الشروق العربي
قدرت ثروتها بأكثر من 90 ألف مليار سنتيم

العالية حمزة..”أم تيريزا” الجزائر التي رعت اليتامى ولاقت مصير كليوباترا

الشروق أونلاين
  • 11983
  • 10

هي قصة امرأة تجاهلها التاريخ ولم يبق لها في سجلاته سوى اسم يحفظه الجميع، وهبت حياتها للخير وماتت بسبب الشر الدفين في قلوب الناس، كفلت اليتيم وآوت المسكين وسكنتتالأوجاع، ربت اطفال الآخرين رغم حرمانها من الأطفال، هي ليست ولية صالحة ولا أسطورة تحكيها الجدات، بل امرأة عرفت الحب والخيبات وتعرضت للمؤامرات وماتت مغدورة بأيادي من أحبت.. هي العالية حمزة أم تيريزا الجزائر.

 لم تقّيد العالية حمزة في سجلات الحالة المدنية إلا بعد 4 سنوات من ميلادهاأي سنة 1890، هي ابنة محمد بوترعة وشعبان فاطمة، وترعرعت وفي فمها ملعقة من ذهب واخوتها عيسى وحبارة. بعد وفاة الوالد اقتسم الإخوة التركة الضخمة، غير أن العالية استطاعت أن تضاعف ثروتها بسرعة بحنكتها التجارية وحسها العالي بالبيزنس، وفي وقت قصير اصبحت هذه المرأة النايلية تمتلك ثروة مهولة تعد بالملايين بالحساب القديم وبالملايير بالحساب الحالي، وكانت معظم ثرتها مكونة خصيصامن آلاف الهكتارات من الأراضي في العاصمة والجلفة وعين بسام والبويرة وبوسعادة.

عرفت العالية حمزةبأنها امرأة فاضلة خيّرة، وشهد لها بمكارم الأخلاق، وبكفالة اليتامى ومساعدة المساكين والأرامل والمحتاجين من كل ربوع الوطن،وفتحت بيتها لكل من لا مأوى له فغدا المكان ملجأ لعابري السبيل والمشردينوالبوساء.

شغفت العالية بالتعليم أيما شغف، فأنشات بمالها الخاص مدرسة للبنات في منطقة سيدي عيسى قصد تدريس البنات والتكفل باليتيمات، كان السبب وراء هذا التعلق الكبير بالأطفال عدم قدرتها على الإنجاب، رغم محاولات كثيرة بعد زواجها من مدرس يحمل اسمكرميش محمد منحدر من مدينة بوسعادة  .

العالية ومقبرة المسلمين

قبل ذهابها إلى البقاع المقدسة بأيام، قررت العالية أن تهب آلاف الهكتارات للهيئة المكلفة بمراسيم الدفن بالعاصمة، لتكون مقبرة للمسلمين بشرط أن تحمل اسمها،وكانت فرنسا تفرض ضرائب وأتاوات باهظة لدفن موتى المسلمين، لكن لغزا كبيرا يحيط بهذا القرار. ابن اختها “حبارة” من الجيل الثالث حمزة دحماني والذي لا يزال يعيش وعائلته في سور الغزلان والتي كانت تسمى سابقا “اومال” يؤكد أن خالته العالية كانتأرملة في سن الثانية والأربعين  وكان لزاما عليها أن يرافقها محرم لأداء فريضة الحج، غير أنها كانت يتيمة وبلا عائلة، لذا قررت بعد مشاورة الشيوخ والعلماء أن تهب أرضها المقدرة بـ800 ألف متر مربع والتي تصل قيمتها الآن إلى اكثر من 90 ألف مليار سنتيم والمتواجدة في  المكان المسمى العودة إلى الصيد retour a la chasse سابقا باب الزوار حاليا.

بعد أخذها إذنا شرعيا تحصلت العالية حمزة على جواز سفر رقم 66 المؤرخ في 30 افريل 1928.

في رحلة الحج  الشاقة فقدت العالية أمها في ذات العام وعادت العالية إلى ارض الوطن بعد أن دفنت والدتها الحاجة فاطمة شعبان في البقاع المقدسة.

رغم أن مقبرة العالية كانت مخصصة للمسلمين حسب رغبة السيدة العالية، غير أن الكثير من المسيحيين دفنوا فيها، فهناك مربع الإنجليز والاستراليين والكنديين والأمريكان، وهم جنود الحلف الذين سقطوا في مواجهات النازيين على تراب الجزائر. 

السلطانة العالية

كانت العالية امرأة ذات حس عال في الموضة، وكانت تقتني أجود الحلي واكثرها ندرة، وبمجرد دخولها لأي عرس تخطف انظار الحضور بسبب أزيائها الراقية وحليّها النفيسة. وكانت العالية تنسق خمارها بلون حذائها المزين بحبات اللويز، ولم تكن تفعل ذلك لإغاظة فلانة أو علانة، بل حبا في الحلي والزينة.

أسطورة لالة العالية

 الكثير من الأساطير نسجت حول العالية، خاصة من سكان العاصمة الذين لم يكونوا يعرفون سيرتها جيدا. وكانت الجدات تزعم أن لالة العالية ولية صالحة، تزور المرضى وترعى اليتامى وتساعد المحتاج، وأن بيتها كان مزارا تأتيه الحامل المتوحمة كي تلبى كل رغباتها… حسب هذه الروايات المتضاربة فإن العالية لم تمت في سن الأربعين، كما قيدت في السجلات الرسمية، بل كانت عجوزا طاعنة في السن، وأن ليلة وفاتها كانت مباركة، إذ وجدها جيرانها مسجاة بكفنها ورائحة المسك تعبق في المكان.

القطرة  التي قتلت العالية

توفيت العالية في 17نوفمبر سنة 1932م ووريت الثرى في مسقط رأسها سور الغزلان، وكانت وفاة العالية في السادسةوالأربعين من عمرها فجأة ودون مرض مسبق بمثابة لغز تاريخي. وراجت الإشاعات وقتها بأن المرأة الفاضلة التي يحبها الجميع قد ماتت مسمومة ووجهت اصابع الاتهام آنذاك لعائلة زوجها، دون أن تكون هناك متابعة جنائية، لتلاقي العالية مصير كليوباتراالتي لم تقتل نفسها بنفثة كوبرا، بل بسم وضع لها من طرف اوكتافيوس.

مقالات ذات صلة