الطب التكميلي بالجزائر.. من التداوي الشعبي إلى المخابر
رغم التطور الذي تشهده الأبحاث العلمية في طرح الأساليب العلاجية المستحدثة، عبر الاستفادة من التكنولوجيات المتقدمة، التي تسمح بوضع بروتوكولات طبية معقدة، لا يزال الطب النبوي والتكميلي يفرض حضوره بقوة، ليس كموروث شعبي متداول عبر الأجيال، بل كعلاج متكامل مستند إلى قرون من التجربة، وهو يتدعم بدخوله إلى المخابر من أجل تطوير علاجات لمحاربة أمراض خطيرة، خاصة في ظل الظروف والأزمات الصحية التي يشهدها العالم حاليا.
الطب التكميلي، بما يحمله من تعاليم نبوية وممارسات مبنية على التوازن بين الجسد والنفس، بات اليوم محل دراسات سريرية ومخبرية، أثبتت فعاليتها عبر عدد من التقنيات المستعملة، كالحجامة والعلاج بالعسل وغيرهما، وحققت نتائج جيدة أشرف عليها باحثون دوليون وخبراء في المجال لعلاج العديد من الأمراض المعقدة، وحتى التخفيف من مضاعفات الأمراض المزمنة، التي لا تزال محل بحث من قبل المختبرات العلمية الحديثة في العالم، غير أن الإقبال المتزايد على هذا النوع من العلاج من طرف الجزائريين، أصبح يفرض ضرورة حتمية لتقنين الممارسة وضبطها ضمن إطار علمي وقانوني صريح، يحمي المريض ويوجه الممارس، ويمنع الفوضى والاستغلال العشوائي.
تتقاطع وتتوافق توصيات المختصين في الصحة وعلماء الشريعة، لتدعو إلى إنشاء مراكز بحث وتكوين، واعتماد ضوابط شرعية وأخلاقية ومهنية، تضمن أن يكون هذا “الطب الشعبي” امتدادا مكملا للطب الحديث، في خدمة منظومتنا الصحية، وهو ما ناقشه خبراء بملتقى وطني نظمته الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث، بالتعاون مع المدرسة العليا للعلوم الإسلامية بجامع الجزائر، حيث كشف الملتقى عن إرث الجزائر الغني في مجال الطب التقليدي، حيث استعملت حوالي 30 نوعا من العلاجات الشعبية، مثل العلاج بالعسل، والنخيل، والحمية الوقائية، منذ العهد الروماني حتى العهد العثماني، وكرس مفاهيم صحية تتماشى مع الهدي النبوي، كغسل اليدين واحترام آداب الطعام، وأوصى الملتقى بصياغة ورقة عمل تمهد الطريق لإدماج الطب النبوي والتكميلي ضمن المنظومة الصحية الوطنية.
براءات اختراع جزائرية لمواجهة أمراض مستعصية ومعقدة
يعتبر الدكتور عبد الوهاب كشيدة، المخترع الجزائري المتخصص في طب الأعشاب وخريج جامعة ديانا البريطانية، من بين الخبرات الجزائرية التي تفوقت عالميا في مجال العلاج بالطب البديل. الأخير كشف في حديثه لـ الشروق” على هامش الملتقى أن مسيرته العلمية في مجال الطب التكميلي توجت بعدة اختراعات علاجية وإنتاج أدوية بديلة لعلاج الأمراض المستعصية، مثل السرطانات، أمراض المناعة الذاتية، القدم السكري، الحساسية المفرطة للغلوتين، التصلب اللويحي، والعقم، إلى جانب أمراض أخرى شائعة كالبواسير، القولون العصبي، وقرحة المعدة.
وأكد المتحدث أن من أشهر اختراعاته مراهم وزيوتا طبيعية مغذية بخلاصات العسل والغذاء الملكي ومركبات نباتية فعالة، تم تطويرها وفق معايير أوروبية في مخابر مراقبة الجودة بشركته الخاصة في ولاية المسيلة، بعد تحصله على 5 براءات اختراع في مجال العلاج بالطب النبوي، وتخضع لتراكيب دقيقة تعتمد على مستخلصات نحل طبيعية، مشيرا إلى أن هذه المنتجات تحصلت على اعتمادات رسمية من الجهات الوصية، وتسوق حاليا داخل الجزائر وخارجها، في أسواق مثل ألمانيا وتونس ودول عربية وأوروبية.
وكشف المتحدث أن مؤسسته الناشئة المسماة “كشيدة للأدوية الطبيعية”، تنشط في إنتاج علاجات طبيعية بديلة للأمراض المزمنة والمستعصية، قائلا إن هذه المنتجات مصرح بها ومراقبة مخبريا بالتعاون مع عدة مخابر بحث بمختلف الجامعات الجزائرية، وتوصف بعد تحليل حالة المريض بناء على تقارير طبية دقيقة، لضمان نجاعة العلاج وتفادي العشوائية في العلاج، كما كشف محدثنا عن شفاء عدة حالات مرضية معقدة خضعت للعلاج بالطب التكميلي.
العسل لعلاج سرطانات نادرة وخطيرة…
وأوضح الدكتور عبد الوهاب أنه استلهم جزءا كبيرا من تركيباته العلاجية من الآية القرآنية “فيه شفاء للناس” في سورة النحل، مشددا على أن “العسل ومشتقاته يعدان قاعدة أساسية في كل تركيبة دوائية طورها بمختبراته، كما تطرق في سياق حديثه إلى تجربته ومساره في مجال العلاج بالطب البديل بصفته عضوا في الاتحاد العالمي للمخترعين بإسطنبول، ومديرا للمركز الدولي الفرنسي للباحثين والمخترعين، كما نال براءات اختراع عالمية، من بينها شهادة من سويسرا عن تركيبة موجهة للحساسية الغذائية السيلياك، وأخرى لعلاج بعض أنواع السرطانات النادرة مثل الساركوما، مشيرا إلى أن تجربته الناجحة في طب الأعشاب بدأت منذ عام 2015 بتكوينه تحت إشراف البروفسور محمد أمجد محمد سعيد سراج، المختص في زراعة الكبد بالسودان، وساهم هذا المسار البحثي، بحسب المتحدث، في ترجمته إلى مشاريع تطبيقية أثبتت فعاليتها سريريا، وتجارب علمية دقيقة لمدة 6 سنوات من البحث خاصة بالتداوي بالحجامة في بريطانيا، وتوصله إلى مدى فعاليتها في التخلص من عدة أمراض خطيرة بعد بحث مطول ورحلة علاج لسنوات مع المرضى.
“الحجامة النبوية” علم مثبت بالدراسات والأبحاث السريرية
من جانبه، دعا البروفيسور مسعود موزالي، رئيس مصلحة الطب التكميلي بالهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث “فورام”، إلى تقنين الطب التكميلي وإنشاء مركز وطني يعنى بتكوينه وتأطير ممارسيه، خاصة في ظل غياب إطار قانوني واضح لحد الساعة، واستعرض المتحدث تجربته كباحث في الطب العربي القديم، مشيرا إلى التداخل بين مفاهيم الطب النبوي، والطب التقليدي، والطب التكميلي.
وأكد موزالي أن الحجامة من بين أكثر التخصصات ممارسة في الجزائر، مؤكدا على أهمية إجراء أبحاث علمية موثقة، على غرار ما قامت به بعض الدول مثل الصين وتايلاندا، والتوصل إلى مدى فعاليتها في علاج بعض الأمراض المزمنة ومشروعيتها وفوائدها.
وتطرق المتحدث إلى التداوي بالحجامة، قائلا إنها لم تعد مجرد ممارسة تقليدية متوارثة، بل أصبحت علما مثبتا بالدراسات والأبحاث السريرية، استنادا إلى تجارب أجريت في الصين وكوريا والهند، أكدت فعاليتها من خلال الممارسة وفق قواعد وأسس علمية دقيقة، بعيد عن العشوائية التي يعتمدها البعض. وأضاف موزالي، أنه بالتعاون مع عدد من الأساتذة والدكاترة الجزائريين، قاموا بأبحاث دقيقة حول الحجامة، من بينها دراسة مخبرية قارنت بين الدم المستخرج من الحجامة والدم الوريدي، وذلك بالرجوع إلى أبحاث دقيقة تم إنجازها داخل مخابر علمية، واستغلالها من أجل تقنين هذه الممارسات ضمن منظومة صحية وتعليمية رسمية، لتنال الشرعية والقانونية المطلوبة.
وشدد المتحدث على أهمية إدراج الحجامة ضمن مسارات البحث العلمي، داعيا إلى إنشاء مركز وطني خاص بالعلاجات التكميلية، يكون تحت إشراف لجنة علمية متخصصة، لتنظيم المهنة ومتابعة تكوين الممارسين وتأطيرهم.
إقبال عالمي على الطب التكميلي وضرورة تنظيمه بقانون جزائري واضح
من جهته، كشف البروفيسور مصطفى خياطي، رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث، عن إقبال عالمي متزايد على الطب التكميلي، خاصة بعدة دول متقدمة، حيث تصل نسبة الاعتماد عليه إلى ما بين 40 و70 بالمئة، كما أشار إلى أن السلطات في بلادنا شرعت في الاعتراف بأهمية هذا النوع من الطب في دعم المنظومة الصحية، خصوصا بعد أزمة كورونا وارتفاع تكاليف العلاج بالمستشفيات، مؤكدا على ضرورة وضع إطار قانوني يضمن نجاعة الطب التكميلي وسلامة ممارسته في الجزائر، على غرار ما تم في بلدان مثل الصين، السعودية، والهند، كما دعا إلى عقد شراكات دائمة مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، إلى جانب التعاون مع بعض الهيئات الخاصة، قائلا إن العلاجات التكميلية لا بد من أن يكون الممارس فيها مختصا ومكونا، ويملك معرفة كافية بتشريح الجسم، والأمراض المعدية، وبالجوانب البيئية والصحية التي تحيط بالممارسة السليمة.
مدير المدرسة العليا للعلوم الإسلامية بجامع الجزائر لـ”الشروق”:
الطب البديل له ضوابطه الشرعية والفقيه ليس دكتورا
كشف مدير المدرسة العليا للعلوم الإسلامية بجامع الجزائر الدكتور عبد القادر بن عزوز في حوار لـ” الشروق”، توجهات المدرسة في مجال الطب البديل، التي تسعى إلى تبنيها في دعم البحث العلمي المرتبط بالطب النبوي، وموقفها من بعض المنتجات التي تغزو السوق باسم العلاج النبوي، إضافة إلى نظرتها لمسؤولية علماء الشريعة في تأطير المجال والسعي من أجل التعاون بين المؤسسات الشرعية ومخابر البحث العلمي لتكون حلقة وصل من أجل إعادة الطب النبوي بروح علمية حديثة، تستند إلى قراءة أكاديمية جديدة وممنهجة.
ما هو الدور الذي تلعبه المدرسة العليا للعلوم الإسلامية في دعم البحث العلمي المرتبط بتراث الطب النبوي؟
المدرسة لديها تخصص علم النفس، وهو من التخصصات القارة هنا، علم النفس أكيد يأخذ الجانب النفسي أو “الروحاني”، ولكن نعمل على تلقين الطلبة أن هناك تكاملا بين الجسد والروح، حيث لا يمكن أن نفصل بينهما، كما لا يمكن أن نبقى فقط روحا أو جسدا لوحده، لهذا تم برمجة ملتقى وطني بالمدرسة حتى نعلم أبناءنا وطلبتنا أن النجاح في الجانب النفسي لا يتم إلا عبر البدن، وهو ما يتم دراسته في تخصص مقاصد الشريعة وعلم النفس من منظور إسلامي ونريد أن يتكامل هذان العلمان لدى طلبتنا.
هل تعتقدون أن الطب النبوي في الجزائر اليوم يتطلب إعادة قراءة علمية حديثة؟
نعم، وليس فقط في الجزائر.. هناك محاولات، واجتهادات بدأت ربما من السبعينيات فما فوق ونقلناه عن الدكتور الزنداني، رغم بعض الانتقادات التي طالته، وتطور الأمر من أعمال فردية إلى أعمال مؤسسات، حيث شرعت مخابر ومراكز بحث في تتبع وإثبات فعالية ما جاء عن النبي- صلىالله عليه وسلم – في التداوي، لكن ليس فقط بالكلام، بل بإدخاله في المخابر وتقديم وصفات طبية محكمة.
وفعلا، نحن في حاجة إلى إعادة نظر، لننظر إلى حديث النبي- صلى الله عليه وسلم- كطبيب روحي ونفسي، ولكن في ذات الوقت أمرنا بأخذ كل الأسباب المشروعة.
كيف يمكن ضبط المنتجات المعروضة حاليا في السوق باسم الطب النبوي؟
من الصعب أن يكون التدخل بصفة طبية لأن الفقيه ليس طبيبا، لكن يمكن له أن يساهم في وضع بيان أخلاقيات هذا الميدان، فهو ليس تجارة فقط، ومن حق التاجر أن يربح، لكن لابد من أن يرتبط بقيم أخلاقية خلال ممارسته المهنة بضوابط شرعية.
المريض ليس سلعة، ووظيفة الفقيه هي أخلقة هذا الميدان، بدعمه بالنصوص الشرعية، وتذكير الممارس بأنه مسؤول أمام الله وأمام المجتمع، كما يجب تحريك الوازع الديني لدى هؤلاء، حتى في الطب الكلاسيكي توجد معايير لا تخلط بعض الأعشاب، وبعض الأمراض لا تعالج بأي شيء، نحن نشارك في التوعية، وفي الأخلقة، وفي بيان الحلال والحرام، فلا يجوز التداوي بشيء محرم.
هل هناك تعاون بين المدرسة العليا ومخابر البحث العلمي في هذا المجال؟
حاليا من الصعب، لأننا لا نزال في طور التفكير في إنشاء مخابر بحث، هناك مركز بحوث بالمدرسة في انتظار الشروع في العمل به ميدانيا، ورغم ذلك هناك اتفاقيات مع بعض المستشفيات منها مستشفى مصطفى باشا، بعد أن تستقر أوضاع المدرسة وتؤسس مخابرها وفق القوانين المطلوبة، حيث سيكون لها دور في ما يسمى الطب التكميلي أو التقليدي، على الأقل كمساهمة إن لم تكن جهة رئيسة.