الطمع وصراع الميراث يهدم بيت العائلة
يهدمون بيوتا ترعرعوا فيها لعقود طويلة، فيمحون ذاكرة أجيال كاملة، رغم أن الآباء دفعوا النفس والنفيس لتشييدها وتجرعوا أحيانا معاناة مريرة.. هم أبناء هدموا البيوت العائلية القديمة أو باعوها بمجرد وفاة أحد الوالدين أو كلاهما، متناسين أنّ الأخيرة تحمل ذكريات غالية لا يمكن تعويضها، حتى ولو شيدت مكانها قُصورا.
بمجرد وفاة الوالدين، يسارع كثير من الأبناء إلى تهديم البيوت التي ولدوا فيها وترعرعوا، وأمضوا فيها أجمل أيام الطفولة والمراهقة، وحتى بداية الحياة الزوجية. بحيث يسارعون إما لبيع هذا المنزل أو إعادة بنائه، بطريقة عصرية، يمحون فيها كل لمسات الوالد أو الوالدة. والظاهرة يعتبرها المختصون في علم النفس “عقدة نفسية” يكون فيها الشخص غير متصالح مع ماضيه، فيهرب منه في أول فرصة تأتيه.
بيوت العائلة ضحية صراعات الميراث
“نوال” من مدينة داخلية متزوجة بالعاصمة، تقول بأنّها عاشت مع سبعة من إخوتها في منزل به ثلاث غرف وحديقة شيده والدها بشق الأنفس، من مهنته البسيطة، وقالت: “أمتلك في هذا المنزل ذكريات جميلة جدا، كنت أحب حديقة والدتي الصغيرة، التي كنا نجتمع فيها على قهوة العصر، وكنت أحب مكان جلوس والدي تحت ظل شجرة الزيتون”.
وتأسّفت محدثتنا، لهدم المنزل مباشرة بعد وفاة والدها، من طرف إخوتها، محولين إياه إلى منزل جديد، لم يعجب والدتها “العجوز”، التي توفيت بعدها بحسرتها، بحيث كانت تشتاق إلى حديقتها وكل تفاصيل منزلها القديم.
أما سيدة أخرى، فتتحسر على عرض منزل والديها بعد وفاتهما للبيع، من طرف إخوتها المتصارعين على الإرث. رغم أنهم لم يساعدوا والدهم ولو بدينار، عندما شيّد لهم المنزل، مع كونهم موظفين وقتها.
طغيان التفكير المادي على العاطفة
وفي هذا الموضوع، كتب أحد المواطنين، عندما كان مارا على منزل قديم وجميل، يعرضه أصحابه للبيع، وقال: “صادفني هذا المنزل معروضا للبيع، فتذكرتُ كم من الوقت والجهد الذي يبذله الوالد، كي يستطيع بناء منزل يضم فيه عائلته، وكم من التفكير وقلة الحيلة.. وجمع القرش للقرش. وكم من الآمال تزدهر عند كل ارتفاع للمبنى، تذكرتُ كيف شعر الأب بعظمة الإنجاز، وهو ينام ببيته الجديد لليلته الأولى، هذا إن نام .تذكرتُ كم من المودة والمحنّة، وشغب الأولاد أثناء القيلولة، أو همساتهم وهم يفترشون نفس الفراش ويلتحفون نفس الغطاء ساعة النوم .ثم يرحل الأب ويكبر الأبناء، ولا ينظرون للبيت سوى أنه إرثٌ مادي يسارع الجميع لاقتسامه، وليس تاريخا من الآمال والآلام والأفراح والوجع، والنجاح والانكسارات..”.
هي أنانية من الأولاد ومحو للذكريات
وفي هذا الصّدد، تؤكد المختصة النفسانية، ليلى بن زرمان، بأن سيطرة المادّة على معظم جوانب الحياة مؤخرا، جعل الذكريات “بلا قيمة لدى كثير من الأشخاص”، واصفة هذه الفئة بـ “أنانية التي تتخلى عن الذكريات الجميلة في أول فرصة لها، إذ شاهدنا عائلات تتفرق وأقارب يتصارعون، وأجيال تفرقت.. رغم أنهم كانوا يلعبون ويمرحون في منزل واحد في صغرهم” على حد تعبيرها.
وقالت المختصة لـ “الشروق” بأنّ التمتع بحسّ عاطفي وحنين لذكريات الماضي الجميلة، ومحاولة الحفاظ عليها” هي سمة إيجابية في الشخص، تجعله يتفاعل مع مجتمعه والمحيطين به، في جميع فترات حياته، وتجعله يتغلّب على مشاكله العائلية، بالرجوع لذكريات الماضي الجميلة، التي جمعته مع هؤلاء الأشخاص المتخاصم معهم حاليا.”
ولكن العيش بدون عاطفة، حسبها، يجعل الإنسان ينحدر إلى درجة المجتمعات الحيوانية أو المادية “فوجود العاطفة والقلب المرهف، مهم لاتخاذ القرارات المستمرة في حياة الإنسان، وخصوصاً عند مواجهة المشاكل اليومية المتعددة”.
وأكدت مُحدّثتنا، أنّ بعض الحالات النفسية، من اكتئاب وخوف وقلق، لدى بعض الأشخاص، تزول مباشرة عندما يقومون بزيارة المنزل القديم لوالديهم سواء كانوا أحياء أم متوفين، فتمضية دقائق معدودة بمنزل الوالدين، بمثابة دواء لكثير من الأمراض النفسية، فكيف يكون حال هؤلاء عندما يهدم أو يُزال منزل الآباء كليا من الوجود.