الجزائر
التهمت الملايير في مشاريع التهيئة لكنها بقيت في سباتها العميق

''العاصمة لا تنام''.. مشروع لم يتحقق إلا في الأحلام

الشروق أونلاين
  • 32697
  • 0
الشروق

قبل البدء في إعداد هذا الربورتاج، حاولت إقناع نفسي بأن مشروع “العاصمة لا تنام” الذي سيجعل من عاصمة البلاد كغيرها من العواصم العربية، على غرار الإمارات ومصر وتونس والمغرب، وحتى العالمية، سيلقى صدى واسعا لدى سكان “المحروسة”، وأنني سأقف على عاصمة حية لا تنام إلى غاية أذان الفجر، غير أنني في الواقع صدمت بمشروع لا أثر له في الواقع، وبقي كغيره من المشاريع مجرد كذبة صدقها المسؤولون ولم يستجب لها السكان. وظل بذلك “حبرا على ورق”.

قبل الانطلاق، رسمنا في مخيلتنا صورة للمحروسة، كما نراها نهارا.. فوضى في المرور، محلات مفتوحة وتزاحم في محطات المترو، ومقاه مملوءة عن آخرها… وطوابير لدخول قاعات السينما وعشاق المستديرة منتشرون هنا وهناك يحللون المباريات، ونسمع ضوضاء الراغبين في استخراج وثائقهم من البلديات والمحيطين حول تمثال الأمير عبد القادر يلتقطون صور السلفي… سننزل إلى شواطئ باب الوادي وصولا إلى عين البنيان مرورا ببولوغين، أين نجد العائلات وقد ارتمت في أحضان الشواطئ رغم برودة الجو، وسننتقل إلى الحراش وصولا إلى باب الزوار لنتفاجأ بمن يفضلون التسوق ليلا قاصدين المراكز التجارية المعروفة وزحمة السير تخنق شوارع العاصمة ولكن…

اتفقت أنا والسائق على أن نجوب شوارع وأزقة العاصمة سيرا على الأقدام، وأن نركن السيارة في الموقف، لنقل صورة عاصمة البلاد ليلا عن قرب، وحسب مشروع إحياء العاصمة النائمة ليلا الذي كلف المصالح المحلية أكثر من مليارين ونصف، على غرار المشاريع الموازية التي صرفت عليها أكثر من 5 ملايير دينار ببعث نشاط المحلات بعد تعمد أصحابها إغلاقها مع الساعات الأولى من غروب الشمس خلال العشرين سنة الأخيرة بسبب الظروف الأمنية التي عاشتها البلاد، ويهدف المشروع إلى مواكبة المخطط الاستراتيجي لولاية الجزائر الذي يمتد إلى غاية 2029.

كانت الساعة تشير إلى الثامنة ليلا عندما غادرنا مقر جريدة “الشروق” بحسين داي، والوجهة قلب العاصمة، حيث بعثت في نفوسنا تلك الأشجار المضيئة التي نصبتها بلدية الجزائر الوسطى منذ أسابيع الراحة، وبدأنا نلمح أولى علامات مشروع “العاصمة لا تنام”. ركن السائق السيارة وارتجلنا لتفقد شوارع وأحياء “المحروسة” ليلا.

 

.. سكارى ومشردون يكتسحون الشوارع ومقاه مغلقة قبل المغرب

تفاجأنا لما رأينا العاصمة تفقد بريقها ليلا، إنارة خافتة، سكارى في كل مكان ومشردون يملؤون المكان وبعض السيارات تسير بسرعة، انبعاث رهيب للروائح الكريهة وانتشار كبير للنفايات.. وبعد كل هذا تحول ذلك السيناريو الأبيض الذي توقعناه إلى سيناريو أسود، فلا محلات مفتوحة ولا بنوك تعمل، وحتى الميترو انتقلت إليه العدوى وصار “ينام” في الساعة التاسعة، أما المقاهي فحدث ولا حرج، حيث إنها أوصدت أبوابها قبل أذان المغرب. فالجزائر هي الوحيدة في حوض المتوسط التي تخلفت عن تبني هذا النمط المعيشي، ما جعلها تصنف كآخر عاصمة متوسطية في هذا المجال. فبالرغم من تحسن الأوضاع الأمنية وتوفر الأمن الذي طالما كان العائق الأكبر لإحياء العاصمة وكبرى المدن الجزائرية خلال الليل، التي لا تزال تخلد إلى النوم باكرا، حيث يصطدم زائرها بسبات نصفي خلال أواخر النهار وحركة منعدمة أثناء الليل وإن استيقظت ليلا فذلك ضرب من الخيال فهذا المنطق هو ما قتل مشروع العاصمة لا تنام في مهده.

ويبدو أن مساعي إعادة إحياء العاصمة وتطبيق المشروع منذ أكثر من سنتين قد باءت بالفشل، حيث يبقى باب التساؤلات مطروحا، وهل يقتضي الأمر تغيير العقليات من خلال حملات تحسيسية تستهدف أصحاب المحلات والمواطنين على حد سواء، ولكن سيبقى حلما تجسيده مؤجل إلى أجل غير مسمى؟

 

.. محاولات سرقة يومية 

المتجول في شوارع العاصمة ليلا، خاصة ساحة أودان والعربي بن مهيدي وديدوش مراد وساحة البريد المركزي، يلاحظ أن جل المحلات والمطاعم والمقاهي تبدأ بغلق أبوابها باكرا وحتى الحافلات تغادر العاصمة باكرا لتبقى بعض سيارات الأجرة التي ينتهز أصحابها الفرصة لفرض “غرامات” على الراغبين غب الهروب من العاصمة ليلا. 

وأثناء تجولنا اقتربت من سائق أجرة، أكد لي أنه سينقلنا من ساحة البريد المركزي إلى بلدية جسر قسنطينة بـ 3000 دينار.. وعندما رفضنا قال لنا بالحرف الواحد: “لقد وضعت لكم سعرا منخفضا مقارنة بسيارات الأجرة الأخرى”. وأثناء حديثنا مع السائق بعدما عرفنا بأنفسنا تقرب منا شابان وحاولا سرقة مفاتيح سيارة الأجرة، لولا تدخل أحد أعوان الأمن الذين كانوا هناك، ففر الشابان أمام ذهولنا جميعا.

وأثناء تجولنا تقربنا من أحد المواطنين الذي أكد لـ” الشروق” أنه منذ نحو ساعة وهو يبحث عن صيدلية لشراء أحد الأدوية لابنته المريضة، ولكنه لم يجد، متسائلا: “على المسؤولين فرض غرامات مالية على المتخلفين لإنجاح هذا المشروع الذي تكلموا عنه كثيرا”. وأضاف: “كان الأجدر بهم المبادرة وفتح البلديات والبنوك ومراكز البريد العمومية ومن ثم الحديث عن المحلات والمقاهي”. فرغم الاستحسان الكبير الذي لقيته المبادرة ولكن عادت العاصمة إلى الدخول في سبات عميق وتستعد للنوم بمجرد غروب الشمس عنها.. بدورنا حاولنا الاتصال برئيس بلدية الجزائر الوسطى، عبد الحكيم بطاش، ولكن تعذر علينا ذلك بسبب عدم رده على اتصالاتنا.

 

بولنوار لـ”الشروق”: إنجاح المشروع مربوط بتوفير الشروط

أكد الحاج طاهر بولنوار رئيس الجمعية الوطنية للتجار في تصريح لـ”الشروق”، أن مشروع “العاصمة لا تنام” لا يتم بقرارات إدارية لابد من توفير شروط وتشجيع المواطنين أولا، والتجار ثانيا، من أجل الاستمرار في نشاطهم ليلا، وذلك  يكون بتوفير وسائل النقل المختلفة ليلا، وكذا توفير الأمن والإنارة، حيث تتوفر الطرق الرئيسية فقط على الإنارة في حين تغيب في الطرق الضيقة وغير الرئيسية.

وأضاف بولنوار أن الشرط الأساسي لإنجاح المشروع الجزائر حية ليلا، يجب أن نطبق إدارة جوارية لا تنام، متسائلا لماذا البنوك ومصالح البريد والبلديات تغلق باكرا، ولماذا الاجتماعات الحزبية تكون نهارا وليس ليلا، ولماذا لا تنظم البلديات نشاطات ثقافية ورياضية ليلا، وأردف محدثنا أنه عندما طلبنا من تجار المدن الكبرى فتح محلاتهم ليلا كان ردهم بأنه على السلطات تشجيع المواطنين على الخروج ليلا، وفيما بعد يتم محاسبتنا.

وبخصوص فشل المشروع، وهذا بسبب عقلية المواطن الجزائري، قال بولنوار فشل المشروع لا يعود إلى العقلية، لأن المواطنين أخذوا نظرة سيئة على الأوضاع ليلا، مردفا أن بعض المواطنين يتعرضون إلى السرقة نهارا فكيف سيكون الحال ليلا، قائلا علينا توفير الشروط، وفيما بعد الحديث عن العاصمة لا تنام.

مقالات ذات صلة