الرأي
الشيخ أحمد سحنون

العالم الشاعر، والداعية الصابر

ح. م

“كم في الجزائر من علماء فحول، وفقهاء عدول، ومفكرون نوابغ، وشعراء سواطع، إلا أننا ضيعناهم بعدم الكتابة عنهم، وإبراز آرائهم ومواقفهم، ونقلها للأجيال الناشئة، وإنه لتقصير فظيع، حتى لا أقول خيانة وتضييع للأمانة، وإنها لدعوة إلى أرباب الفكر، وأصحاب الأقلام إلى الاعتناء بشخصياتنا، والانكباب على إبرازها والكتابة عنها، عسى أن نمسح آثار العار الذي يطاردنا، وهو أن الجزائر فقيرة في علمائها، وهو أمر جنيناه على أنفسنا بتقصيرنا بعدم الكتابة على علمائنا”.

بهذه الفقرة العميقة الدلالة، المعبرة عن اعترافنا بتقصيرنا في حق علمائنا ومشايخنا أنهى الأخ الدكتور محمد الدراجي كتابه الذي ألفه عن “الشيخ أحمد سحنون”، الذي وصفه بـ “العالم الشاعر، والداعية الصابر”.

لقد وفق الدكتور الدراجي في هذا العمل، وهو جدير بهذا التوفيق، فقد مارس التدريس الجامعي سننا عددا، ومارس الدرس المسجدي مثلها، ومارس الكتابة الأكاديمية والمقال الصحفي، كل ذلك تبيانا للإسلام الحنيف، وتعريفا بدعاته، وجدالا عن حقائقه، وفضحا لدعاوى أعدائه وخصومه.

إن تجربة الدكتور الدراجي العلمية والعملية هي التي جعلته “يلخص” الشيخ أحمد سحنون عنه الرحمة والرضوان في هذه الأوصاف الأربعة.

والحقيقة أن العلاقة التي كانت بين الإمام الإبراهيمي والشيخ سحنون تجاوزت علاقة “قائد” بـ “جندي”  أو “رئيس” بـ ” مرؤوس” إلى درجة إدراج قصيدة للشيخ أحمد سحنون في كتاب “عيون البصائر” للإمام الإبراهيمي نفسه.. الذي أشرف عليه، ونشره في آخر حياته..

فالشيخ أحمد سحنون”عالم” وهذه الصفة أشمل من صفة “فقيه” ومن قرأ للشيخ أحمد سحنون، أو استمع إلى دروسه المسجدية أو جلس إليه أدرك أن الأخ الدراجي “صوّر” الشيخ فأحسن صوره.. ورسخت في ذهنه صورة العالم الملم بما يتحدث فيه.. ولا يمثل الفقه إلا جانبا من هذا العلم.. وقد يرى بعض الناس أن الشيخ سحنون دون كلمة “عالم” التي وصفه بها الأخ الدراجي، فما هو قول هذا الرائي في شهادة الإمام الإبراهيمي التي هي كقول “جهيزة” التي قطعت قول كل خطيب، وهذه الشهادة الإبراهيمية كتبها الإمام باعتباره رئيس لجنة الفتوى، واقترح توسيع هذه اللجنة بإضافة خمسة من “العلماء المشهود لهم بسعة الاطلاع، وحسن الإدراك، لحوادث العصر.. وكل منهم مشهور بالذكاء، واستحضار النوازل، وبالبراعة في تنزيل الأحكام الشرعية على النوازل الفقهية”، وكان الشيخ سحنون على رأس هؤلاء الخمسة الذين اقترحهم الإمام، والأربعة الآخرون هم الشيوخ عبد اللطيف القنطري (سلطاني)، ونعيم النعيمي، ومصطفى فخار (مفتي مدينة المدية) والفضيل اسكندر، (الإمام والمدرس بمدينة المدية). (انظر: آثار الإمام الإبراهيمي. ج5. ص 309).

ومن قبل ذلك تجلى تقدير الإمام الإبراهيمي لعلم الشيخ سحنون وثقته في اصطفائه له ليكون من “الأسرة” الصغيرة التي اعتمد عليها في إعادة جريدة “البصائر”

وقد زكّاه للكتابة في أهم ركن فيها تحت عنوان “على مائدة القرآن”، فما كان للإبراهيمي “القرآني” منهاجا وأسلوبا أن يعهد بذلك إلى شخص عاجي – ألم يقل له عندما طلب منه أن ينتقل إلى العاصمة من الصحراء واستعظم الشيخ سحنون ذلك: “إني أرى فيك ما لا تراه في نفسك”.

(الشيخ سحنون، العالم الشاعر…ص87)، واعتبر الإمام ما يكتبه الشيخ سحنون “حلية البصائر”. (ص98).

والحقيقة أن العلاقة التي كانت بين الإمام الإبراهيمي والشيخ سحنون تجاوزت علاقة “قائد” بـ “جندي”  أو “رئيس” بـ ” مرؤوس” إلى درجة إدراج قصيدة للشيخ أحمد سحنون في كتاب “عيون البصائر” للإمام الإبراهيمي نفسه.. الذي أشرف عليه، ونشره في آخر حياته..

وإذا كان بعض الشعراء استعملوا ما يسّرهم الله له من قول الشعر فيما نهى الله عنه من قول بلا عمل، أو عمل محرم، فإن الشيخ سحنون وظف شعره – كما وظف نثره – في الدعوة إلى الدين القيم.. والوطنية الحقة.. ولم يكن “أذنا” لشيطان الشعر، الذي “يلعب” بأكثر الشعراء، بل كان أذن خير لدعوة محمد –صلى الله عليه وسلم- فما عرف الناس الشيخ سحنون “مدّاحا” بل كان كأكثر شعراء جمعية العلماء “صدّاحا”..

ولا أكتم ما في نفسي، إذ ما أسفت على شيء أسفي على تأبين الشيخ سحنون للخميني، الذي انخدع له كثير من الدعاة.. وما كان ينبغي أن ننخدع له، وهو الذي يقول في الشيخين وفي ابنتيهما عائشة وحفصة، وفي صحابة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ورضي الله عنهم – ما لم يقله أعداء الإسلام من اليهود والنصارى، والكفار والمشركين.

وإذا كنت غير أهل للخوض في “شاعرية” الشيخ سحنون، فإنني أثق فيها، اعتمادا على أرباب هذا الفن من الدكتور سعد الله إلى صالح خرفي إلى محمد ناصر، إلى عبد الحفيظ بورديم، ومن قبلهم إلى الإمام “الشاعر” محمد البشير الإبراهيمي.

إذا كان بعض أعضاء جمعية العلماء انكفأوا على أنفسهم بعد 1962، واعتبروا أن “الأمانة” قد تولاّها من اعتبروا أنفسهم، واعتبرهم من اغتروا بهم “أمناء”، فإن الشيخ سحنون بقي يدعو إلى الخير، وينهى عن “الشر” الذي استحوذ على بعض من كانت بأيديهم مقاليد أمور الجزائر.. وقد كلفه ذل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما كلفه.. ولو كان الذي كلفه آتيا من بعض المسؤولين فقط، لهان الأمر … ولكن جزءا مما أصابه جاءه ممن علمهم الدعوة و”نظم القوافي” الذين أرادوا أن يتخذوا الشيخ “سلّما” يصعدون عليه، فلما تأبّى عليهم، ونصحهم ..قال عنه قائل منهم: “إنه خرف”.. وما خرف الشيخ، ولكن القائل هو الذي خرف، ولم ير إلى أبعد من “أنفه”… وظن كما ظن “أصحاب المشأمة” أنهم لم يخلق مثلهم في البلاد..ولئن اكتفى هؤلاء بوضع الشيخ تحت الإقامة الإجبارية فإن من ظنوا أنفسهم يملكون “مفاتيح الجنة قد أرادوا تصفية الشيخ جسديا..فخيب الله سعيهم.. ولم يعلموا، وإن علموا لم يفقهوا قول رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فيما معناه ما يزال المرء في فسحة من أمره ما لم يُصِب دما حراما.. فيا ويلكم يا من فعلتم بالجزائر ما فعلتهم.

الشيخ أحمد سحنون”عالم” وهذه الصفة أشمل من صفة “فقيه” ومن قرأ للشيخ أحمد سحنون، أو استمع إلى دروسه المسجدية أو جلس إليه أدرك أن الأخ الدراجي “صوّر” الشيخ فأحسن صوره.. ورسخت في ذهنه صورة العالم الملم بما يتحدث فيه.. ولا يمثل الفقه إلا جانبا من هذا العلم.. 

لقد ابتلى الشيخ سحنونا ربه فاستعصم بما أمر به المسلمون في قوله تعالى :”اصبروا وصابروا”، ولم يساير لا هؤلاء ولا هؤلاء، وبقي “أمة وسطا”، إلى أن أتاه اليقين.. الذي كان يستعجله بمثل قوله بعدما رأى ببصره وبصيرته ما رأى:

سئمت حياتي، ففي سجن مؤبد** وليس بغير الموت أخلص من سجني

صديق بلا صدق، وعلم بلا تقى**ودين بلا فهم، وأمن بلا أمن

إن علم الشيخ سحنون، وشاعريته، ودعوته، كل ذلك جعله ينال اهتماما من الباحثين والدارسين في مجال الدعوة أو في ميدان الشعر، فكان موضوعا لدراسات عديدة ورسائل جامعية.

ومن هذه الدراسات هذه الدراسة التي خصه بها أخونا الدكتور محمد دراجي فله ما يستحقه من جزيل الشكر على عمله.

رحم الله الشيخ أحمد سحنون وبوّأه مقعد الصدق يوم يلقى الأحبة محمدا –عليه الصلاة والسلام- وصحبه من الأولين وإخوانه من الآخرين..

مقالات ذات صلة