الشمس تشرق من الغرب
عندما تتحدث وسائل إعلام بريطانية وغربية انطلاقا من بحوث جامعية وأرقام رسمية عن ظاهرة “العزوف” عن الدين، كما هو الشأن عندنا في العزوف عن الانتخابات، وعن انتشار الدين الإسلامي على حساب الكنيسة، وكيف أن هذا الدين، قد يصبح عما قريب الدين الأول في بريطانيا، وكيف أن العشرات من الكنائس تغلق كل سنة فيها، فإن هذا يؤكد:
أولا، أن المجتمعات الغربية الغارقة في الحياة الدنيا، التي لم يعد لها وقت للتمعن والاستبصار والاستفاضة من مخزون الإنسان الطاقوي الروحي الداخلي، تحولت إلى “فراغات” محشوة بكل شيء إلا بالروح! وهذا ما تنذر به فلسفة “ما بعد الحداثة”، وأن هذه الفراغات التي ملأتها الدنيا بمتاعها وعتادها وعاداتها، التي يقترحه عليها المجتمع الاستهلاكي الرأسمالي، نقلت “الإنسان”، الثنائي التكوين، المتدين بطبعه، القدري بخلقه، المؤمن بجبلّته، إلى كائن حيواني، متدن، يبحث عن مشبعات البطون والفروج وعن اللهو والخروج، والمرح وتغيير السروج! فكان الدين أول عائق أمام هذه المغريات وقلة الوقت والانبهار والمشتهيات والمفهوم الاجتماعي لـ”الحاجة”! فكان أن صار الدين، أي دين، “حجر” عثرة، لابد من التنصل منه قبل التخلص منه!
هكذا، كان الشأن مع بداية الرأسمالية الناشئة في فرنسا بعد الثورة الفرنسية وكومونة باريس في نهاية القرن السابع عشر، عندما قامت الثورة ضد الإقطاع والحكم الملكي المرتبط عضويا ومصلحيا بنظام الإكليروس، من رجال الكنيسة الكاثوليكية التي سوف ترى الانشقاق مع ظهور البروتستانتية في الشمال، وخاصة في المعسكر الأنجلو ساكسوني (يمكن ذكر ما كتبه هنا في هذا الصدد “ماكس فيبر” حول “الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية”).
فالرأسمالية بطابعها العلماني، تمحي مع مرور الوقت القابلية إلى التدين، بسبب قواعد العلمانية الثلاث: الفردنة، الحرية، الفصل بين العام والخاص. هذا الأخير الذي يعني تفتيت العلاقات الأسرية لصالح حقوق وحريات الأفراد لا حقوق وحريات الجماعات، انطلاقا من المقولة الفولتيرية ـ التي فهمت وطبقت وتطبق اليوم خطأ: “حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين”.
ثانيا: الفراغ الديني الروحي، قد أدى إلى عدم التدين والإلحاد أو بشكل بسيط: غير متدين، قليل الإيمان، غير ممارس للدين! هكذا، وفي مجتمع رأسمالي همه الربح والجدوى الاقتصادية، لم يعد من جدوى أن تبقى الكنائس مفتوحة! كنائس لا يرتادها أحد، تغلق، لأنها مكلفة أمنيا وماديا. هذا قد ينطبق أيضا على مجتمعاتنا الماشية في ركاب الغرب.
من جهة، أخرى، الفراغ، سيؤدي حتما إلى محاولات يائسة من طرف هؤلاء “المفروغين” من وعاء الروح، إلى ملء هذا “الخواء” بأي شيء فارغ! لأنه لا يعقل ولا يمكن للإنسان أن يعيش بدون ثنائية “الروح والمادة”! لكن عندنا يقل وهج الروح، بسبب طغيان المادة، يحاول ضحايا العلمنة والرأسمالية الليبرالية أن يعوضوا هذا الخلل بكل الأشكال الروحية الغريبة المختلفة: المخدرات! لأنها تبدو لهم توفر للفراغ نشوة الروح الهاربة، فلا يجدون الروح، لأنهم اعتمدوا على المخدر كمادة، بحثا عن الروح التي هي غير مادية! أو قد يلجأون إلى عبادات وثنية شيطانية تجلب لهم فيما يبدو السعادة الشقية، لأن عبدة الشيطان، لابد وأن يكونوا مستهلكي مخدرات!
هكذا، يصبح الإسلام، الخيار الأوحد، والديانة الوحيدة الروحية الآن، بعد أن تحولت كل من اليهودية والمسيحية إلى ديانات مادية، مفرغة للعقل والروح، ويتحول تدريجيا إلى قيم ملجئية لكثير من المعتنقين لهذا الدين، المكتشفين له على حقيقته! فيما سيعتنق كثير من “المسلمين” بالاسم والوراثة المسيحية أو يتجهون نحو الإلحاد أو اللاتدين، بحثا منهم عن مخرج من فراغ داخلي هو الآخرون يعانون منه حتى لو كانوا “مسلمين”.
أما مسألة الهجرات والولادات، التي زادت وستزيد من أعداد المسلمين في أوروبا، فهذا تحصيل حاصل: بقدر ما انتشر الإسلام وبكل الطرق، سيعرف الناس جميعا، أن الخطر ليس في الإسلام، بل الخطر كل الخطر في اتخاذ دين غير الإسلام!