جواهر

العازب (ة) الكاذب (ة)!

أماني أريس
  • 6922
  • 10
ح.م

عندما كتب الدكتور مصطفى محمود قصة حياة العازب؛ لم تكن في جيله عدوى التحامل على “الزواج” قد اجتاحت الكثير من العقول مثلما هي اليوم، ولم تكن لهجة المكابرة والكذب على النفس (قبل الغير)، قد أصبحت ملاذ العزّاب اليائسين والناقمين على مجتمع وعصر وحظّ حرمهم نعمة الزواج، وتكوين الأسرة. وأجزم لو كان الكاتب والمفكر المصري الفذّ قد واكب عصرنا؛ ما كان ليحرمنا من قصة ممتعة أخرى بعنوان حياة العازبة..

ملخص القصة أنّ أحد العازبين أسس في عالم الأوهام مملكة سمّاها بمملكة العزوبية، وظنّ أنّه محسود المتزوجين، وحلم العوانس، ومغامرة المراهقات، بسبب حريته المطلقة التي يحياها في مملكته  فهو الذي كفى نفسه عناء المسؤوليات، يصحى متى شاء، وينام متى شاء، ويفعل كل ما يحلو له، وليس على أكتافه سوى رأسه، ويختم بصفير على لحن المارسيليز احتفاء بتلك الحرية. قبل أن ينتشله نور العقل من دوامة أوهامه ويكتشف أنّه حاكم في إمبراطورية الورق، ويطرح على نفسه السؤال الجوهري و ماذا أفعل بحريتي؟

نحن في ارتفع فيه عدد أباطرة الورق بنعمة العزوبية والحرية، لكنّ حقيقتهم ما تفتأ أن تشي بهم عندما تجدهم متأهّبون بمناسبة وغيرها للانفلات بسيل من المبررات والدفاع عن العزوبية وايجابياتها، وبالمقابل ذمّ الزواج  وتعداد سلبياته ومشاكله ومسؤولياته التي لا تنتهي.

من يدافعون عن العزوبية – غالبا – هم من طال انتظارهم لشريك العمر حتى فقدوا الأمل في مجيئه، أو من ضاقت بهم كل السّبل، وعجزوا عن فكّ عقدة الجبن، أو الكسل، أو الرّهاب من الزواج والمسؤوليات، أو من عاشوا تجارب زواج فاشلة، هؤلاء بعد أن قنطوا من رحمة الله، وعاثت فيهم النّقمة على مجتمع لا يرحم، انخرطوا في حزب المدافعين عن العزوبية، وأعلنوا الحرب على الزواج..

كم اخطأ هؤلاء في سوء تقديرهم حينما اخلطوا في سلّة واحدة عظمة المسؤوليات – والتي رغم كونها تعب وتضحيات ونكران للذات؛ إلاّ أنّها تزيد من قيمة الإنسان، وترفعه درجات في سلّم الإنسانية- مع آفات أخلاقية ومشاكل عصرية ابتلي بها الزواج فحوّلت حياة الكثير من المتزوجين إلى جحيم! 

واجب علينا هنا أن نرافع من أجل المسؤولية التي باتت مدانة وبسببها يتم الطعن والتخويف من أهمّ سنّة جبلنا الله عليها، وواجب علينا أن نذكّر هؤلاء بأنّ المسؤولية والتضحية التي يرفعونها بيّنة ادعاء، ودليل إدانة للزواج، هي أشبه بما عرفناه عن الكسور في علم الجبر، فكسر الحياة يزداد بخفض مقامه، أكثر مما يزداد برفع بسطه، وصدق أحد الحكماء حينما قال: ” إنّما تبدأ الحياة حيث يتم نكران الذات ” وهل يمكن أن يكون المرء ذا قيمة دون أن يكون مسؤولا وخادما ونافعا لغيره؟

في الأخير لا ننسى أن نربت عطفا على أكتافهم، ونوجّه سهامنا معهم إلى الأعداء الحقيقيين الذين جعلوهم ينظرون إلى نعمة الزّواج بهذا المنظار الأسود.

مقالات ذات صلة