الجزائر
المؤرخ بنجامان ستورا يشرح راهن العلاقات الثنائية

الطرف الفرنسي لم يقدم شيئا لتجاوز الأزمة مع الجزائر

محمد مسلم
  • 221
  • 0
ح.م

“على اليمين المتطرف الاقتناع بأن الجزائر دولة ذات سيادة”

أرجع المؤرخ الفرنسي المختص في الاستعمار وقضايا الذاكرة، بنجامان ستورا، استمرار الأزمات السياسية والدبلوماسية المتكررة بين الجزائر وفرنسا إلى وجود نخبة من السياسيين في فرنسا غير قادرة على مواجهة الحقيقة والاعتراف بأن الجزائر دولة مستقلة وذات سيادة، ولذلك تعمد من حين لآخر إلى اختلاق الأزمات وإثارة الضجيج.
وسُئل بنجامان ستورا الذي يرأس اللجنة المختلطة لبحث ملف الذاكرة من الجانب الفرنسي، عن سر الحضور اللافت للجزائر في الخطاب السياسي للحملة الانتخابية المسبقة للانتخابات الرئاسية الفرنسية، فردّ قائلا: “هناك في فرنسا من لم يتقبل بعد أن الجزائر أصبحت دولة مستقلة وذات سيادة منذ سنة 1962”.
وأوضح في فيديو نشره في حسابه الخاص في منصة “فيسبوك”، قبل يومين، أن الجزائر ليست كغيرها من البلدان التي تعرضت للاستعمار الفرنسي، وقال: ” لقد سخرت فرنسا مليون ونصف مليون جندي في حربها على الجزائر خلال الثورة التحريرية، وهناك مليون أوروبي كانوا في الجزائر وغادروها بعد سنة 1962، بالإضافة إلى الحركى وأحفادهم، ويضاف إلى ذلك المهاجرين الجزائريين، وهذه أرقام واعتبارات تزن كثيرا في المشهد الانتخابي بفرنسا “.
وتابع ستورا في الفيديو الموجود أيضا على قناة “أوبسيرف أكتو تي في” على منصة “يوتيوب” قائلا: “الجزائر أكبر بلد في إفريقيا من حيث المساحة، كما تعتبر أكبر مصدر للغاز في القارة السمراء، وعلى اليمين المتطرف أن يعود لوعيه ويعترف بأن الجزائر دولة ذات سيادة هذا واقع ولا مفر من ذلك، وفرنسا مضطرة للتعامل معها من هذا المنطلق”.
وأشار الباحث المختص في التاريخ الاستعماري، إلى المشاكل التي تعرض لها في فرنسا بسبب مواقفه من الاستعمار وبالخصوص ما تعلق بالاستعمار الفرنسي للجزائر خلال مسيرته، وتوقف عند معاناته من استهداف أحد الرؤساء اليمينيين في فرنسا وهو الرئيس الأسبق المدان في العديد من قضايا الفساد، نيكولا ساركوزي، وقال “لقد وضعني ساركوزي في القائمة السوداء من سنة 2006 إلى 2009 بسبب مواقفي”، مشددا على أن الجغرافيا تفرض نفسها على التاريخ، كما قال.
وتوقف المستشار بقصر الإيليزي لشؤون الذاكرة عن وضع العلاقات الراهنة بين الجزائر وباريس، وشدد على ضرورة إصلاحها: “لقد وصلت هذه العلاقات مستوى مخيفا من القطيعة في سابقة فريدة. الحقائق تجرح ولكن لا بد من مواجهتها، ويجب توضيح الأمور حتى يوضع كل طرف أمام مسؤولياته، ونقف عند مكمن الخلل لمعالجته”.
وعلى الرغم من إقراره بصعوبة المهمة، انطلاقا من الحمل الثقيل للاستعمار الفرنسي للجزائر والذي امتد على مدار 132 سنة من الجرائم وحرب الإبادة ضد شعب أعزل، حيث قال “لا يمكن معالجة تركة 130 سنة بقرار أو خطاب او فعل، لأن الأمر مستحيل. فالاستعمار الفرنسي للجزائر ليس له مثيل. إلا أن هناك من الروابط الإنسانية والثقافية والاقتصادية ما يفرض المسارعة في معالجة المشكلة”.
وعلى عكس الفرنسيين الذين يعتبرون المهاجرين الجزائريين عبءا على فرنسا، يرى بنجامان ستورا أن هذه الظاهرة من المآسي التي خلقها الاستعمار الفرنسي، وهو يعتبر بمثابة نقل قسري لسكان من أرضهم، على اعتبار أن الوضع الذي خلقه الاحتلال الفرنسي مثل تجريدهم من أراضيهم ومنحها لشعب دخيل، وحرمانهم من حقوقهم الطبيعية مثل التعليم والعمل، حتم عليهم البحث عن فرص عمل لتحسين وضعهم، فضلا عن كونهم مواطنين فرنسيين بحكم الوضعية الاستعمارية، وإن كانوا من الدرجة الثانية وربما أكثر من ذلك.
وقدم بنجامان ستورا تشريحا للوضع الراهن للعلاقات الثنائية، محملا المسؤولية للفرنسيين في ما وصلت إليه هذه العلاقات، وقال: “ما عشناه قبل انفجار الأزمة كان حالة من التناقض.. تقدم محسوس على صعيد الذاكرة. فقد تم استقبالي في الجزائر عدة مرات من قبل الرئيس عبد المجيد تبون، واجتمعت اللجنة المختلطة لملف الذاكرة عدة مرات وتم الوصول إلى بعض الأرشيف. الجزائريون تقدموا كثيرا على هذا الصعيد، غير أن الطرف الآخر لم يكن يتجاوب مع تطلعاتهم.. وقد انتهى الوضع كما هو معلوم إلى غياب السفير الجزائري في باريس أكثر من سنتين”.
وخلص ستورا في الأخير إلى القول بأن ملف الذاكرة يعتبر ورشة كبيرة لا يمكن أن تنقطع (عمل متواصل) ويجب العمل خطوة بخطوة لتحقيق المأمول، معتبرا أنه من حق الجزائريين التمسك بالمطالب المعبر عنها مثل الاعتذار والاعتراف بالجرائم الفرنسية، وكذا تلك المتعلقة بالتفجيرات النووية وتنظيف المناطق الملوثة والأرشيف المنهوب…

مقالات ذات صلة