الصخور المتهمة
هذا عام الصخور، سواء تلك التي تهوي “كجلمود حطه السيل من عل” أم تلك التي تفجر الأرض “من تحت”.. في كلا الحالتين، الصخور عادت مشكلة حقيقية لدولتنا الباسلة، حتى إنه يبدو لنا أن الصخور صارت هي المتهم رقم واحد في هذا البلد بعد الظواهر الطبيعة والمناخ.
وزير الأشغال العمومية، الذي “قضى” بحكم لا يقبل الطعن ولا حتى المرافعة والذي “يقضي” باتهام الصخور بانجرافها على مواطنين أبرياء، أكد أنه “سيتصدى لهذه الظواهر الطبيعية التي تتسبّب في حوادث انجراف الصخور على الطرق“. وعليه، فالوزير قاضي، سيعدل في الحكم وسيلحق أعلى العقوبات بالطبيعة وبالصخور، لأنها تجرأت وهدّدت مصالحه الوزارية الخاصة في الشمال، كما هدّدت الصخور الباطنية الوحدة الوطنية في الجنوب.
نمتُ لأجد نفسي أنا هو “القاضي” وقد قضيت أن أقاضي كل صخرة “تطيح” وكل قطرة تسيح.. ذهبت إلى عين المكان (وكثيرة هي الأمكنة مثلها، ففي كل طريق وواد ونهر وممر انهيار وانجراف وسقوط ودرخ وتفرديخ)، وجمعت الصحافة “الفاضلة” التي تحدث عنها “قرين” وشهرت عليهم شهورا من الإشهار، وقلت أمامهم لكي يوصلوها لمن خلفهم: أيتها الصخور العاتية، والأحجار النائية، والطرقات الراقية، والسيارات الباقية بعد انهيار سد مأرب والباقية، والله لأكسرنّ أصنامكم، ولأحطمنّ أحلامكم، ولأنزعنّ أسنانكم ولأفجرنّ أبدانكم.. أيتها الصخور القاطعة للطريق، الهاوية على هذا الفريق، القاتلة لهذا الابن وهذا الشقيق، وحق الرفيق، والرعد والبريق، والخبز والدقيق، والخوار والنهيق، والسمين والرشيق، وهذه الطرقات وما دارت، وهذه الناقلات وما طارت وهذه الكراويط وما سارت، وهذه الأمة وما صارت، لأحطمنّ أصنامكم وأوثانكم، ولأتصدينّ لزلازل غاز صخر جنوبكم، أنا ومن معي من المسخرين لهذا الغرض من المرض وهذا العرض الحار ذي البرَد!
ثم مسكت صخرة كانت قد قطعت الطريق بعد أن قتلت عائلة بأكملها في سيارة لا عائل لها، وقلت لها أمام الصحافة: وحق الصحافة وما تكتب وحق حقائقنا وما تكذب، وحق تصاريحنا وما تندب، ورب الرياح وما فعلن، ورب الشياطين وما عملن، ورب الإرهاب وما ندب ورب المطر وما وهب ورب بن فليس وما خطب ورب بنحاج وما عتب ورب الشعب وما غضب، لأجعلنّ هنا لهذه الصخور “كاريير” يطحنها ويأخذ كل سيارة محطمة إلى “لافوريير“.. لن نقبل بسيارة تطحن صخرة ولا سيارة تحطم صخرة! لن نقبل بصخر لا يُسخّر لخدمة البلاد ولا بصخور تقتل العتاد.. لكن حذار من مكائد الخارج، وفتنة الداخل، وكل صخرة تريد أن تتدحرج من جديد، سنتصدى لها هكذا ومن دون تدريج!
وأدخل في الصخرة برأسي الأصلع.. وتخيلوا النتيجة.
عندما أفقت، كنت لا أزال أقرأ البيت: كناطح صخرة ليوهنها.. فما أوهنها وأوهن قرنه الوعل.