الصراع لا يمكن أن يكون فلسطينيا – صهيونيا ولكنه عربي – صهيوني
يقدّم الباحث في البحث الشؤون الأمنية والإستراتيجية أستاذ العلوم السياسية والعلاقات بجامعة البليدة 2 نسيم بلهول، تقييما شاملا لسير العملية العسكرية لطوفان الأقصى، وكيفية نجاح المقاومة رغم محدودية إمكانياتها في مواجهة العدو الصهيوني، والذي وضع هدفين أساسين بع السابع أكتوبر هما تفكيك المقاومة واسترجاع محتجزيه. كما يستعرض الأستاذ بلهول في هذا الحوار مع “الشروق”، تطورات “طوفان الأقصى” وتشعباته من منظور أمني وإستراتيجي، خاصة مع تعلق بالجبهة اللبنانية واليمنية.
استرجاع المحتجزين وتدمير المقاومة، هي الأهداف التي وضعتها دولة الاحتلال بعد السابع أكتوبر، لكن تمر سنة، ولم تستطع على استرجاع محتجزيها ولا تقويض المقاومة، لم هذا العجز؟
إن خسارة معركة ما تحطم معنويات القوة المسلحة أكثر مما تحطم قواها المادية، فإذا لم تتبدل الظروف تبدلا ملائما، فإن معركة ثانية تنتهي بهزيمة كاملة قد تصل أحيانا إلى الإبادة، وهذه قاعدة عسكرية ثابتة. فإذا أخذنا أكثر التقديرات تشاؤما وافتراضا أن الضربة الأولى التي تلقتها المقاومة قد وصلت إلى حد الهزيمة (العسكرية)، فإن البقاء وعدم الوصول إلى الإبادة يعني أن من الضروري العمل على منع العدو الصهيوني من تحقيق أي نصر جديد.
والبقاء في نهج الحرب الثورية التي تتبناها المقاومة عبارة عن نصر، إذ على الرغم من ذلك تنتصر القوى الصهيونية في مثل هكذا حروب بضربات الإبادة نظرا لأنها تكون متفوقة على قوات المقاومة التي لا تستطيع تحقيق انتصارات باهرة، ولكنها تحقق النصر بالبقاء رغم كل التجمعات.
وتؤكد كافة التجارب الثورية على أن تسديد بعض الضربات إلى القوات الثورية لا يؤدي إلى تدميرها، وأن الانتصارات الجزئية العسكرية التي تحققها القوات الصهيونية لا تعني انتهاء الصراع، إذ لا يتم انتصار الحرب المضادة للعصابات إلا بعد تدمير الحركة الثورية وهيكلها الأساسي، وتحطيم شبكاتها السياسية والعسكرية. وتتضرس قوى المقاومة الثورية خلال هذا الطريق الطويل، وتتعلم كيف تقدر قوتها وقوة عدوها، وتعدل سياستها وتكتيكها وأساليبها، لتندفع بعد ذلك بزخم جديد.
إن بقاء واستمرار وجود المقاومة والمناخ الثوري رغم الهجمات الصهيونية يعني فشل تلك الهجمات في تحقيق هدفها الأساسي رغم ما حققته من انتصارات جزئية.
كما يعني الحفاظ على جذوة المقاومة كثورة متقدة -ولو تحت الرماد- ولا يمكن أن تستمر هذه الجذوة إلا إذا تحقق البقاء.
وطرح مسألة البقاء يعني أن هناك احتمالا بعدم البقاء نتيجة استمرار الهجوم الصهيوني المضاد. وهذا كله يعني أن هناك هجوما وأن المقاومة تعيش حاليا حالة دفاع ناجم عن جزر ثوري طالما أنها غير مستعدة للهجوم. وليس الدفاع في حد ذاته هدفا ولكنه وسيلة للبقاء الذي لا يشكل بدوره هدفا مجردا، ولكنه هدف ووسيلة. إنه هدف الدفاع ووسيلة لإعداد الهجوم. بيد أن الرغبة في البقاء لا تعني الوقوف والمقاومة بسلبية مطلقة، بل تعني العمل الإيجابي داخل أفق دفاعي، لأن الاستمرار والتحمل وحدهما لا يعتبران قتالا، والمقاومة عبارة عن نشاط يرمي إلى تدمير مجموعة من قوى العدو لإكراهه على هجر مخططه.
وهذا يعني أن الجهد السلبي الذي يحفظ القوى يبقى مفيدا حتى يتعذر الاستمرار به دون التعرض لأخطار جسيمة، عندها تختفي مزاياه ويحل الجهد الإيجابي الذي لم يلغه الجهد السلبي ولكنه وضعه في النسق الثاني.
علما أن هذا الجزء يفرض على المقاومة اللجوء إلى الأفق الدفاعي وخسارة جزء كبير من الفاعلية الكامنة في العمل الهجومي، ولكنه يتلاءم مع واقع المعركة المرتقبة، وطبيعة التحديات التي تجابه الوسائط الإستراتيجية لقوات المقاومة، وميزان القوى القائم حاليا داخل الأراضي المحتلة. خاصة وأنه يتطلب قوى أقل وتضحيات أصغر، ويؤمن للمقاومة الاستمرار في القتال لمدة أطول. كما ويؤخر في نفس الوقت وقوع المعركة الحاسمة في الزمان والمكان ضمن حدود الظروف التي تسمح بذلك حتى يتبدل ميزان القوى لصالح المقاومة فتشرع في الهجوم الحاسم.
بالمقابل، ما سر قوة المقاومة في مواجهة جيش يوصف بأنه من بين الأفضل تسليحا في الشرق الأوسط، ومدعوم بقوى عظمى كأمريكا وبريطانيا؟
يكشف لنا تحليل أحداث المعارك والعمليات العسكرية التي شنتها المقاومة كثيرا من الدروس السياسية والعسكرية. علما أنه لسنا هنا بصدد تقييم هذه التجربة، وتحديد ايجابياتها وسلبياتها، والوصول إلى استنتاجات عملية حولها. ولكننا نود هنا طرح موضوع عملياتي مرحلي خاص بتطور عمل المقاومة على مسرح العمليات، الأمر يتعلق بالمناطق المحررة بشكله العام لأنه إذا كان من حق المقاومة أن تختار الإستراتيجية التي تريدها، فإن من واجبها أن تشرح لقواعدها الجماهيرية العريضة كثيرا من الأسس التي تساعدها على وعي المواقف الملموسة، بدون أن يكشف هذا الشرح نوايا المقاومة وأساليبها في القتال والقيادة والإدارة. علما أن المناطق المحررة عبارة عن أرض واسعة يختارها عادة الثوار بدقة خلف العدو، يحتلونها ويمارسون فيها سلطتهم الاقتصادية والسياسية والعسكرية بمثابة، فهي بمثابة قاعدة خلفية حقيقية لهم.
ويمكن أن نقول بأنها دولة ضمن الدولة أو دولة وراء الدولة. وهذا ما يجعل إمكانية تأسيسها مرهونة بحالة الدولة، ومدى ضعفها وعجزها. ولقد أشار في ذلك ماو تسيتونغ خلال الحرب ضد اليابان إلى ضرورة إنشاء المناطق المحررة وأهميتها الإستراتيجية والدور الهام الذي يمكن أن تلعبه المناطق مسبقا في أي صراع طويل الأمد.
غير أنه لا يمكن أن تبدل المقاومة خط سير المشاريع المشبوهة، وتشهد تقلبا للرفض اللفظي إلى رفض حقيقي إلا إذا كانت متحدة القوى قادرة على الاستمرار في النضال أينما كانت ضد كل مؤيدي الحلول والعاملين على تنفيذها. ومعركة إبطال الحلول وإحباطها معركة مصيرية يكمن الخطر الأساسي فيها في تباين وجهات النظر في حالة ظهورها داخل صفوف المقاومة، وهذا ما يطرح أمامنا مسألتينفي غاية من الأهمية، وهما:
1- تشكيل الجبهة العربية الثورية المضادة لكل الحلول التصفوية بغية حشد كل الطاقات العربية في المعركة.
2- طرح الوحدة الوطنية (الجبهوية) داخل حركة المقاومة بشكل ملح وكثيف.
وإذا كان بوسع مختلف تنظيمات المقاومة في المراحل السابقة النظر إلى الوحدة الوطنية كمهمة من المهمات، فإن عليها اليوم أن تضعها على رأس المهمات لكونها تساعدها على تأسيس الحربة وسد الثغرات التي يمكن أن يفتحها العدو الصهيوني في درع المقاومة.
إن قوة المقاومة في نهجها الثوري الحالي من خلال مجابهة العدو الصهيوني بحرب طويلة الأمد، هي في الأصل قوة مضطرة للدفاع، ولو لم تكن مضطرة لذلك للجأت إلى إستراتجية الإفناء (الهجومية) بدلا من إستراتجية الإجهاد (الدفاعية الهجومية). واضطرارها إلى الدفاع يعني أن ميزان القوى لا يسمح لها حاليا بالهجوم الحاسم، وأنها تستخدم الدفاع (وحرب العصابات جزء من الدفاع) في انتظار قلب ميزان القوى. ولكن هذا الأخير لا يتم عن طريق السلبية، فهو صراع يومي وسباق دائم مع عدو يعمل كل ما في وسعه للحفاظ على ميزان القوى في وضعه الراهن الملائم له. وضمن هذا الأفق يمكننا أن نعرف فيما إذا كان الزمن هو في صالح المقاومة أم لصالح العدو. إن الزمن ليس في صالح أي أحد. لكن اتجاه تبدل موازين القوى داخل الزمان -أي ترابط ما بين القوة والزمن على منحنى الحركة- هو الذي يحدد الربح أو الخسارة التي يحققها كل طرف من الطرفين المتنازعين مع مرور الزمن، إذ لا يمكن قلب ميزان القوى إلا من خلال: استنزاف العدو الصهيوني، وتنمية القوة الذاتية للمقاومة، فكل خسارة تصيب العدو الصهيوني تعني نزولا في كفته وصعودا في كفة المقاومة. وكل زيادة في قوة المقاومة تعني هبوطا جديدا لدى العدو الصهيوني، والعكس صحيح.
والاستنزاف (المادي والمعنوي) متبادل بالضرورة، إذ ليس هناك خصم جامد بصورة مطلقة، ولكل خصم مهما بلغ من السلبية ردود فعل محددة صغيرة كانت أم كبيرة. ومن المؤكد أن على المقاومة خلال الاستنزاف المتبادل أن تكون خسارة العدو الصهيوني أكبر من خسارتها، حتى يتم قلب موازين القوى بسرعة. غير أن استنزاف العدو الصهيوني لا يمكن أن يتم فلسطينيا بل عربيا، وهو لا يتم عربيا بالشكل التقليدي أي في مجال تفوق العدو بل يتم عربيا في المجال الذي يتفوق فيه العرب، أي مجال الحرب الشعبية التي تزج بكافة قوى الأمة وعبقريتها في المعركة، وتستنفر جماهير الأمة وتقلبها من كمية مهملة إلى كمية فاعلة متفوقة. وهذا ما ينقلنا من بحث الاستنزاف إلى بحث تنمية القوة الذاتية الفلسطينية أولا والعربية ثانيا.
وما دامت المقاومة الفلسطينية تشكل طليعة الثورة وأداتها ورأس حربتها، فإن تنمية هذه المقاومة وتوحيدها (جبهويا) ورفع مستوى تسليحها وتدريبها وكوادرها، وتأمين تلاحمها مع الجماهير، وتدعيم الجبهة السياسية الثورية القادرة على تأطير هذه الجماهير وقيادتها جزء من بناء القوة الذاتية. وهو جزء أساسي ولكنه يبقى مع ذلك داخل إطار الكل، المتمثل في زج الجماهير العربية كلها في المعركة.
ما قدرة المقاومة على الاستمرار في مواجهة المحتل؟
مهما يكن عنف القوات الصهيونية شديدا إلا أنه عاجز عن إيقاف المدى الثوري للمقاومة. ولا يمكن الوصول إلى هذه الغاية الأساسية التي تفتح طريق النصر إلا عن طريق تنمية القوى الذاتية، وإضعاف قوى العدو الصهيوني بضربه وتفتيته واكتساب جزء من قواته. ومن هنا، تبدو لنا أهمية “التفتيت” كجزء من أساليب الحرب طويلة الأمد، وكتطبيق عملي للمبدأ اللينيني القائل بضرورة تأجيل العمليات إلى أن يسمح تفكك العدو بتوجيه الضربة القاضية إليه بسهولة.
ولقد وعى أعظم القادة الثوريين أهمية تفتيت الجيش واكتسابه خلال الصراع، وأشار لينين إلى هذا الأمر أكثر من مرة وتحدث عن دور الجيش في قلب الموازين عندما حلل الثورة الروسية.
وتطرق الجنرال الفيتنامي جياب إلى هذا الموضوع الحيوي عندما تحدث عن كون لدى قوات التحرير المسلحة الفيتنامية أساليب قتال مخصصة لتدمير مواقع العدو، وأساليب أخرى تؤمن القتال مع توعية الجنود في سبيل تفتيت القوات المسلحة. فأهمية تفتيت قوى العدو الصهيوني بصورة عامة، شريطة ألا يتم “التفتيت” معزولا عما يجري حوله، وأن تقوم المقاومة كجزء من الصراع غير المباشر الرامي إلى تفتيت كافة مؤسسات العدو الصهيوني، وكقسم من نضال الجماهير العام في جميع خلايا الأمة، تعد بطارية تدفع بمثل هكذا صمود ثوري قائم على معادلة “البقاء ثم الاستمرار”.
كيف تتوقع شكل المواجهات في الفترة المقبلة؟
لن تكتفي المقاومة بحرب العصابات، بل ستعتمد على “العصابات” في الجبال و”الخلايا الصدامية” في المدينة. ومن هنا ستنبع جذور موقف الجماهير المسلحة على نمط “الشعب المسلح” للجنرال جياب.
فالجماهير الفلسطينية تعتبر قوة كامنة لا تجابه ولا ترى. إنها تجبر العدو الصهيوني على حراسة كافة المناطق الحيوية الهامة في المدن بشكل يجعله عاجزا عن جمع أكبر قوة لضرب الجبل وإحكام قبضته على المدن معا.
ووسط كل هذه الظروف الدولية والعربية والفلسطينية، هناك حقيقة لا يمكن إخفاؤها: فلا تزال المقاومة تتخبط. وتتصارع المنظمات فيما بينها صراعا صامتا يوميا، كما تتصارع القوى داخل كل منظمة، ويزداد الصراع حدة مع تزايد سقوط أرواح فلسطينية أمام العدو الصهيوني. وفي ظل قيام المقاومة بعمليات نقد ذاتي متتالية، محاولة منها بكل إخلاص أن تجد الحلول الجزئية لمشاكلها الجزئية، إلا أنها غالبا لا تتعرض لجذور المسألة وعقدتها الأساسية، وهي “عدم تناسب القوة المتوفرة مع الهدف الإستراتيجي المطروح، وعدم العمل على تعديل ميزان القوى لتحقيق الهدف”. ولا يمكن أن تكون هنالك أي حلول ملائمة وجذرية، إلا إذا توصلت لوضع تسلسل جديد لأفضليات الأهداف في الواقع الراهن، وحدّدت الوسيلة والقوى اللازمة لتحقيق كافة الأهداف المتتالية وصولا إلى الهدف النهائي.
بيد أن تحديد المهمات والأهداف والوسائل.. إلخ عمل ينبثق في الأصل من الرؤية الإستراتيجية للصراع كله: فلقد أثبتت تجربة المقاومة حتى اليوم أن الصراع لا يمكن أن يكون فلسطينيا- صهيونيا، وأنه صراع عربي – صهيوني (بالمعنى الكامل). وهو صراع يأتي في إطار ظروف الواقع العربي الحالي العاجز عن مجابهة رأس الجسر الإمبريالي الذي لا يمكن مواجهته إلا بدولة طوق ثورية قادرة على تعبئة طاقات الأمة كلها وزجها في المعركة، لتغدو بذلك قادرة على الصراع ضد العدو الصهيوني المعتدي الذي يشكل جزءا من المنظومة الإمبريالية العالمية. وهذا كله يعني سقوط شعار “فلسطينية المعركة”، الذي لم يتجرأ أحد على رفعه بصورة علنية مكشوفة، ولكنه كان كامنا وراء تصرفات المقاومة والاستعاضة عن هذا الشعار بشعار “عروبة المعركة”. والاعتراف بهذه الحقيقة يعني سقوط وهم عدم التدخل في شؤون البلاد العربية، لأن واقع هذه البلاد ينعكس على المعركة بشكل مباشر أو غير مباشر. وما أن يتم تثوير بلاد الطوق وتوحيدها وبناء دولة الطوق الحديثة (هانوي العربية)، تزج هذه الدولة بإمكاناتها وكل دعم الدول المناهضة للإمبريالية العالمية لها في المعركة حتى يصبح شعار حرب التحرير الشعبية ملائما للمرحلة. وتستطيع الجيوش العربية المثورة حينها العمل إلى جانب العصابات (المقاومة)، في حرب عادلة طويلة الأمد تستهدف تدمير البنية العسكرية العنصرية الصهيونية -رغم دعم الامبريالية لها-. وقد لا يعجب هذا القول المتعجلين الذاتيين الذين لم يتعلموا من دروس الماضي شيئا، والمتشوقين للتحرير غدا أو بعد غد، ولكنه السبيل الوحيد “لتأسيس القوة المتلائمة مع الهدف النهائي”. ويمكننا أن نسمي التحرير وتدمير البنية العسكرية العنصرية الصهيونية وخلق المجتمع الديمقراطي العربي “الهدف الأسمى”. ولكن الوصول إلى هذا الهدف لا يتم دفعة واحدة ولابد من أن نتصور خلال كل مرحلة من مراحل التنفيذ سلسلة من الأهداف الصغيرة المتتالية التي تؤدي إلى الاقتراب خطوة أثر خطوة نحو “الهدف الأسمى”. لا بد لنا من تصنيف الأهداف المرحلية التي تفرضها حقائق الواقع الملموسة، وتحديد مهمات المقاومة الأساسية الملحة. والقوى اللازمة لتنفيذها. وهذه الأهداف هي:
1- البقاء.
2- إحياء المشاريع التصفوية.
3- قلب ميزان القوى.
علما بأن تعاقب الأهداف الثلاثة لا يحدّد تسلسلها الزمني أو أهميتها النسبية، فهي أهداف متداخلة متفاعلة قادرة على التأثير على بعضها بصورة متبادلة سلبية أو إيجابية. كما أنها أهداف أساسية يحمل كل واحد منها في طياته أهدافا فرعية.
هل تتوقع تتوسع الحرب، نقصد الجبهة الشمالية مع حزب الله، أم إن قواعد الاشتباك ستستمر على ما هي عليه؟
إن انخراط حزب الله في الحرب باسم «العناد الإستراتيجي اللاعقلاني» لا ينجم في حقيقة الأمر إلا عن “عمى استراتيجي” من شأنه أن يحول دون رؤية حقيقية لميزان القوى الذي هو ليس في صالح جبهات المقاومة المفتوحة ضد العدو الصهيوني والذي من شأنه في حالة أي عمل عسكري من حزب الله أن يكرر السيناريو الغزاواتي على الأراضي اللبنانية. هذا بالإضافة إلى عدم تناسب قوى المقاومة مع الأهداف. وهو ما من شأنه أن يمنع كل إمكانيات التلاؤم بين القوة والهدف. أو “نرجسية تنظيم حزب الله الثورية” التي ترفض الاعتراف بالخطأ، وتقدس تجربتها الذاتية، وتندفع بحمية مفرطة لتمجيد أهداف مستحيلة، وتأسيس ملاحم بطولية انتحارية، أو عن “انعدام الجرأة القتالية” وهي الصفة الأساسية اللازمة لنقد المراحل وإعادة النظر وتبني التنظيم وطريقة العمل والشعارات والأساليب المناسبة لكل مرحلة جديدة. أو بتعبير آخر حل التناقض القائم بين الذاتي والموضوعي.
في الواقع، لا يمكن حاليا أن تتوسع مساحة العمليات الصهيونية الكبرى لتصل بصيغتها الحربية الكلاسيكية إلى الأراضي اللبنانية، نظرا وكون المقاومة (الشيعية) المتجسدة في حزب الله والتي حددت هدفها في “تحرير فلسطين” لم تكن لتحدد بصفة عملية حجم القوة اللازمة لهذا العمل، مع بناء تصور لدينامكية رد فعل العدو الصهيوني طالما أنها لا تعمل ضد جسم ميت أو قوة ثابتة. ولو فعلت ذلك لرأت فعلا أن قوتها لا تكفي لتحقيق الهدف، ولآمنت بأن تأسيس تلك القوة لا يتم إلا عربيا، وبأن عليها أن تحافظ على ما تملكه وتنميه بدلا من أن تبدده، وأن تستخدم قواها بتقتير كامل فلا تطرح الحرب طويلة الأمد، ثم تبدأ العمل وكأنها في عشية معركة التحرير الفاصلة.
إن عدم نضج الظروف اللازمة لانخراط مباشر لحزب الله في دائرة المعارك ضد القوات الصهيونية (وهي الظروف التي حددها لينين بحالة ثورية جماهرية متقدمة ناجمة عن رفض غالبية الشعب للاستمرار في الوضع القائم. وحركة ثورية طلائعية مسلحة مستعدة للقتال وقيادة الجماهير. وحالة تردد وتفتت داخل معسكر العدو والمحايدين المتذبذبين). فإذا كانت المقاومة الشيعية تتذرع بأن موقفها هذا كان ناجما عن الابتعاد عن المغامرة الإستراتيجية” وضرورة التمسك بأهداف “الصبر الثوري”، فإن كل هذه الحجج فقدت مدلولها ووزنها بعد أن قام العدو الصهيوني بشن هجومه المفاجئ في عمق الجماهير اللبنانية.
ماذا يمكن أن يحدثه الحوثيون في ما بقي من عمر معركة طوفان الاقصى؟
إن قدوم الوضع الإستراتيجي الثوري الشامل بعد حرب غزة كان أمرا مؤكدا. حاول الحوثيون خلال ذلك أن يتحولوا إلى قوة ثورية ضاربة قادرة على الصدام مع أقسام الجيش الصهيوني التي لم تتفتت بالشكل الكامل. كما وأن صفوف المقاومة الفلسطينية عليها أن تحذر من الفكر الإستراتيجي الانقلابي الخاص بالحوثيين، والمندسين الذين يتظاهرون بالانضمام إلى الحرب ضد الكيان الصهيوني، مستفيدين في ذلك من وجودهم العسكري واشتراكهم الفعلي في قلب التسوية الخفية لما تبقى من مربع الخريطة الفلسطينية لتحقيق مكاسب خاصة. أوقد يكونون جزء من مخطط الإمبريالية العالمية التي تستخدم أكثر من حصان، وتراهن على أكثر من قوة مضادة، فإن رأت أن عميلها المستلم لزمام اللعبة قد انكشف واستهلك واضطر إلى استخدام العنف الأقصى لتثبيت سلطته دفعت عميلا آخر –وجه جديد- إلى صفوف المقاومة ليشاركهم في قلبه، ويمتص نقمة الجماهير، ويلعب دور البطل المنقذ، ويرفع شعارات المقاومة وراياتها مع العمل الدائب على تخريبها واستغلالها.