الرأي

الشريف قاهر.. عَلم آخر يرحل إلى العالم الآخر

الشروق أونلاين
  • 5681
  • 0

قضى الشيخ محمد الشريف قاهر نحبه واستوفى أجله، وهو المنقلب الذي سنصير إليه جميعا. الشيخ قاهر عَلم من أعلام الإسلام، لم يُعرف عنه أنه تشدد في مسألة، كان -ولا نزكي على الله أحدا- كالغيث حيثما وقع نفع، ولم يُعرف عنه أنه عنَّف أو قبَّح أحدا أو سفَّه رأيا أو تحيَّز إلى فئة كما يتحيَّز كثيرون، كان تحيُّزه لقضيتين اثنتين نذرا لهما حياته، وهما الإسلام والجزائر، لا تراه إلا مطرقا أدبا إلى أقصى ما يكون الأدب، وقورا إلى أبعد ما يكون الوقار، مبتسما، يبتسم في وجه الكبير والصغير والعالم والمتعلم، لقد ربينا منذ ريعان شبابنا على مواعظه ودروسه التي لا تصنُّع فيها ولا تكلف، وعلى إطلالته البهية وهو يتوسط لجنة الأهلّة.

لقد أفضى الرجل إلى ربه بعد عمر حافل بالعطاء الأدبي والعمل الوعظي والاجتهاد الفقهي، إن عطاءه الأدبي قد تبلور في بغداد التي حصل منها على العالمية في الأدب الأندلسي، ولهذا نجد في خطابه كثيرا من حكمة الشاعر والأديب الأندلسي ابن زيدون، وأما عمله الوعظي فقد ظهرت فيه بصمات جامع الزيتونة العامر، الذي نلقى في رحابه من الثقافة الإسلامية ما جعلت منه واعظا مؤثرا وخطيبا مفوّها، تأسر كلماته القلوب والعقول وتعمل عملها في نفسية المستمع  فترتقي به من الفضاء الترابي الشهواني إلى الفضاء العلوي النوراني، من خلال الدرر التي يحيل إليها في الكتاب والسنة وسير الأنبياء والعلماء.

أما اجتهاده الفقهي فقد ظهرت فيه بصمات شيخه محمد الطاهر  آيت علجت -أطال الله عمره- كما ظهرت فيه وسطية الإسلام وسماحة الأحكام التي يمثلها الفقه المالكي، وظهرت فيه الثقافة المقاصدية التي أخذها عن الفقيه المقاصدي العلامة محمد الطاهر بن عاشور، فمن يستمع إلى الشيخ قاهر، يجد في طريقته سمة فقهية تزينها الحكمة المقاصدية والحكمة العقلية التي ظهرت بوضوح في العمل الضخم الذي أنجزه محمد الطاهر بن عاشور وهو تفسير “التحرير والتنوير”.

إن ما يجعل هذه العطاءات محمودة أنها كانت لتحقيق غاية ثنائية وهي معرفة الإسلام من منابعه ومشاربه الحقيقية، وتعريف كثير من الجزائريين بها ردا على مخططات التجهيل التي تولت كبرها السلطات الاستدمارية، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن قاهر حظي بمعية لفيف من أقرانه في ذلك الوقت بلقاء أسد القبائل ورجل الجزائر العقيد عميروش في قرية “إيغيل ثالة” حيث أفصحوا له عن نيتهم في الالتحاق بالثورة، فقال لهم: “أنتم طلبة العلم وعلماء الدين، مهمّتكم بعد الاستقلال السير بالجزائر إلى بر الأمان”.

بعد الاستقلال، كانت للشيخ محمد الشريف قاهر جولاتٌ وصولات في رحاب العلم، التي بدأها أستاذا ثانويا، وفي سنة 1972 عمل أستاذا بجامعة الجزائر ومديرا لمعهد أصول الدين قبل  تحوّل هذا الأخير إلى كلية في إطار الهيكلة الجديدة، كما عمل أستاذا بالمدرسة العليا للقضاء، إن هذا الحضور الفقهي والفكري دليلٌ قاطع على أن للرجل في الميزان الفكري أكثر من انتساب، فهو يُصنَّف في عِداد الخطباء والبلغاء، كما يُصنَّف في عِداد المفسِّرين والمفتين، ويصنَّف في عٍداد الأدباء، وقد اقتحم هذه المجالات باقتدار كبير، ليستقر به الحال في المجلس الإسلامي الأعلى حيث ترأس لجنة الفتوى إلى أن لقي ربه.

بالعودة إلى فقه وفكر الشيخ قاهر، يمكننا القول إن الرجل أثبت في أكثر من لقاء أن فقه الجزائريين وعقيدتهم وطريقتهم في الحياة تتلخص في إتِّباع المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والطريقة الجنيدية، وهو ما كشف عنه في لقاء خاص نشرته جريدة “صوت الأحرار” بتاريخ 10 نوفمبر 2011، حيث يقول: “نحن في الجزائر منذ أن وُجدنا على ترابها وَجدنا آباءنا وأجدادنا على فقه مذهب مالك وعلى عقيدة الأشعرية وطريقة الجنيد السالك، وعلى ذلك توحّدنا وكانت صفوفُنا متراصّة وقلوبنا متحابّة، وبذلك وقانا الله شرّ الفرقة والمهالك التي وقع فيه أشقاؤنا في المشرق العربي الذي كثرت فيه المِلل والنِّحل والعقائد والمذاهب، فقبل الاستقلال إذا دخلت المسجد تجد المصلين كلهم على طريقةٍ واحدة وعلى هيئة واحدة أما اليوم إذا دخلت المسجد ففي الصف الواحد تجد شتاتا ونشازا، فهذا قابضٌ يضع يديه على صدره والآخر على بطنه والآخر سادل وقد أرخى يديه وهكذا: “إن الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شِيَعا لستَ منهم في شيء”، إن مذهب الدولة وهو المذهب المالكي وينبغي المحافظة عليه، والمفتي يجب أن يحترم مذهب الجماعة التي يقيم معها حتى لا يمزِّق صفوفها ويُحدث فتنة بداخلها وإذا كان على مذهبٍ غير مذهب الجماعة فليحتفظ بذلك لنفسه”.

لقد بيَّن الشيخ قاهر أن الاختلاف مشروع وهو مظهر من مظاهر التنوُّع ولكنه قد ينقلب إلى ضده حينما يتحوَّل إلى مظهر من مظاهر التنطُّع الذي نهت عنه الشريعة الإسلامية، وبالفعل ففي هذا العصر  أدى اختلاف الطريقة إلى غياب الحقيقة، بعد أن افترق الجزائريون افتراقا كبيرا وهو ما نراه جليا في تصرفاتهم وسلوكاتهم في المساجد التي ارتفعت فيها أصواتهم. إن قول الشيخ قاهر بأن الفقه المالكي هو مذهب الدولة الجزائرية لا يعني أنها تدير ظهرها للمذاهب الأخرى أو تناصبها العداء، فكل ما في الأمر أن المذهب المالكي في الجزائر ميراثٌ فقهي حافظ عليه رجالٌ وسارت عليه أجيال، وينبغي المحافظة عليه ليكون عنوانا للوحدة التي تجمع شتاتنا، لا نريد أن يصير أمرنا إلى ما ذكره الشيخ قاهر فتتحول مساجدُنا إلى حلبةٍ للصراع المذهبي المقيت الذي يتنافى مع مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية، وهو  “حفظ الدين”، إن هذا الحفظ لا يمكن أن يتحقق في ظل سيادة الآراء النشاز التي يدَّعي أصحابُها صِلتها بالدين وما هي من الدين في شيء، إن ما حذر منه الشيخ قاهر وكثيرٌ من العلماء يقع للأسف الشديد في مساجدنا بمباركة من “المشيخات” التي تحوَّل أكثرها إلى طفيليات تنخر مجتمعنا الجزائري.

إن الشيخ قاهر ليس غزير التأليف ولكن مؤلفاته على قلّتها يميِّزها القول الرصين والرأي الوجيه، ومن ذلك دراسة وتحقيق ديوان لسان الدين الخطيب: “الصيب والجهام، والماضي والكهام” ومن ذلك أيضا دراسة وتحقيق كتاب “الأنوار في آية النبي المختار للشيخ عبد الرحمان الثعالبي، إن العالم لا يصير عالما بكثرة التآليف ولكن بقوة الأفكار التي ينقلها إلى الآخرين بأسلوب سلس سهل، وهي الغاية التي نعتقد أن شيخنا رحمه الله قد أدركها، وهو ما يغني عن كثرة  التآليف التي يقوم بها آخرون ولكنك تكتشف في النهاية أنها مليئة بالتخاريف وتكاد لا تجد فيها إلا شتاتا من الأفكار التي يشوبها الخلط وتفتقر إلى الضبط.

يجب أن لا ننسى الدور الذي أداه الشيخ قاهر في الفتوى في إطار لجنة الفتوى، وقد تميَّزت فتاواه بالتأصيل من نصوص الكتاب والسُّنة ومن أحكام الفقه المالكي بطريقةٍ سهلة بعيدة عن التعقيدات التي تميِّز بعض فتاوى العلماء المعاصرين الذين يجيبون السائل الأمِّي بمسائل لا نجدها إلا في موافقات الشاطبي، وبذلك تضيع ثمرة الفتوى ويضيع معها المفتي والمستفتي على سواء.

إن الشيخ قاهر  رحمه الله هو أحد المراجع الفقهية الكبيرة في الجزائر إلى جانب أحمد حمَّاني وغيره، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، من قضى نحبه فقد أكمل دوره ومن ينتظر فهو ماض في طريقه، ويبقى علينا نحن أن نحذو حذوهم ونحافظ على تركتهم، حتى لا تتوقف مسيرة العلم بموت الرعيل الأول من شيوخنا وعلمائنا.

نسأل الله أن يرحم شيخنا وأن يتقبّله في الصالحين وأن يبدِّله أهلا خيرا من أهله، و دارا خيرا من داره، كما نسأله تعالى أن يُخرج من أصلابنا من يسدَّ ثغره ويحمل رسالته ويواصل مسيرته خدمة للإسلام والجزائر.

********************

المذهب المالكي في الجزائر ميراثٌ فقهي حافظ عليه رجالٌ وسارت عليه أجيال، وينبغي المحافظة عليه ليكون عنوانا للوحدة التي تجمع شتاتنا، لا نريد أن يصير أمرنا إلى ما ذكره الشيخ قاهر فتتحول مساجدُنا إلى حلبةٍ للصراع المذهبي المقيت الذي يتنافى مع مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية، وهو  “حفظ الدين”.

مقالات ذات صلة