العالم
دراسة تستشرف مستقبل البرنامج النووي الإيراني:

“العتبة النووية” تتصدر المشهد و”القنبلة” تبقى خيارا قائما

عبد السلام سكية
  • 330
  • 0
ح.م
تعبيرية

في وقت يتصدر فيه الملف النووي الإيراني واجهة الاهتمام الدولي، خصوصا بعد سنوات من العقوبات والتجاذبات السياسية والتوترات العسكرية، خلصت دراسة أعدها الباحث في العلاقات الدولية والاستراتيجية وليد عبد الحي ونشرها مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات إلى أن مستقبل البرنامج النووي الإيراني يتجه نحو أربعة سيناريوهات رئيسية، مع بقاء سيناريو «العتبة النووية» الأكثر ترجيحا خلال السنوات المقبلة.
وتؤكد الدراسة أن أي قراءة لمستقبل البرنامج النووي الإيراني لا ينبغي أن تقتصر على الجوانب التقنية المرتبطة بمستويات تخصيب اليورانيوم أو عدد أجهزة الطرد المركزي، بل يجب أن تأخذ بعين الاعتبار جملة من العوامل السياسية والأمنية والاستراتيجية، من بينها مستقبل النظام السياسي الإيراني، وموازين القوى الإقليمية، وطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، والدور الإسرائيلي، فضلا عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي.
ويرى الباحث أن إيران أصبحت اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى وضع «الدولة النووية الكامنة»، أي الدولة التي تمتلك المعرفة والتقنيات والبنية التحتية التي تسمح لها بإنتاج سلاح نووي خلال فترة زمنية قصيرة إذا اتخذ القرار السياسي بذلك، وهو ما يجعل مسار البرنامج مفتوحا على عدة احتمالات.

سيناريو التفكيك… الاحتمال الأضعف
تطرح الدراسة أولا سيناريو التخلي عن البرنامج النووي أو تفكيكه بشكل كامل، سواء من خلال ضغوط خارجية أو نتيجة تحولات داخلية في بنية النظام الإيراني. ويشبه هذا السيناريو ما جرى في جنوب إفريقيا عندما تخلت عن ترسانتها النووية، أو ما حدث في ليبيا عندما أنهت برامجها المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل.
ويفترض هذا السيناريو عودة إيران إلى مستويات تخصيب منخفضة مخصصة للاستخدامات المدنية فقط، مع إخضاع منشآتها النووية لرقابة دولية واسعة وشفافة، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية وإعادة دمجها بصورة كاملة في الاقتصاد العالمي.
لكن الدراسة تعتبر أن هذا السيناريو يواجه صعوبات كبيرة، إذ إن التخلي عن مشروع استراتيجي استثمرت فيه إيران لعقود قد يُفسر داخليا باعتباره تراجعا سياسيا واستراتيجيا، كما أن النخب المؤيدة للبرنامج النووي ترى فيه أحد أهم عناصر القوة والردع في مواجهة الضغوط الخارجية.
ولهذا السبب، ترجح الدراسة أن يبقى احتمال تحقق هذا السيناريو محدودًا جدا، ويتراوح بين 5 و10 بالمائة فقط.

«العتبة النووية»… السيناريو الأكثر ترجيحا
بحسب الدراسة، فإن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في استمرار إيران في سياسة «العتبة النووية»، أي المحافظة على قدراتها التقنية والعلمية والصناعية النووية من دون الانتقال رسميا إلى إنتاج القنبلة النووية.
ويمنح هذا الوضع طهران مكاسب متعددة، فهي تحافظ على أوراق قوة استراتيجية مهمة، وتبقي خصومها في حالة من الشك وعدم اليقين، كما تتجنب في الوقت نفسه التداعيات السياسية والقانونية والعسكرية التي قد تنجم عن إعلان امتلاك سلاح نووي.
وتشير الدراسة إلى أن إيران قد تواصل تخصيب اليورانيوم بمستويات مرتفعة، مع الاحتفاظ بمخزونات استراتيجية وخبرات متقدمة تسمح لها بالانتقال السريع إلى مرحلة التصنيع العسكري إذا اقتضت الظروف ذلك.
كما يمنح هذا الخيار إيران قدرة تفاوضية أكبر في مواجهة الولايات المتحدة والقوى الغربية، إذ يتحول البرنامج النووي إلى ورقة ضغط تستخدمها طهران في الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية.
وتخلص الدراسة إلى أن هذا السيناريو هو الأكثر احتمالا خلال الفترة الممتدة إلى غاية سنة 2030، بنسبة تتراوح بين 60 و65 بالمائة.

القنبلة النووية… خيار قائم لكنه محفوف بالمخاطر
السيناريو الثالث الذي تناقشه الدراسة يتمثل في انتقال إيران من وضع «العتبة النووية» إلى امتلاك السلاح النووي بشكل رسمي، لتصبح الدولة العاشرة في العالم التي تنضم إلى النادي النووي.
وترى الدراسة أن هذا المسار قد يصبح أكثر جاذبية بالنسبة لصناع القرار في طهران إذا ارتفعت مستويات التهديد الخارجي، أو إذا اقتنعت القيادة الإيرانية بأن امتلاك السلاح النووي هو الضمانة الوحيدة لبقاء النظام ومنع أي تدخل عسكري ضد البلاد.
ومن بين المؤشرات التي قد تدفع نحو هذا الخيار، الوصول إلى مستوى تخصيب يبلغ 90 بالمائة، وتقليص التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وزيادة إنتاج أجهزة الطرد المركزي المتطورة، واستمرار تطوير البنية التحتية النووية في مواقع متعددة.
وتشير الدراسة إلى أن جزءا من النخبة الإيرانية ينظر إلى التجربة الكورية الشمالية باعتبارها دليلا على أن السلاح النووي يمكن أن يوفر مظلة ردع فعالة ضد القوى الكبرى.
غير أن هذا السيناريو يحمل في المقابل مخاطر كبيرة، أبرزها احتمال تعرض إيران لهجمات عسكرية واسعة، أو دفع قوى إقليمية أخرى إلى السعي لامتلاك أسلحة نووية، بما يفتح الباب أمام سباق تسلح غير مسبوق في الشرق الأوسط، وتقدر الدراسة فرص تحقق هذا السيناريو بما بين 35 و40 بالمائة.

«البجعة السوداء»… المفاجأة التي قد تقلب كل الحسابات
أما السيناريو الرابع فيتمثل فيما يعرف بـ«البجعة السوداء»، أي الأحداث غير المتوقعة التي يصعب التنبؤ بها لكنها تملك تأثيرا هائلا على مسار الأحداث.
وتشمل هذه الاحتمالات حدوث انهيار داخلي في النظام الإيراني، أو وصول قيادة جديدة تتبنى توجها مختلفا تجاه الملف النووي، أو تعرض إيران لضربة عسكرية شاملة، أو حدوث تقارب استثنائي بين طهران وواشنطن يغير طبيعة الصراع القائم منذ عقود.
كما لا تستبعد الدراسة بروز متغيرات دولية كبرى، مثل تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة أو ظهور ترتيبات أمنية جديدة، بما ينعكس بصورة مباشرة على مستقبل البرنامج النووي الإيراني.

ترجيح استمرار الغموض النووي
وفي خلاصة الدراسة، يستبعد الباحث وليد عبد الحي سيناريو التخلي الكامل عن البرنامج النووي، ويرجح استمرار إيران في استراتيجية تقوم على الحفاظ على وضع «العتبة النووية» مع التلويح الدائم بإمكانية الانتقال إلى إنتاج القنبلة النووية إذا تصاعدت التهديدات الخارجية.
وترى الدراسة أن الضغوط الأمريكية والإسرائيلية ستبقى العامل الأكثر تأثيرا في تحديد اتجاه البرنامج خلال السنوات المقبلة، وأن أي ارتفاع في مستوى المخاطر الأمنية قد يدفع التيار المتشدد داخل إيران إلى تعزيز خيار الانتقال من العتبة النووية إلى امتلاك السلاح النووي.
وبذلك، يبدو أن مستقبل البرنامج النووي الإيراني سيظل محكوما بمعادلة دقيقة تجمع بين الردع والغموض والمساومة السياسية، في انتظار ما ستفرزه التطورات الإقليمية والدولية خلال السنوات القادمة.
استنادا إلى دراسة الباحث وليد عبد الحي المنشورة في مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

مقالات ذات صلة