العاملون بها.. لا عليها
أكبر شيء نحن بحاجة إليه في العمل الاجتماعي والسياسي، هو فعل التسيير العقلاني. العقلانية، صحيحٌ أنها مرتبطة بالمجتمعات الصناعية، باعتبار الاقتصاد الصناعي هو من فرض التعامل العقلاني لا العاطفي في نظام العمّال بسبب العمل التسلسلي الذي يتطلب دقة متناهية في تنظيم وتسيير العمل والوقت، ومنه جاءت كل نظريات العمل والتقسيم الاجتماعي للعمل من دوركهايم إلى تايلور إلى أحدث النظريات التجريبية في تنظيم العمل، لكن الصناعة ليست وحدها ما تولّد العقلانية في العمل. الأسلاف كانوا عقلانيين في العمل وفي تسييره وترشيد النفقات وترشيد الوقت وضبطه، ومنهم المسلمون، الذين لم يكتشفوا قيمة الوقت واخترعوا الاسطرلاب والساعة المائية، ليس فقط من أجل تنظيم ومعرفة وقت الصلاة كما يقال في تاريخ الاستكشافات الإسلامية فحسب، بل لأن الحقول كانت تُروى من خلال معرفة وتنظيم التوقيت.. الري، وإنارة البيوت والدواوين والورشات التي كانت تضاء بالشمس نهارا وبالفوانيس ليلا، وكان عليهم ضبط مواقيت العمل للتقليل من استهلاك زيت الفوانيس واستغلال الإضاءة الشمسية في كل شيء حتى التسخين.
موضوعُنا ليس هذا، بل موضوعنا هو الذهنية المتلازمة مع ضعف الإرادة والرغبة في التلذُّذ بالمنافع ومنها المناصب من دون تعب ولا تضييق على العقل والفكر واليدين وباقي الجوراح: الوهن الفكري الذي صاحب وهننا الاجتماعي والسياسي طيلة عقود، جعلت التسيير والعقل آخر همٍّ لهم رغم أن ذلك هو أكبر همٍّ لنا ولهم وللناس أجمعين.
رغم كل ما يُقال ويكتب وينشر ويوزع ويرسم ويُؤمر وينذر، من أعلى المستويات في رئاسة الجمهورية والوزراة الأولى والوزرات والدوواين، لا زلنا نسمع من حين إلى آخر بأنباء عن سوء تسيير على أعلى الهيئات، وآخرها في مجال النقل البحري وقبلها النقل الجوي وفي مجال الصحة والمستشفيات.. هذا من دون ذكر المستويات الأخرى. يأتي هذا في عز الرغبة السياسية عندنا في الاندفاع إلى الأمام من أجل تسريع وتيرة التغيير والتنمية التي أخذت منا كثيرا من الجهد والوقت خلال جائحة كورونا، ولا تريد القيادة السياسية، ولا نحن جميعا، أن نخسر مزيدا من الوقت في تململ هذا المسؤول أو ذلك بحثا عن “الهناء على الأريكة” وعدم “تكسير الراس” وصداع العمل وتفضيل الركون إلى المكتب الوثير والسكينة والاستفادة من المرتب والامتيازات من دون مقابل ولا حتى تعب. هذه الذهينة، لم يفهم كثيرٌ من المسؤولين أنها لم تعد مقبولة وأن المنصب والمرتَّب والامتيازات لا تعطى لسواد العيون، وإنما لقاء عمل وجهد ومردودية، فإذا لم تكن قادرا على خلق قيمة مضافة من خلال العمل والجهد معبّر عنها في شكل مردودية، فمنصب هذا المسؤول أو ذاك ومرتّبه مردودٌ عليه، وأولى به أن يتنحى قبل أن يصحى، فهذا الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يُروى عنه كيف أنه كتب لأحد ولاته رسالة قصيرة يقول له فيها: “لقد كثُر شاكوك، وقلّ شاكروك، فإمّا اعتدلت وإما اعتزلت”. هذا أقلّ ما يمكن أن يقال اليوم للمسؤولين المحسوبين على الجزائر الجديدة وهم يسيرون ويسيِّرون بعقلية قديمة.
الإقالات كثرت وما قد يأتي أكثر، لأن السلطة السياسية تريد فعلا التغيير السريع والانطلاق بأقصى سرعة ربحا للوقت والرهان، لكن مثل هذه الممارسات الناجمة عن عقليات و”ثقافة التسيير الاشتراكي للمؤسسات”، التي هي الأخرى ناتجة عن “عقلية البايلك”، وعقلية “قهوة موح اشرب وروح” الرائجة والسَّائدة عندنا، يجب أن تزول بزوال المتسبِّبين فيها، من مسيِّرين ومديرين ومسؤولين، من هم ليسوا بالأهلية المناسِبة، لا ثقافة ولا حتى انخراطا سياسيا في بعض الأحيان، كون بعضهم يركب مركب الانتهازية البيروقراطية والتظاهُر بالمشي مع الموكب وهو يعطل مسير العرس بكل أشكال التعقيد والتثبيط والتسويف والإهمال بلا ممهلات.