الطباخة والمسادنة والقرافة.. مهن أعراس اختفت وأخرى على قيد الموت
كانت للأعراس نكهة خاصة قبل سنوات خلت، كان العرس يقام في البيوت والأسطح، لم تكن قاعات ولا تريتور مكلف ولا قائمة طعام أوروبية، كانت هناك تقاليد ومهن ارتبطت بهذه المناسبة السعيدة من ماشطة وقرافة ومناولية وغيرها هدفها إرضاء صاحبة العرس والمدعوين. الشروق العربي تستذكر من أرشيف الأفراح مهنا قديمة اندثرت أو تصارع من أجل البقاء في زمن تشابهت فيه كل الطقوس.
في ما مضى، لم يكن هناك دي جي أو مغنيات بفرقة، بل كانت هناك فرق نسوية تؤدي الغناء بالأفراح والأعراس الجزائرية. وتسمى بحسب كل منطقة باسم معين، ويغنين عادة المديح الديني والحوزي وغيرها من الطبوع الجزائرية. في العاصمة، الفرق النسوية الغنائية كن يحملن اسم المسامعيات أو المسامع، من أشهرن الشيخة طيطمة ومريم فكاي. بالغرب، يطلق عليهن اسم المداحات أو القلالات أو الطبالات.
الفقيرات، فرق موسيقية نسوية اشتهرت في عنابة، تغني المدائح الدينية المستوحاة من المالوف الصوفي، ويقال إن أصل الفقيرات يعود لعهد الإيالة العثمانية في الجزائر، وحافظت عليه النسوة في تلك المناطق.
وأشهر جوق عرفته عنّابة مع بداية القرن العشرين، فضلا عن جوق الرايـسة فاطمة بنت العبَّاسي، وجوق ابنات العنّاب: جوق أولاد مخلُوف، الذي كان يضم الرايسة عايشة بورفة، يمينة بورفة، وابنتها بنت تقيه.
وترافق آلات عديدة أهازيج المسامعيات والفقيرات والمداحات، منها الطار والدف والدربوكة، وتقتصر على النساء من سن معينة دون بقية الأعمار.
الطباخة.. أين أنت؟
المناولية أو الطباخة، من المهن التي تصارع للبقاء، بعد أن حل محلها التريتور أو الطباخ الرجل، بتقنياته ولمساته العصرية. مصطلح مناولية مشتق من الكلمة الأمازيغية تيمنالوين، أي الطباخة. وكانت هذه المهنة صعبة جدا، ومن بين الأكثر أهمية في العرس، فمأدبة العشاء كانت الحدث الأهم.. أهم من التصديرة والحناء.
كيف لا تكون صعبة والمهمة هي إطعام مئات الأشخاص، بأكثر من طبق، وفوق كل هذا وذاك، يجب أن يكون لذيذا ويحمر الوجه. قبل المناولية، كانت مهمة الطبخ عند العائلات المتوسطة والفقيرة توكل للنسوة الأكثر تجربة في الطبخ، خاصة أن الطبخ لبعض الأشخاص يختلف عن طبخ كميات كبيرة من الأكل.
من عيوب الطباخة، أنها تطبخ في بيت العرس، ورغم البخار المتصاعد ورائحة الأكل المنبعثة من القدور، إلا أن العائلات صارت تنزعج من الفوضى المصاحبة للطبخ.. لذا، صار التريتور الذي يجهز الأكل بعيدا ويترك البيت مرتبا، له الأولوية في تحضير العشاء.
إتيكيت الدعوة للعرس
من بين أقدم المهن في الأعراس، إضافة إلى الماشطة والفقيرات والمناولية، نجد مهنة المسادنة.. وهي المرأة المكلفة بدعوة المعازيم للأفراح.
أول شرط يجب أن يتوفر فيها، أن تكون على دراية تامة، إضافة إلى لباقتها في الكلام وحسن المعاملة.
بعض العائلات، في ما مضى، لا تقوم بالدعوة للعرس بنفسها، بل توكل المهمة للمسادنة أسبوعا قبل المناسبة السعيدة.
توضع للمسادنة الحنة وتكسى بكسوة جميلة، وتلبس ذهب العروس، لتتباهى به عند المدعوين. وتخرج من البيت بالفقيرات والزغاريد، وحين تنتهي مهمتها، يتم إهداؤها أشياء مميزة باهظة أحيانا، مثل حبات الويز والسلطاني من الذهب بحسب ثراء المعازيم.
في العاصمة، تتم الدعوة قبل أسبوع أيضا، بلا مسادنة، بل من صاحبة العرس وبعض الجيران، بعد أن يتم دعوتهن على الشربات والحلويات التقليدية. وترش المسادنة، إن صح التعبير، بالعطر في مرش فضي، وكأنه جواب بقبول الدعوة.
القرافة في مستغانم
تعد مزينة العروس مهنة قديمة جديدة، تعرف بالماشطة في وهران وبعض المناطق الغرب الجزائري وبالقرافة في مستغانم.
اسم القرافة ينحدر من الكلمة الإسبانية غرافادو، وتعني تأمل الرسام أو النحات في عمله عند كل لمسة.
القرافة أصلها من التقريفة، وهي التعصيبة بشاشية الفضة وعصابة الحرار والمقافل والوردة الحمراء، يقال إن نسوة الأندلس جاءت بها، خاصة أهالي قرطبة، لأنهم الأكثرية من استقروا بمستغانم.