الطمّاع ياكلو الكذاب!
بدأ المونديال وأصبح الحدث رياضيا بامتياز في البيوت والمقاهي والشوارع والأسواق، مثلما في وسائل الإعلام ووسط المحللين والخبراء، والحقيقة أن ليس في ذلك، لا بدعة ولا اختراعا، لكن ألا ينبغي البحث عن الأسباب والأهداف، عندما يتزاحم آلاف “المتفرّجين” في طابور اقتناء جهاز استقبال حتى وإن كان بملغ يضاهي أجرة شهرية لأغلبية صغار الموظفين!
عندما يبلغ سعر “الديمو” ما لا يقلّ عن ثلاثة ملايين سنتيم، ويتهافت عليه الزوالي قبل الثريّ -ولا يجب هنا تعميم هذه الظاهرة المرضية- فمن الطبيعي أن تتحوّل مثل هذه العمليات التجارية والرياضية إلى صناعة لجمع ملايير الدولارات من طرف شركات صناعية ووكلاء تجاريين ومؤسسات إعلامية عالمية، أصبحت لا تعتمد على مداخيل الإشهار، بقدر اهتمامها ببدائل تدرّ عليها الملايير خارج بوابة الإعلانات!
ظاهريا، فإن البحث عن الفرجة والمتعة، وعن اللهو، يدفع من أجله محظوظون ومزلوطون 3 ملايين لضمان مشاهدة مباريات كأس العالم، وبعدها فاليوم سهر وغدا أمر، مساهما بذلك، في إرباح شركات عالمية لا يعرفها، ويسمع عن فروعها ووكلائها “الحصريين” فقط!
قد تكون “الجلدة المنفوخة” مخرج نجدة للتنفيس وامتصاص الغضب، لكن عندما يصبح ثمن ذلك مقابل 3 ملايين ستخرج من جيوب القادر على الدفع وغير القادر على التسديد، فحبّذا لو استغلت مثلا وزارة التضامن الوطني، أو الهلال الأحمر الجزائر، أو غيرهما، هذا الحدث البرازيلي، لتوزيع “ديمو” على كلّ جزائري!
قد يكون توزيع جهاز استقبال لمشاهدة مونديال البرازيل بكلّ تفاصيله ومبارياته وكواليسه، أهم ربما -وأتمنى أن أكون مخطئا- من توزيع قفة رمضان على المعوزين والمتلاعبين معا، وفتح مطاعم الرحمة عبر كبرى الشوارع، وفيها يتمّ إطعام الفقراء وعابري السبيل، ومعهم “تسمين” السماسرة والبزناسية وتجار المآسي ممّن لا يخافون الله!
نعم، التجارة شطارة، لكن أن تتحوّل إلى استغلال ومقايضة وليّ للذراع، فهذا ما ينبغي محاربته فرادى وجماعيا، ومع ذلك، فإن “القطّ يحبّ خناقو”، لكن لم نعد نعرف من هو “القطّ” ومن هو “الخنّاق”، فها هي حكاية أجهزة الإرسال المستقطبة لمباريات المونديال، باسم حصرية البث، تـُدخل أيديها إلى جيوب المشاهدين، ولا تفرّق بين فقيرهم وغنيهم، لا في مشارق الأرض ولا في مغاربها!
الأخطر ما في الموضوع، هو أن تتم عمليات “الخطيف واللهيف” تحت الرعاية السامية للمنافسة التجارية وتحت حماية القانون، فلا يصبح غريبا، أن يُسرق الزبائن من طرف تجار محترفين، وبعدها إذا اشتكى الزبون من “تحايل” التاجر، قالوا له بالفمّ المليان: القانون لا يحمي المغفلين.. لكن صدق من قال: الطمّاع ياكلو الكذاب!