرئيس الوزراء. وفي المستقبل، ستواصل شينجيانغ إرسال الرسائل في مجالات الطاقة والنقل والتعليم وغيرها، وستواصل تعزيز التبادلات والتعاون مع القطاعات المحلية لمختلف البلدان باستمرار لما فيه مصلحة الشعبين من الجانبين”.
ممتنون للجزائر
ويؤكد السياسي الصيني تعاون في المجال الأمني بين مقاطعة شينغيانغ والجائر، في قوله ” في أفريل 2019، قادت وزارة الخارجية الصينية وفدا إلى الجزائر لعقد مؤتمر حول التبادلات الدفاعية والأمنية، وقد حضرت مع الوفد. في المؤتمر، عرض الجانب الجزائري تجربته وإنجازاته في مكافحة الإرهاب ومكافحة التطرف، وفي مواجهة التهديد الإرهابي طويل الأمد، لم تشهد الجزائر أي هجوم إرهابي آخر منذ ما يقرب من 30 عامًا. وقد كانت هذه التجارب مفيدة للغاية لشينجيانغ، وأود أن أعرب عن امتناني للجانب الجزائري”.
ويقول عن التعاون في المجال التجاري، بشأنه: “تتمتع شينجيانغ بأساس جيد للتعاون مع إفريقيا، ولديها علاقات تجارية مع أكثر من 50 دولة في إفريقيا، حيث تستثمر 10 شركات في إفريقيا. وتصدر شينجيانغ بشكل رئيسي الأحذية والأحذية البلاستيكية والحديد والصلب وقطع الغيار إلى الجزائر، ولا توجد شركات شينجيانغ في الجزائر أو شركات جزائرية في شينجيانغ. في المستقبل، يمكن للجانبين تعزيز التعاون، وأعتقد أنه يمكن تعزيز التعاون في إنتاج ومعالجة النفط والغاز وصناعة الفحم والتعدين الأخضر والحبوب والزيوت والحبوب والزيوت والفواكه والخضروات الخضراء والقطن والمنسوجات والطاقة الجديدة والصناعات الجديدة وغيرها من القطاعات لتعزيز تحديث التنمية، وعلى وجه الخصوص، يمكن النظر في التعاون مع الجزائر في زراعة الفواكه والخضروات في شينجيانغ التي تعد أكثر نضجا. مثال آخر هو أن الجانبين يمكن أن يتعاونا بشكل أكبر في تعزيز تقنيات مكافحة التصحر. إن التعاون الاقتصادي والتجاري بين شينجيانغ والجزائر يكمل بعضه بعضا إلى حد كبير، ونأمل أن نغتنم “الحزام والطريق” كفرصة لتعزيز التعاون الحكومي الدولي بين شينجيانغ والجزائر”.
قصة المسجد وحديث الشيخ عبد الرحيم
من يزور أورومتشي، أكيد سينتهي به المطاف في ساحة، وسوق كبير يعرف باسم “البزار”، وفور وصولك إلى هذا المكان، تشد انتباهك مئذنة شاهقة بزخرفة متقنة وألوان متناسقة، تعكس البيئة المحيطة بها.
البازار ليس مكانا عاديا للتسوق والبيع والشراء فحسب، بل هو فضاء عام مفتوح، يتيح الفرصة لجميع الأقليات المسلمة وغيرها، للتواصل والتعارف في ما بينها، ما يعزز نسيجا اجتماعيا مترابطا ومندمجا، تنصهر فيه فئات المجتمع.
مدينة أورومتشي متحف عام كبير في الهواء الطلق، يتيح لزائره فرصة مجانية لرؤية مدى غنى وتنوع إقليم شينجيانغ.
غير بعيد عن ساحة البازار، أكبر مسجد في المدينة، بُناه التتار في 1897، وفي 1919، استثمرت مؤسسة “ده خه يانغ” لتمويل مشروع إعادة الإعمار في هذه المنطقة، وتم التعاقد بشكل خاص مع مهندسين معماريين لإجراء التصميم للمباني. وكان عدد رجال الأعمال الأجانب الذين أسسوا البنوك في هذه المنطقة هو الأكبر على مر التاريخ، وقد أطلق عليها اسم “منطقة يانغ هانغ”، في حين حمل مسجد هذه المنطقة اسم يانغ هانغ أيضا.
عرف المسجد أربع عمليات تجديد، آخر مرة كانت على يد والد أحد أئمة المسجد السيد محترم شريف، تحت إشراف الجمعية الإسلامية بالمدينة.
شاب صغير في السن، ذز بشرة بيضاء وملامح مغايرة لما نعرفه عن الصينيين، هو الشيخ عبد الرحيم، إمام مسجد “يانغ هانغ”، قدم الرواية الرسمية لوضع المسلمين في الإقليم، وذكر الشيخ ما يلي: “تهتم الصين بضمان وحرية ممارسة الشعائر الإسلامية سنة، ونحن في هذا المسجد، نؤدي الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة وصلاة الأعياد، والحكومة الصينية سنة 1997، تكفلت بإعادة ترميم المسجد الذي تبلغ مساحته الكلية 5 آلاف متر مربع، مساحة المبنى 300 متر ويتسع 2000 مصلين”.
يتابع الشيخ عبد الرحيم متحدثا عن هذا المسجد: “ذروة امتلاء المسجد تكون يوم الجمعة، ويحضر معنا للصلاة بين 40 و50 مسلما من غير الصينيين”، ويشدد على تميز المعمار في هذا المسجد ما يتيح وصول تلاوة الإمام إلى جميع المسلمين، ولا يخفي أن الإجراءات المتبعة تمنع الآذان خارج المسجد في الصلوات الخمس احتراما للسكان المحيطين بالمسجد من غير المسلمين.
وعن صلاة الجمعة، يقول الشيخ عبد الرحيم (على المذهب الإمام أبو حنيفة) وهو يتقن العربية التي تعلمها في مركز تكوين الأئمة بالمقاطعة، لكنه كان يتحدث بالصينية مع وجود مترجم: “يكون الدرس باللغة الصينية، أما الخطبتين باللغة العربية مع ترجمتها للغة الصينية”.
طفت بين أرجاء هذا المسجد المزخرف من الجبس بالأخضر والأزرق، وفراش أحمر يغطي الأرضية، فيه نسختان من القرآن، واحدة باللغة العربية وأخرى بالغة الإيوغورية (تكتب بالعربية وشبيهة في خطها بالأردو والفارسية)، التحق بي الشيخ عبد الرحيم، جلسنا أرضا وتلا بصوت رخيم جميل ما تيسر من سورة الكهف: “وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأْوُۥاْ إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا”.
في الحي المجاور للمسجد أشغال على قدم وساق لبناء مسجد جديد، من ثلاث طوابق.. لن يمر وقت طويل وسيرحب أهل المنطقة بهذا المسجد، ما سيوفر بيئة مريحة للمصلين، ويقلص عبء التنقل إلى مكان آخر لأداء الشعائر الدينية.
الرواية الصينية.. غائبة أم مغيبة
في مبنى زجاجي بمعمار حديث، من 33 طابقا بقلب العاصمة بكين، مقر الموقع الإلكتروني لجريدة “الشعب” الصينية، وهي واحدة من أكبر الجرائد سحبا في العالم بعدد نسخ يناهز 3.5 مليون نسخة يوميا، ويصل سحبها من إصدارات أخرى 6.6 مليون نسخة، لها عائد مالي رهيب، وتقدر الأرباح السنوية بـ331 مليون يوان، حوالي 46 مليون دولار، والجريدة مدرجة في بورصة شنغهاي، وموقعها الالكتروني يصدر بـ15 لغة.
هذه المؤسسة ذراع إعلامي للحكومة الصينية في تسويق روايتها والدفاع عن سياساتها الداخلية والخارجية، ورغم ذلك تبقى الرواية الغربية عن قضية “الإيغور” سائدة، كما تبدو الصين وهي قوة اقتصادية ثانية في العالم، ودولة عسكرية نووية “عاجزة”، عن مقارعة الإعلام الغربي.
هي أسئلة طرحتها “الشروق”، في غياب الإعلام الصيني على المشهد الدولي في قضايا تعتبرها بكين مسائل حساسة جدا، تخدش واجهتها، على هيئة تحرير الجريدة، وحضر اللقاء المستشار الأول للسفارة الصينية بالجزائر زهاو بينشنغ.
يُجزم الطرف الصيني أن البلاد تعاني “حملة تزييف بسبب مقاصد سياسية”، وأن “المعلومات الغربية معاكسة للحقيقة فيما يقع بإقليم شينجيانغ”.
وشدّد المتحدثون على أنهم يعملون على سرد روايتهم لتقديم الصورة الحقيقية للصين بجميع الأبعاد، لكن الحل لن يتحقق في يوم واحد، هنا تذكرت أن الفلسفة الصينية تعتمد الصبر والعمل في هدوء للوصول إلى النتائج المحدّدة.
على هذا الأساس سيتم الاعتماد على القوى الناعمة، رغم صعوبة الوصول إلى المحتوى الصيني، زيادة على أن غالبية الأخبار باللغة الإنجليزية، ويقدمون تفسيرا آخر لحجب الصوت الصيني في الخارج، هو “القيود التي تفرض عليهم في الخارج”.
يحكُم مسؤولو جريدة “الشعب” على الإعلام الغربي بـ”الكذب” ويستدلون ذلك بالتغطية غير النزيهة للغرب حيال القضية الفلسطينية خاصة منذ السابع أكتوبر، ويقولون “نحن نقدم الرواية الحقيقية والإعلام الغربي له وجه نظر أخرى، لكن العالم يشاهد الحقيقة فيما يجري في فلسطين”.
الحديث عن فلسطين، جعلني أطرح سؤالا على هيئة تحرير الجريدة، إن كان معيار إبراز الحقيقة حول القضايا الداخلية لبلادهم، هو نفس المبدأ الذي يعتمدونه في القضيتين الفلسطينية والصحراوية.
السؤال أدخل هيئة التحرير في لحظة تشاور، واستقر الرأي على أن يتولى الدبلوماسي بينشنغ الإجابة على السؤال، فقال: “نحن ندعم حق الفلسطينيين في تأسيس دولة مستقلة، كما ندعم جهود الأمم المتحدة فيما يخص القضية الصحراوية، ونحترم سيادة الدول”.
في شينجيانغ اليوم، يمكنك رؤية استقرار اجتماعي ووئام ديني، نتاج حكمة سكان وسلطات، وثقة متبادلة، في منطقة أساسية للحزام الاقتصادي لطريق الحرير القديم والجديد.