الشيخ محمد المغيلي.. الفقيه التلمساني الذي نشر الإسلام في إفريقيا
يعد من أبرز الشخصيات، خلال القرن العاشر الهجري، أقام ثورة فكرية وإصلاحية، امتد أثرها على طول الساحل الإفريقي، إلى أدغال إفريقيا، مرورا بمنطقة توات التاريخية، محل إقامته النهائية وموطن جهاده التاريخي ضد اليهود.
إنه الشيخ محمد المغيلي، الذي سنروي جزءا يسيرا من سيرته الطويلة في الإصلاح ونشر الإسلام والوعي.
ترعرع المغيلي في تلمسان، تحت حكم الدولة الزيّانية، تتلمذ على يد العديد من العلماء الكبار، وتأثر بالشيخ محمد بن أحمد بن عيسى المغيلي، الشهير بالجلاب، الذي حفظه القرآن ومبادئ الفقه.
عاش المغيلي تغيرات هامة في المنطقة، خاصة السياسية، حيث عرفت فترة شبابه بكثرة المؤامرات والانقلابات..
انتقل بعدها إلى بجاية للتدريس، ثم انتقل إلى العاصمة، لملازمة كبير مفسري القرآن الكريم، الشيخ عبد الرحمن، فزوجه ابنته زينب.. ثم عاد إلى تلمسان، فتمت مضايقته فيها. خرج المغيلي مغاضبا باتجاه صحراء توات، وعاش في كنف قبيلة بني سعيد، فحارب المعتقدات الخرافية والشعوذة والبدع، وأعلن الحرب على اليهود هناك، الذين خرجوا عن صفة أهل الذمة، وأصبحوا يتسلطون على المسلمين في توات وتمنطيط. ووصل بهم الأمر إلى نشر المعتقد اليهودي، وقيل إن
إحدى السفن أتتهم بـ 26 صندوقا محملا بالتوراة قصد توزيعها.
حرب توات المقدسة
أصدر المغيلي ضد اليهود فتوى، سماها “مصباح الأرواح في أصول الفلاح”، فعارضه قاضي توات، الإمام عبد الله العصنوني، فاسترشد بآراء فقهاء تلمسان وتونس، فأيده شيخه محمد بن يوسف السنوسي والشيخ محمد بن عبد الجليل التنسي.. ثم عاد إلى توات، قبل أن يخرج نحو السودان، وتوجه بعدها إلى شمال نيجيريا، والتقى بحاكم منطقة كانو، محمد ريمفا، الذي عينه مستشاراً في قصره، ثم ولاه القضاء والإفتاء. انتقل بعدها إلى كتشنا، شمال نيجيريا، فالتقى بسلطانها، إبراهيم ماجي الثاني، ثم ارتحل إلى غاو، عاصمة بلاد سينغاي، في 1498، وسلطانها الحاج محمد أسكيا.
يعد الإمام الجزائري، محمد بن عبد الكريم المغيلي، حامل لواء الإسلام في إفريقيا، وسفير مدرسة الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي فيها. فقد كان له دور رائد في نشر الإسلام السمح، اعتمادا على رؤية شاملة، هدفت إلى الحوكمة واستقرار المجتمعات الإفريقية ووحدتها.
العودة إلى توات
حزن المغيلي حزنا شديدا، بعدما تناهى إلى مسامعه خبر مقتل ابنه، من طرف يهود توات وجماعة القاضي العصنوني، فهمّ أن يطلب إلقاء القبض على يهود توات، قبل أن يتراجع بعدما برأ ساحتهم القاضي محمود بن عمر. عاد المغيلي إلى توات، التي فقدت مكانتها السابقة، فانعزل فيها حتى وافته المنية سنة 1503، بالمكان الذي يحمل اسم زاويته الآن، بالقرب من قصر بوعلي بلدية زاوية كنتة.
أشهر تلامذة الشيخ المغيلي، أبو العباس الونشريسي، أحمد الكنتي، محمد بن عبد الجبار
الفجيجي، سيد أعمر الشيخ الكنتي، العاقب الأنصمني. كان وافر الكتابة، خاصة في التفسير والفقه والحديث، منها شرح مختصر الخليل، مصباح الأرواح وأصول الفلاح، شرح التبيان في علوم البيان، لب اللباب في رد الفكر إلى الصواب. من أشهر ما كتب، قصيدة في مدح النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- سميت الميمية.