العالم مخيَّر: السلام أو إسرائيل
“إسرائيل” التي حملت ظلما اسم النبي يعقوب عليه السلام كيانٌ غير قابل للعيش إلا في ظل الحروب، لا يخرج من حرب حتى يدخل في أخرى، يفتعل الحروب ليضمن استمراره. هذه هي الحقيقة التي يحدِّثنا عنها القرآن الكريم: “كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين“ (المائدة 64).
إن إسرائيل الحالية على خطى إسرائيل الخالية، يحكمها المتعطشون للدماء الذين يظنون أنهم مستهدفون لأنهم البقية الباقية من جنود الرب التي وجدت لحفظ الشريعة ولتخليص البشر من الشرّ الذي يتمثل -بزعمهم- في محور الشر الذي تقوده بعض الكيانات المعادية لإسرائيل التي ليست فقط المقاومة والكيانات الجهادية، بل كل الكيانات التي لا تعترف بحق إسرائيل في امتدادها من الفرات إلى النيل. إن إسرائيل تعادي كل تيار وطني أو قُطري أو عالمي يعارض سياستها التوسُّعية التي لا تعترف بالحدود وبحقها وحدها في الوجود.
لا يجب أن يغتر العالم بحديث نتنياهو عن السلام، فهو كسراب بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً، إن السلام في عقيدة نتنياهو لا يعني شيئا غير الاستسلام والتسليم بأن إسرائيل هي هبة الله التي وُجدت لتبقى. إن الحرب الدائرة الآن في الشرق الأوسط ليست من المنظور الصهيوني إلا مقدمة لما يسمى “معركة هرمجدون“ التي ينتظرها الصهاينة على أحرِّ من الجمر بل يستعجلونها لظنهم بأنها المعركة التي ستبيد خصومهم وتنتقم لهم من ظلم السنين. هذه أمانيهم التي يمنِّيهم بها سفر الرؤيا. إن هرمجدون الحقيقية التي تنتظر بني صهيون ليست ببعيدة فقد ظهرت أشراطها، ومن أشراطها أن ما يسمى “دولة إسرائيل“ قد استنفدت أجلها وأوشكت على نهايتها لأن من مقتضى العدل الإلهي أن يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وأن ينتقم من الظالم ويقتص للمظلومين وأن يقطع دابر الفساد والمفسدين. لقد علت من تسمى “إسرائيل” علوا كبيرا، وقد آن لها أن تنتهي كما انتهت الإمبراطوريات التي سبقتها، هذا وعدُ الله ولن يخلف الله وعده: “فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا“ (الإسراء 7). ليس هذا الكلام لدغدغة العواطف وإنما هو حقيقة تدل عليها الأحداث المتسارعة التي بلغت ذروتها في غزة وامتدت إلى لبنان والشرق الأوسط والتي تدل بما لا يدع مجالا للشك بأن العالم مخير بين السلام أو إسرائيل، ففي بقاء إسرائيل انتفاء للسلام لأن إسرائيل كيان غير قابل للعيش إلا في كنف الحروب. إن التاريخ يحدثنا بأن أكثر الحروب التي عرفها العالم إنما كانت من صنع اليهود الناقضين للعهود أو بإيعاز منهم.
لقد تبين للعالم كله بأن الكيان هو سبب كل الفتن التي نعيشها في هذا الزمان، هو من يشعل الحروب ويغذي الكراهية، ويشيع العنصرية ويقطع أوصال البشرية لأنه لا يريد لهذا العالم أن يتعافى وأن يتعاطى مع دعوات السلم التي يرفعها العقلاء لتجنيب العالم مخاطر الحروب ولدعوة شعوبه إلى التعايش المشترك.
لا بد من التذكير في ظل الفتنة الكبرى التي يعيشها الشرق الأوسط رئة هذا العالم وشريانه التي يتولى كبرها الكيان الصهيوني والتي قد تأتي على ما تبقى من وشائج التقارب بين الدول والشعوب، بما جاء في “بروتوكولات حكماء صهيون” عن المخطط الصهيوني لإشعال الحروب ولإغراق العالم في الصراعات والصدامات. لا يهمني هنا ما يقوله بعض المؤرخين من أن هذه البروتوكولات وثيقة تاريخية مزيفة لا يُعرف كاتبُها، فحسبنا أن ما تتضمنه يتطابق مع الواقع المرير الذي يعيشه العالم والذي لا يمكن أن نحمِّل جريرته لطرف آخر غير الكيان الصهيوني الذي يتعاطى مع روح هذه البروتوكولات قلبا وقالبا وينفِّذها بحذافيرها. هذه حقيقة يعترف بها أوسكار ليفي الكاتب اليهودي المعروف بقوله: “نحن اليهود لسنا إلا سادة العالم ومفسديه ومحركي الفتن فيه وجلاديه“. لقد احتكر اليهود بشهادة أوسكار ليفي الموبقات الثلاث: السيادة على العالم وقيادة الفساد وتحريك الفتن وأداء دور الجلاد، فماذا أبقى اليهود لغيرهم من قادة الفساد؟
إن الهدف من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ليس ردع إيران والحد من قدراتها العسكرية وتدمير برنامجها النووي، وإن كان هذا ما يشاع في وسائل الإعلام، وليس الهدف الحقيقي منها حماية الشرق الأوسط ومصالح دول المنطقة بقدر ما هو حماية ظهر إسرائيل وحماية مصالحها وتأمين حدودها وتعزيز وجودها في المنطقة العربية في عمل استباقي يجعل إسرائيل في مأمن من أي تحالفات عربية محتملة ومن أي تحالف عربي إيراني وإن كانت التقديرات بشأنه ضعيفة ولكن إسرائيل تحسب كل صيحة عليها وتتعاطى مع فكرة المؤامرة ولو كانت من نسج الخيال. لا ينبغي السماح لإسرائيل برسم معالم الشرق الأوسط على طريقتها وعلى هواها ولتنفيذ أجندتها في هذه المنطقة الحساسة من عالمنا العربي التي لا نرضى أن تكون مسرحا لحرب تراهن عليها إسرائيل من أجل إعادة التموضع والتموقع وللبدء في رسم معالم إسرائيل الكبرى التي تحدث عنها نتنياهو في كثير من تصريحاته الصحفية.
إن العالم مخير بين السلام أو إسرائيل وليس هناك منزلة وسطى. إن إسرائيل كيان يقوم على مبدأ العدوان ومعاداة السلام وفي التاريخ المعاصر علاوة على التاريخ القديم شواهد كثيرة على هذا التوجه العدواني للكيان الصهيوني، فمنذ تأسيس هذا الكيان المصطنع عام 1948، خاض هذا الأخير عدة حروب مع الجيوش العربية وهي حروب 1948 و1956 و1967 و1973…
لم يكتف الكيان الصهيوني بهذه الحروب، بل عاد لغزو غزة ومحاولة ضم الضفة الغربية ودخل في حرب ضد حزب الله لتعزيز وجوده في نهر اليلطاني وضد إيران، ولا يزال يقول هل من مزيد؟ ويفكر في عمليات غزو جديدة والشروع في تنفيذ المخطط الأكبر وهو تغيير خريطة الشرق الأوسط وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى. بعد كل هذا الذي ذكرته عن الطابع العدواني للكيان الصهيوني، هل بقي هناك شك بأن السلام وإسرائيل ضدان لا يجتمعان؟.
هرمجدون الحقيقية التي تنتظر بني صهيون ليست ببعيدة فقد ظهرت أشراطها، ومن أشراطها أن ما يسمى “دولة إسرائيل“ قد استنفدت أجلها وأوشكت على نهايتها لأن من مقتضى العدل الإلهي أن يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وأن ينتقم من الظالم ويقتص للمظلومين وأن يقطع دابر الفساد والمفسدين. لقد علت من تسمى “إسرائيل” علوا كبيرا، وقد آن لها أن تنتهي كما انتهت الإمبراطوريات التي سبقتها، هذا وعدُ الله ولن يخلف الله وعده: “فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا“ (الإسراء 7).