الفايسبوك والهاتف النقال غيّر من عادات الجزائريين كثيرا
العاصميون يستغنون عن “البوقالة” في سهراتهم
كثيرا ما يقترن شهر رمضان لدى العائلات العاصمية باللعبة المشهورة “البوقالة” التي توارثها الأحفاد عن الأجداد منذ القدم وتعتبر من المميزات الخاصة لسهرات رمضان، غير أن بعض البيوت العاصمية بدأت تتخلى عن لعبة البوقالة تدريجيا في السنوات الأخيرة بعدما حلّ الهاتف النقال محل الزيارات واكتفت العائلات بالرسائل القصيرة عوض الالتقاء في السهرة وزيارة الأحباب والأقارب، ولم يبق للعبة “البوقالة” من فضاء يحميها سوى الحصص الإذاعية وصفحات بعض الجرائد التي تزينها “البوقالات” في شهر رمضان.
-
وإزاء كل هذا وجد محبو لعبة “البوقالة” في الحصص الإذاعية متنفسا لهم ليستعيدوا ذكريات الماضي الجميل، حيث يكثر الإقبال في شهر رمضان على البرامج الإذاعية التي تخصص حيزا كبيرا للعبة البوقالة، فتتزين السهرات الأثيرية الإذاعية الجزائرية بحصص منوعات تطبعها ميزة البوقالة التي استعادت رونقها بكثرة المتصلين والمقبلين عليها للاستمتاع بالفال والإبحار عبر الزمن. حيث تقول السيدة مريم إنها تتابع وبشغف الحصص الخاصة بالبوقالات وكثيرا ماتشارك فيها لسماع الفال والاستئناس به، وتتذكر جدتها رحمها الله التي كانت تجمع بناتها وحفيداتها وتلعب معهن “البوقالة” التي كان لها طعم آخر، وتضيف “كنا نؤمن كثيرا بالفال ونفرح لسماعه خاصة العازبات منا”. واليوم -تضيف محدثتنا- كل شخص مشغول بحياته ولم نعد نلتقي إلا نادرا ولم تعد الأسرة الكبيرة مثل الماضي.
-
فيما ترى خالتي عائشة أن سبب استغناء الكثير من العائلات الجزائرية مؤخرا عن “لعبة البوقالة” في السهرات الرمضانية يرجع لانشغال الأسر بمشاهدة المسلسلات التلفزيونية التي تأخذ حيزا كبيرا من وقت أفراد العائلة، وانشغال كل فرد بأشياء أخرى، وحتى دخول الهاتف النقال غيّر النمط المعيشي للجزائريين، والذي أصبح يتميز بالسرعة والتواصل عن بعد وهو ماتوفره شبكة الانترنيت ،خاصة مع مواقع التواصل الاجتماعي كالفايسبوك والتويتر التي وجد فيها الشباب والشابات متنفسا آخر في السهرات الرمضانية.
-
وفي سياق آخر صرحت لنا إحدى الشابات بأن البوقالة، تبقى لعبة مميزة والمفضلة لدى العائلات العاصمية، لكن تغيّر الانشغالات والزمن جعلها حبيسة الحصص الإذاعية والجرائد، لتضيف محدثتنا أنها تستأنس كثيرا بقراءة البوقالة في الجرائد وحتى سماعها عبر الإذاعة، وكثيرا ماتتواصل مع صديقاتها عبر الفايسبوك وتبعث لهن بوقالات تأخذها من المواقع الالكترونية ومن الجرائد.
-
والجدير بالذكر بأن لعبة البوقالة تأخذ تسميتها من الإناء الفخاري المعروف باسم “بوقالة”، الذي كان وما يزال يستخدم في هذه اللعبة، بعد أن يتم ملؤه بقليل من الماء يرفق بـ”الكانون” أو “النافخ” للتبخير بكل أنواع البخور من جاوي وعنبر. وليست هذه اللعبة التراثية سوى أشعار شعبية جزائرية أطلق عليها تسمية “بوقالة”، وهي تخص مواضيع اجتماعية تتعلق بالحب والحزن على فراق الأحباب والخلان والأمل بعودتهم والوفاء وغيرها من الصفات، وفي القديم كانت الجدة أو الأم هي القائدة في لعبة البوقالة التي تصنع الفرجة بالبيوت العاصمية، حيث تجتمع النسوة من أهل البيت وحتى الجيران على مائدة السهرة المشَكلة بالحلويات كالزلابية وقلب اللوز وغيرها وتبدأ اللعبة التي تعتمد على حفظ بوقلات عبارة عن أمثال شعبية، ولعل أهم ما يميزها هو فكرة أن تعقد النساء المستأنسات بمقاطعها الشعرية ما يسمى بـ “الفال”، ومعناه أن تعقد المرأة النية داخل قلبها بالتفكير في شخص من الأشخاص زوجا كان أو ابنا أو أخا بعيدا أو أما أو في أي من الأحباب مع محاولة إسقاط معنى أبيات البوقالة الموجهة لها. ولاتحلو أبيات البوقالة إلا بذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم.