الشيخ كشك يعود.. والسلفيون ”يقطفون” الربيع الديمقراطي
لم تشهد تونس منذ تمكن المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة من تحويل غبار القبائل وشعث التجمعات السكانية إلى مجتمع مدني حديث وعصراني حالة تيه حول الوجهة مثلما تشهده الآن بعدما سقط نظام بن علي وتوارى عن المشهد بثورة الياسمين المفاجئة، خلال عقود شهدت تونس تطورا مذهلا، لكنها الآن وبعدما تقطع بندير عرس الربيع العربي تفرق المداحة مثلما لم يتفرقوا من قبل، توحدوا مثل رجل واحد ضد الديكتاتورية العائلية لكنهم اليوم مختلفون حول المستقبل الجديد للبلاد التونسية، بعد شمس الربيع العربي جاء قوس قزح مختلف ومتناقض الألوان، إلى أين تتجه تونس سؤال ربما طرحه »البوضياف« التونسي، الباجي قائد السبسي، مثلما طرحه محمد بوضياف عن الجزائر قبل 20 سنة. ولا أحد يعرف الإجابة حتى التونسيين لا يعرفون جواب هذا السؤال الصعب والمعقد في زخم التفاعلات والتجاذبات العقائدية والسياسية المتناقضة.
مسلسل قطع الطرقات يجتاح الشوارع التونسية
وأنت تدخل تونس بعد عام من الثورة، تكتشف أن البلاد لم تتغير شكلا لكن تغييرات في العمق حدثت وتحدث في المخاض الجديد، انقلبت الآية »عليكم أن تدخلوا وتخرجوا من تونس نهارا لا مجال للسير ليلا، هناك محاذير عديدة، اليوم سافر في الجزائر ليلا وسافر في تونس نهارا«. هكذا نصحني صديق تونسي ليس من فراغ بل من الواقع الجديد، على بعد مئات داخل التراب التونسي وتحديدا قبل منطقة تاجروين تشاهد أثار عجلات مطاطية محترقة على جانبي الطريق ورجال الحرس الوطني ينتشرون غير بعيد بعضهم يرفع بقايا الاحتجاج وغلق للطريق حسم لحظات قبل عبورنا إلى الداخل التونسي، صوت مذياع القنوات الإذاعية التونسية يتلو تقارير إعلامية غير مألوفة »محتجون يقطعون طريق طبرقة تونس ويطلبون مبالغ مالية للسماح بمرور المسافرين« ..ثم ..»محتجون يصيبون ثلاثة عناصر من الحرس الوطني بجروح بعد الاعتداء عليهم بالحجارة« ثم »مدينة مكثر مغلقة منذ أسبوع كامل«..
وتحت جنح الظلام يخالجك إحساس بالمجهول بعد انتشار عدوى الاحتجاجات مثل عدوى قطع الطرقات، بعضها تحول إلى لصوصية مثلما وقع في جندوبة حيث نظم الأمن التونسي حملة مداهمات أوقف فيها عديد المنحرفين المندسين وسط المحتجين، تتيه بخيالك في المتغيرات لكن الواقع يعيدك إليها ببرقية عاجلة ومواطن تونسي يمتطي دراجة يشير بيده يطلب منا العودة وعدم المغامرة بعدما قطع محتجون الطريق بعجلات محترقة قرب سيدي بورويس. عدنا للوراء بعدما فضل السائق عدم المغامرة »الليل ليل وقد يندس لصوص ليجردوننا من الهواتف النقالة والمبالغ المالية، مجرد تخوف لكنه مشروع، فالبلد في مرحلة انتقالية ونحن في دواوير نائية«. بعد ساعات من السير وسط غابات وأحراش مهجورة سوى من صوت الريح والكلاب، اهتدينا إلى طريق معلومة، كلما سرت في الخلاء شعرت أنك في نقطة تائهة في الخريطة وكلما مررت بقرية مضاءة تعج بالسكان تذكرنا أننا في تونس إلى غاية العاصمة.
ميلاد العنف على أنقاض التحرر من الخوف
تكتشف للوهلة الأولى أن التونسي الهادئ والمنضبط يعيش ثورة تحولات عميقة نفسيا، تحرر من الخوف من النظام والسلطة وكل براثن الدولة، استيقظ فيه نوع من »الإحساس بالذات« التي أمعن النظام السابق في طحنها في قوالب منمطة باسم القانون والنظام العام، تكتشف نوعا من التمرد والعنف المستيقظ ضد »الطحين« بالمفهومين التونسي والجزائري الدارجين، تسمع العنف اللفظي عند الطبقات الشعبية المسحوقة عبر ألوان شتى من السباب والشتائم النابية في المقاهى والطرقات العامة والمطاعم، فقد تهجم أحدهم على سيدة كانت تمسح حذاءها لدى ماسح أحذية بعبارات عنصرية ضد المرأة وهو أمر نادر الحدوث في السابق، قال لي شاب من تيطاوين وهو يقابل مبنى وزارة الداخلية، مخبر نظام بن علي المخلوع، »في السابق لا يمكن أن تتحدث بينك وبين نفسك عن ليلى وأخواتها وأصهارها من سلالة الطرابلسية خشية أن يشي بك حائط المنزل بسبب الخوف من الخوف، اليوم وبفضل ثورة 14 جانفي لا أحد يهددني إذا انتقدت منصف المرزوقي لا أحد يحاسبني«.
ولأنه لا أحد يحاسب أحدا، بدأ الشبان ينصبون طاولات خضار في أجزاء من بعض الشوارع العمومية، دون أن يتدخل أحد حتى الشرطة صارت لها حساسية مفرطة من »عربات الخضار« منذ تحولت عربة البوعزيزي إلى قطار ثورة أحرقت أركان نظام الجنرال بن علي وحولت أسسه إلى رماد.
الحجاب والبيرة جنبا إلى جنب
خلال احتفال الشعب التونسي بالذكرى الأولى لثورة 14 جانفي، بان للعيان أن الشعب الذي توحد في الثورة تفرق في السياسة، فقد تخندق كل تيار في مجموعات منفصلة عن بعضها البعض بشعارات خاصة، يساريون بأعلام حمر وسلفيون متشددون وأنصار التحرير برايات سود عليها شعار الخلافة، فلكل ربيعه وثورته الخاصة بشكل يوحي بتعدد الإيديولوجيات التي ذابت لبرهة خلال بركان الثورة، والحق أن التيار السلفي المتشدد بدأ يغزو الشوارع بصورة لافتة للنظر، وأنت تتجول في شوارع العاصمة التونسية تشاهد عددا كبيرا منهم بلحى طويلة وأقمصة يتجولون في صورة تذكرك بالمنظر العام لحي باب الوادي بالعاصمة الجزائر خلال التسعينيات من القرن الماضي، وهم يدافعون بضراوة عن وجودهم في المشهد العام بصورة لا تخلو من مخاطر بعدما بدأت موجة التكفير الجديدة تجتاح البلاد ضد النساء العلمانيات والنخب اللائكية واليسارية وفي الجامعات والمؤسسات التربوية.
فكلية منوبة معطلة منذ شهور، بسبب قضية المنقبات. وكلية الآداب بسوسة اهتزت على وقع صدامات بين طلبة إسلاميين وعلمانيين بالأسلحة البيضاء، في شكل بدأ يرسم تونس بألوان لم يألفها الشعار المعروف »ابتسم أنت في تونس« وبطريقة فوضوية تعارض فلسفة التحرير والتنوير المعهودة في البلاد منذ أيام علاّمة الزيتونة الشهير الطاهر بن عاشور، ليس غريبا اليوم في تونس أن تلاحظ مثلا ظاهرة انتشار الحجاب الممنوع أيام الجنرال بن علي بشكل متزايد ومطرد، حتى الأسواق الشعبية صارت لا تتحرج في عرض طوابير من الخمارات وأنواع الحجاب المختلفة مثلما لاحظناه في سوق باب الدزيرة، حيث يتجاور الزي الإسلامي مع سراويل الجينز الضيقة والتنورات القصيرة، فلكل طريقة حياة حرة زمن الحرية، يقول تاجر: هنالك طلب متزايد على الحجاب منذ سقوط نظام بن علي، لقد تحرر الجميع بمن فيهم المتدينون الذين كانوا يخفون ميولاتهم الشخصية ليس منذ عهد بن علي بل منذ نصف قرن من الزمن.. في السابق كان نمط وحيد هو الغالب، اليوم دخل النمط الإسلامي حلبة المشهد العام للبلاد«.
وأنت في فندق الروايال بقلب ساحة برشلونة، لا تستمع فقط لأصوات الراي الجزائري والربوخ التونسي فحتى المناخ السمعي للبلاد تغير في العمق، أشرطة الشيخ عبد الحميد كشك صارت تسمع جهارا نهارا وبصوت مليان يخترق سمعك دون استئذان ليذكرك بسنوات الثمانينيات في الجزائر عندما كانت أشرطة كشك موضة منذ ما يربو عن 30 سنة خلت، لكنها موضة جديدة في تونس حتى لو كانت من الزمن الغابر، تتجول في الأسواق فتستمع لشيوخ السلفية وأشرطة مرتلي القرآن، الذين يزاحمون شبان الراي والمزود التونسي والفن الشرقي. بعض المحلات الراقية لبيع الحلويات، مستها موجة المحافظة والتقليد، فقد طلب منا صاحبها الجلوس في الفضاء المختلط بعيدا عن الفضاء المخصص للعائلات حسب اليافطة المكتوبة، وفهمنا أن هناك رغبة في التكيف مع الوجه الجديد للبلاد التي صار فيها لون الإسلاميين غالبا.
والحق أيضا أن مجال الحريات الشخصية والفردية لم يتغير بتاتا، ذلك أن حركة الشيخ الغنوشي المعتدلة لم تقترب من هذه المساحة الخاصة للتونسيين، فهناك حرية فكرية وسياسية ناهضة تشهد على ذلك الجرائد والمطبوعات المختلفة التي غزت السوق الإعلامية وهناك الأجواء العامة التي تدفعك للاعتقاد أن الإسلاميين ليسوا القوة السياسية الغالبة، فلاتزال الحانات تبيع الخمور للزبائن بحرية مطلقة والحياة الشخصية بين الجنسين محترمة في كل مكان في المقاهي والكافيتيريات ودور السينما دون أدنى مشكلة تذكر، وحرية عقد التجمعات الفكرية والسياسية مكفولة دون استثناء، حيث تناقش مشكلات الساعة بجرأة وحرية كبيرة تتخيل معها أن البلاد فتحت ورشة الديمقراطية على مصراعيها، بيد أن نذر التهديد باتت واضحة للعيان ليس من طرف إسلاميي النهضة ولكن من فصائل إسلامية أخرى مثل أنصار الخلافة والمتشددين التكفيريين السلفيين.
الصعود المخيف لجماعات التكفير والسلفية الجهادية
نشرت صحيفة المغرب تحقيقا مثيرا حول إمارة سجنان السلفية، حيث تفرض جماعة سلفية نمط عيش غريبا على السكان بالقوة غير بعيد عن بنزرت شمال العاصمة، كما أن صحيفة »التونسية« نشرت مقالا مثيرا عن نشاطات مريبة يتولاها شيوخ متطرفون من دعاة السلفية الجهادية من خلال محاضرات ودروس دينية بعدد من المساجد وعن تدريبات عسكرية بالمسالك الغابية الوعرة بسجنان ونشاط مرصود في تهريب وتجميع الأسلحة القادمة من ليبيا، بهدف، تعتقد معه أوساط أمنية وفقا لما نقلته الجريدة وجود نية تأسيس خلية قاعدية في تساوق مريب مع عدة اعتداءات على عناصر عسكرية بهدف إثارة الفوضى بتشجيع من عناصر الردة من بقايا النظام السابق. ويحيلك هذا المستجد الأمني لما سبق وأن أدلى به الشيخ السلفي عمر البكري، القريب من تنظيم القاعدة لصحيفة »نوفل أوبسرفاتور« الفرنسية، عن تخطيط القاعدة الامتداد في تونس وليبيا على هامش الفراغ الذي خلفه سقوط الأنظمة هناك وانشغال حكومات ما بعد الثورة بمشكلات اقتصادية واجتماعية معقدة ما يسهل حركة النشاط والتجنيد لفلول المتشددين الذين تم تحريرهم من السجون في غمرة الانتفاضات الشعبية.
قبل أشهر نسجت تونس عقدا ديمقراطيا فريدا في العالم العربي عبر الانتقال السلس نحو الجمهورية الثانية بانتخابات نزيهة وديمقراطية ثبتت مؤسسات جديدة على غرار المجلس التأسيسي وما تشكل على أنقاضه من رئاستي جمهورية وحكومة مؤقتتين بلا مطبات سياسية وأمنية تذكر. لكن تحولات عام بعد الثورة تحمل نذر شؤم من التيار السلفي المتشدد الذي يرفع شعارات التكفير جهارا نهارا وتحت أعين المجتمع والدولة وأجهزتها الأمنية، مثلما وقع قرب محكمة تونس أثناء جلسة محاكمة مدير قناة نسمة عندما ردّد المئات »زنقة زنقة دار دار أحنا وراكم يا كفار«، تبعها اعتداء بالضرب على إعلاميين وأستاذ جامعي بسبب مواقف فكرية من فيلم »بورسيبوليس« الكرتوني، كلها مؤشرات توحي باتساع نطاق التناحر الإيديولوجي المصحوب بالعنف، على خلفية جبهة اجتماعية واقتصادية هشة يعكسها سقوط حر للحركة السياحية بفعل التحولات ثم الاحتجاجات والاعتصام المتكررة لمجتمع خرج لتوه من قوقعة سنوات القمع إلى فضاء حرية دفعة واحدة ويريد تحقيق حزمة مطالبه المتعددة والمعقدة الآن وليس في أي وقت آخر. يقول تاجر حرف تقليدية بسوق باب البحر »على الجميع أن يتحلى بالمسؤولية، الحكومة في حاجة إلى وقت ولا يمكن لشخص واحد أن يغلق الطريق هكذا دون التفكير في النشاط السياحي المتراجع«.
التجار يشتكون كساد المنتجات السياحية، أما المثقفون فيشتكون من مستقبل غير واضح المعالم لم يبعثر خطوطه سوى الظهور العلني والمفاجئ للتيار التكفيري المتشدد. فقد قالت سها وهي طالبة جامعية علمانية »تونس ليست تونستان، لا شيء تغير على صعيد الحرية الشخصية والفردية، مررنا بسلام في الفترة السابقة، لكن تصرفات التيار السلفي المتشدد مخيفة لنا كنساء، التونسيون ليسوا مستعدين بتاتا للمساس بحرياتهم مهما تكن المبرراتـ«، كما أن إعلاميا مرموقا قال لنا: »لقد شكلت الانتخابات الأخيرة نقطة ضوء في المسار التونسي بعد سنوات من الديكتاتورية، لكن مؤشرات جديدة تؤكد أن الدورة الكاملة للمسار الديمقراطي لم تكتمل بعد، ثمة غربان سوداء تنذر بتحويل الربيع التونسي إلى شتاء قاس على الجميع إذا لم تتسم حركية المجتمع بوعي ضروري لمواجهة الانفلات«. هذا هو الهاجس الحقيقي لتونس بعد عام من رحيل الطغمة العائلية. هذا هو الهاجس الجديد لبلد صنع وصدر الربيع الديمقراطي إلى بلدان عربية مجاورة لكنه اليوم يراقب مخاض بطنه العسير وميلاد جنين ديمقراطي لا أحد يعلم فصله وشكله ولونه.