الجزائر
عين على تكوين الأجيال وأخرى على هوية الجزائر

الطيب بودربالة.. السوربوني السابح على ضفتين

صالح سعودي
  • 1111
  • 0
ح.م

يعدّ البروفيسور، الطيب بودربالة، واحدا من الأساتذة الذين تركوا أثرا طيبا في الجامعة الجزائرية. وهذا، بناء على المشوار النوعي، الذي ميز حضوره العلمي ومحطاته مع البحث الأكاديمي، وحنكته كناقد ومترجم، ومسؤولياته البيداغوجية والإدارية، منذ مطلع الثمانينيات، وعلى مدار 40 سنة كاملة، أستاذا في قسم اللغة والأدب العربي بجامعة باتنة، منذ مطلع الألفية.
إذا كان الكثير يجمعون على وصف البروفيسور الطيّب بودربالة بـ”أستاذ الأجيال”، بناء على الأثر الطيب الذي تركه وسط طلبته وزملائه الأساتذة، فيمكن أن أطلق عليه صفة “السوربوني السابح بين ضفتين”، بحكم أنه عرف كيف يرفع التحدي لضمان تكوين عالي المستوى، مكّنه من إحداث التوازن ومنح الإضافة.
علاوة عن دراسته في الجامعة الجزائرية، وهو الذي نال شهادة الليسانس مطلع السبعينيات، فقد عرف كيف يواصل الدراسة في الخارج، وبالضبط في جامعة “السوربون” الفرنسية، ما مكّنه من تكوين نفسه معرفيّا في أعلى مستوى، على أيدي أساتذة وباحثين من فرنسا وأوروبا مشهود لهم بالكفاءة وصنع التميّز.
لكن، ورغم هذا التكوين الذي جعله يطلع على الآداب الغربية ناهيك عن اشتغاله في أطروحة الدكتوراه على الأدب المقارن، أطروحة أنجزها باللغة الفرنسية، إلا أنه بقي وفيّا للغة العربية التي فضّل الانحياز إليها، مقابل توظيف الفرنسية كغنيمة حرب من باب طلب العلم من دون أن يستغلها في أساليب استعراضية كثيرا ما مارسها البعض من أجل غايات شكلية وأخرى استفزازية. في حين، فضّل أستاذنا “السوربوني” الطيب بودربالة، أن يقسم اهتمامه على جانبين هامين بالنسبة إليه، الشق الأول، هو تكوين الأجيال، والشق الثاني، خدمة وتعزيز الهوية الجزائرية، لغويا ودينيا ومعرفيا ونقديا وإبداعيا.
ومن هذا المنطلق، كان لزاما عليّ الحديث عن أستاذنا الدكتور الطيب بودربالة، الأكاديمي والناقد والمربي والإنسان.. وهذا من باب الاعتراف بجميله، ومن باب تكريس ثقافة الاعتراف لأستاذ قدّم لنا الكثير، فكان بمثابة مكتبة متنقلة، يتواصل مع طلبته من دون بروتوكولات، حيثما تلاقيه يتحفك بعلمه الغزير ونكته الممتعة والهادفة وابتسامته الدائمة.. في المدرّجات وفي حجرات الدراسة والمكتبات.. وحتى في المقاهي والساحات العمومية.. بكل عفوية وبزخم معرفي لا ينتهي.

من الأوراس إلى “السوربون”
يعدّ الدكتور الطيب بودربالة أستاذ الأدب المقارن والترجمة بجامعة باتنة منذ عام 1982، وهو خريج جامعة “السوربون” الثالثة بباريس، ومؤسس ومدير مخبر المتخيل الأدبي والحضارة، له العديد من الكتابات في الأدب المقارن والأدب العربي المعاصر والأدب الجزائري وأدب الرحلة والترجمة. وقد أشرف على ما يربو عن خمسين رسالة دكتوراه باللغتين العربية والفرنسية، وتقلّد عدة مسؤوليات إدارية وأكاديمية في الجامعة، منها مدير معهد ورئيس اللجنة العلمية بقسم اللغة والأدب العربي لجامعة باتنة.
قبل ذلك، عاش أستاذ الأجيال طفولة صعبة على وقع الاستدمار ومختلف أشكال الحرمان، إذ رأى النور في العام 1948، ولا يزال يتذكّر جوانب من الثورة التحريرية وممارسات القمع والتعذيب والتهجير التي كان يمارسها الاستدمار الفرنسي ضد المدنيين. كان يقطن في سيدي معنصر، غير بعيد عن جبل بوعريف، الذي صنع ملاحم بطولية بفضل مجاهدين أعطوا العدو الفرنسي دروسا في التضحية والصمود.
ورغم الفقر والجوع والحرمان الذي كاد يجعله مشروع فلاح أو راعي غنم أو شيئا من هذا القبيل على غرار أغلب أترابه في تلك الفترة، إلا أن ذلك لم يمنع الطيب بودربالة من رفع التحدي في سبيل طلب العلم، إذ تسلح بالإرادة والعزيمة، رغم أنه تعرّض للرفض من الدراسة في عدة مناسبات قبل أن يفرض نفسه على معلمه الفرنسي وفق منطق الكفاءة وحسن التحصيل.

رغم هذا التكوين الذي جعله يطلع على الآداب الغربية، ناهيك عن اشتغاله في أطروحة الدكتوراه على الأدب المقارن، أطروحة أنجزها باللغة الفرنسية، إلا أنه بقي وفيّا للغة العربية التي فضّل الانحياز إليها، مقابل توظيف الفرنسية كغنيمة حرب، من باب طلب العلم، من دون أن يستغلها في أساليب استعراضية، كثيرا ما مارسها البعض من أجل غايات شكلية وأخرى استفزازية.

تدرّج في طلب العلم من قرية سيدي معنصر إلى مدينة باتنة ثم قسنطينة التي نال فيها شهادة الليسانس في الأدب العربي مطلع السبعينيات، وأخرى في الحقوق، ليواصل مسيرة طلب العلم خارج الوطن، وبالضبط في جامعة “السوربون” بفرنسا، وهو الأمر الذي أهَّله ليخوض غمار التدريس الجامعي منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي في مسيرة دامت أكثر من 40 سنة في رحاب الجامعة والبحث العلمي.

كفاءة وحسن تواصل
سبق لي أن حضرت ملتقيات وندوات وأياما دراسية وأنشطة ثقافية وإبداعية متنوعة، وكان الطيب بودربالة واحدا من الوجوه الفاعلة والحاضرة بتميز رفقة الجيل المؤسّس لقسم اللغة والأدب العربي بجامعة باتنة.
وشاء القدر أن أنهي دراسة علوم التسيير عام 2001 ثم علم النفس عام 2005، وتجدّدت عزيمتي لدراسة الأدب، فنلت شهادة الليسانس كلاسيك عام 2012 ثم الماستر سنة 2017 ووُفِّقت في مسابقة الدكتوراه شهر مارس 2021. وكانت الفرصة طيلة هذه الفترة مواتية للاستفادة من البروفيسور الطيب بودربالة، من علمه الغزير ومن تواضعه وطريقة تعامله وتواصله مع الجميع. كان أستاذ الأجيال وصديق الكبار والصغار بامتياز.
كثيرا ما يبادر هو إلى إلقاء التحية بعيدا عن البروتوكولات التي تفرض على الطالب التقدم من الأستاذ، كان يكسر الحواجز ويقضي على الخجل الذي قد يصيب أيّ واحد منا ويسأل عن أمورنا وهمومنا وطموحاتنا. وصفته الأساسية التوجيه والتشجيع وجبر الخواطر ورفع المعنويات.. وهو الأمر الذي جعله قريبا من قلوب الطلبة والأساتذة على حد سواء، ورغم أن معرفتي بالدكتور الطيب بودربالة تعود إلى مطلع الألفية، إلا أنني لم أدرس عنده إلا في موسم واحد، كان ذلك في السنة الأولى ماستر مقياس “الرواية العربية الحديثة”، فكانت محاضراته مادة دسمة ومفتوحة ومغرية، وكثيرا ما جاب بنا في القديم والحديث والمعاصر، في الرواية العربية والرواية الغربية، في الرواية وعلاقتها مع السينما ومختلف الفنون، والرواية النسوية وغيرها من المواضيع والمحاور التي تصبّ في حقل الأدب والنقد.

بودربالة في عيون طلبته وزملائه الأساتذة
يحظى البروفيسور الطيب بودربالة بدرجة عالية من الاحترام في الوسط الجامعي، سواء من طرف طلبته أم زملائه الأساتذة والباحثين، ما جعل الكثير يجمع على تسميته “أستاذ الأجيال”، مقابل ما قدّمه لسنوات طويلة في سبيل ترقية البحث العلمي، يقول الدكتور عبد الرحيم عازب من جامعة أم البواقي: “أستاذ الأجيال الطيب بودربالة تصاب بحمى القراءة والنوستالجيا لعالم المعرفة على المستوى التنظيري والممارسة الإبداعية لاستنطاق النصوص وفك شيفراتها.. إنه إنتلجنسيا عبقرية.. إنه فخر الجامعة الجزائرية والعربية والعالمية.. رجل ظل عطاؤه ساكنا فينا، إنه العلامة الدكتور كبار إنتلجنسيا الجزائر والعرب وضفة البحر المتوسط”.
أما الدكتور سهيل حورة، فيقول: “كان لي عظيم الشرف أن تعلّمت على يد هذا الكبير في العلم والمعرفة والتواضع والعطاء”، فيما يتحدث الأستاذ عيسى مسعودان عن أستاذه بودربالة بالقول: “هو موسوعة متنقلة، عربية وفرنسية، طيب فعلا، بشوش الوجه، ذو أخلاق عالية”. في الوقت الذي يؤكد الأستاذ عيسى بلخباط أن بودربالة يعدّ قامة علمية رفيعة “فقد كان لي الشرف أن درست عنده مقياس الأدب المقارن في السنة الرابعة، وكان لي الشرف أن عيِّن عضوا مناقشا في مناقشتي لرسالة الماجيستير، هو صاحب معارف غزيرة وفكر موسوعي، يتميز بالعمق في طرحه، ذو خلفية فلسفية متينة، عالم في الفنون والآداب وفي الفكر عموما”.

كان لزاما عليّ الحديث عن أستاذنا الدكتور الطيب بودربالة، الأكاديمي والناقد والمربي والإنسان.. وهذا من باب الاعتراف بجميله، ومن باب تكريس ثقافة الاعتراف لأستاذ قدّم لنا الكثير، فكان بمثابة مكتبة متنقلة، يتواصل مع طلبته من دون بروتوكولات، حيثما تلاقيه يتحفك بعلمه الغزير ونكته الممتعة والهادفة وابتسامته الدائمة.

أما الدكتور عبد الحميد بعيطيش، فيصفه من الناحية الإنسانية قائلا: “هو إنسان طيب لا تفارقه ابتسامة في أي وجه يقابله”. في الوقت الذي يتحدث عنه زميله في الدراسة بلقاسم غقالي بالقول: “إنه نِعم الصديق الوفي. وهو رجل طيب جاد مجتهد خلوق منسجم مع زملائه”. ويشيد البروفيسور محمد الأمين بحري بأستاذه بودربالة قائلا: “هو أعظم من درّسني وصقل موهبتي البحثية. وكان له الفضل في توجيه مساري الدراسي وحياتي العلمية.. لولاه لما كنت شيئا في الوجود الأكاديمي”. فيما تقول الدكتورة سمراء جبايلي: “أظن أنني أكثر حظا، فقد درّسني وأشرف على رسالة الدكتوراه.. أستاذي الفاضل سيرة علمية ومهنية مليئة بالنجاحات والإبداعات والجهود القيمة والعطاء غير المحدود، سهّل كل ما هو صعب، بحنكته وتواضعه وآرائه النقدية الدقيقة”. فيما تختصر الدكتورة عقيلة بعيرة مناقبه في هذه الجملة “هو الأستاذ الأصيل العالم المتعلم صاحب الفضل الكبير على أجيال متعاقبة من الطلاب والمثقفين”.

بودربالة ورحلته مع كتاب نصر الدين ديني
صدر للدكتور الطيب بودربالة كتاب يتضمن حول مسار ألفونس إتيان ديني الذي انبهر بالثقافة الصحراوية الجزائرية، واعتنق الإسلام ودافع عنه، ليصبح بعد ذلك معروفا باسم نصر الدين ديني، وقد كرّس فترة استقراره في بوسعادة لمواجهة الاستعمار والاستشراق. كما خلّد الجنوب الجزائري في روائع إبداعاته الفنية والأدبية.
وقد أوضح الدكتور بودربالة أن إتيان ديني مبدعٌ متعدد المواهب والقدرات، فهو رسّام وأديب ومفكر وسياسي وأنثربولوجي في الوقت ذاته، ناهيك عن دفاعه عن الإسلام والجزائر، ووفائه للصحراء الجزائرية، بدليل أنه توفي في ديسمبر 1929 بباريس، لكنه دفن في 12 جانفي 1930 ببوسعادة نزولا عند رغبته.

هذا المقترح الذي يستحقه الدكتور بودربالة يستحقه بقية أساتذتنا الأجلاء من الجيل الأول لقسم اللغة والأدب العربي بجامعة باتنة والجامعة الجزائرية بشكل عام، خاصة الذين تركوا أثرا علميا وأدبيا وإبداعيا ونقديا يتطلب الدراسة والتوثيق والتأريخ. مثلما أدعو طلبته الأوفياء إلى جمع مقالات الدكتور بودربالة في كتاب أو في مجموعة كتب حتى تحفظ للأجيال. صحيح أننا في زمن الرقميات، لكن الكتاب الورقي يبقى مهمّا ونحتاج إليه مع مرور السنين.

ويتضمن الكتاب عدة محاور تخص تنشئة المفكر والمبدع الفرنسي إتيان ديني، من خلال مساره مع الرسم والأدب والفكر، وكذلك دفاعه عن الإسلام، إضافة إلى مختارات من كتاباته ومختارات أخرى حول ما كتب عنه، وفي الملحق نماذج من لوحاته الإبداعية التي خلّد بها الصحراء الجزائرية. وحسب بودربالة، فإن نصر الدين ديني هو خير شاهد على هذا العصر “الإمبراطوري” الذي مكّن أوروبا من بسط نفوذها وإحكام سيطرتها الثقافية والاقتصادية على العالم، إذ تلقى تكوينه في الفنون التشكيلية لمدة 4 سنوات بعد حصوله على البكالوريا، وشاءت الأقدار أن يسافر إلى الجزائر سنة 1884، مع فريق من الباحثين في علم الحشرات، فتكرّرت بعدها الزيارات للجزائر وتعاقبت، وخاصة مدن الجنوب التي بهرته وسحرته، وفيها اكتشف -بحسب مقدمة الكتاب- نوعين من الذهب في الجنوب الجزائري، ذهب الرمال وذهب أشعة الشمس.
وبحسب الدكتور بودربالة، فقد بدأ إيتيان ديني حياته مستشرقا، لكنه تجاوز الاستشراق التقليدي واندمج كليا في الحياة الجزائرية، واختار بوسعادة إقامة دائمة له، وألهمته روائع إبداعاته العالمية، ثم قرر اعتناق الإسلام بعد مسار طويل وشاق، ليصبح من كبار المدافعين عن الإسلام والمسلمين بريشته وقلمه ونضالاته السياسية، ما جعله يعيش بجوارحه مأساة المجندين الجزائريين أبناء الحرب العالمية الأولى، فدافع عنهم من خلال اتصاله بصانعي القرار في فرنسا والجزائر، وتوعية الرأي العالمي بالظلم الذي يتعرضون له، كما كانت له -بحسب بودربالة- مواقف دفاعية شجاعة في كل ما يتعلق بالمؤامرات التي كانت تحاك ضد الإسلام والمسلمين والعالم الإسلامي، من خلال كتاباته التي أثّرت في الفكر الإسلامي المعاصر، مثل “حياة محمد”، و”الشرق” في نظر الغرب”، و”الحج إلى بيت الله الحرام”.

ثقافة الاعتراف بجميل بودربالة وأمثاله
لاحظنا عدة أعمال وجهود قام بها طلبة ردا لجميل أساتذتهم في مختلف التخصصات، في إطار الوفاء ومن باب الاستمرارية في البحث والسعي إلى منح قيمة علمية مضافة، نجد ذلك في الطب والأدب والهندسة والاقتصاد ومختلف العلوم؛ ففي حقل الأدب واللسانيات نُشرت محاضرات دوسوسير بعد جمعها من طرف طلبته. وفي الاقتصاد هناك نظرية معروفة اسمها نظرية “هيكشر أولين” في التجارة الدولية، إذ إن التلميذ أوهلين سار على نهج أستاذه هيكشر في إطار النظرية الاقتصادية الحديثة أو النيوكلاسيكية. وفي الجزائر، هناك عمل هام يقوم به الكاتب كمال قرور، صاحب دار “الوطن اليوم” للنشر والتوزيع لنشر سلسلة أعلام الفكر والأدب والفلسفة في الجزائر. وهناك عدة طلبة حرصوا على إصدار كتب تجمع السيرة العلمية والإنسانية لطلبتهم.
هذا المقترح الذي يستحقه الدكتور بودربالة يستحقه بقية أساتذتنا الأجلاء من الجيل الأول لقسم اللغة والأدب العربي بجامعة باتنة والجامعة الجزائرية بشكل عامّ، خاصة الذين تركوا أثرا علميا وأدبيا وإبداعيا ونقديا يتطلب الدراسة والتوثيق والتأريخ. مثلما أدعو طلبته الأوفياء إلى جمع مقالات الدكتور بودربالة في كتاب أو في مجموعة كتب حتى تُحفظ للأجيال. صحيح أننا في زمن الرقميات، لكن الكتاب الورقي يبقى مهمّا ونحتاج إليه مع مرور السنين. ولنا في التفاتة الدكتور فارح مسرحي خير مثال، حين حرص على جمع مقالات أستاذه ومشرفه عبد الرحمان بوقاف.
وعليه، فإنّ العبرة بترك الأثر، والعبرة أيضا بالوفاء وتسليط الضوء على كل من ترك أثرا طيبا. وفي مقدمة ذلك أساتذتنا الأجلاء من أمثال أستاذنا القدير الطيب بودربالة. هؤلاء الذين قدّموا الكثير وساهموا في تكوين أجيال هم من خيرة إطارات الجامعة الجزائرية ومختلف مؤسسات الدولة.

مقالات ذات صلة