العالم
مدير مكتب المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بباريس سلام الكواكبي لـ"الشروق":

العداء السوري لإسرائيل لن يزول بدوام الاحتلال والأولوية لإعادة الإعمار

عبد السلام سكية
  • 1160
  • 0
ح.م
مدير مكتب المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بباريس سلام الكواكبي

تزامنا واستمرار حرب الإبادة الصهيونية في غزة، برز تطور هام للغاية في المنطقة، هو سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، بعد تحرك مفاجئ للمعارضة، الأمر الذي فتح المجال لـ”طوفان” من الأسئلة عما حدث وما سيحدث.
في هذا الحوار مع الدكتور سلام الكواكبي، مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس وحفيد المفكر “عبد الرحمن الكواكبي”، يعود بالتفسير والتحليل إلى أسباب الانهيار المفاجئ لنظام الأسد، ويقدم قراءة موسعة عن التطورات التي ستكون عليها سوريا في ظل حكم “أحمد الشرع” وعلاقات دمشق الخارجية.

كيف يمكن تفسير الانهيار المفاجئ لنظام بشار الأسد في أقل من أسبوعين؟

النظام منهار منذ بدء الثورة السلمية سنة 2011، وحتى قبل تحولها إلى مقتلة استخدمت خلالها أشرس أسلحة القتل بحق المدنيين من براميل ديناميت إلى الأسلحة الكيماوية. أي نظام يختار قتل عشرات الآلاف من مواطنيه هو منهارٌ في المبدأ. ولجوئه للقوة الغاشمة ما هو إلا سعي لإطالة ديمومته التي اعتمدت على دعم خارجي روسي وإيراني (مع مرتزقة من الطرفين). منذ قيام انقلاب حافظ الأسد سنة 1970، تم تدمير الجيش الوطني لحساب أجهزة الأمن خوفا من خطر انقلاب عسكري. وبالتالي، صارت عقيدة الجيش هي حماية النظام الأسدي وليس الوطن السوري. أضف إلى ذلك، الفساد المتفشي في كل مفاصل البلاد والجيش من أبرز مواطن الفساد. الجندي السوري لا يقاتل عدوا خارجيا يحتل أراضيه كالعدو الصهيوني، بل مطلوبٌ منه أن يطلق النار على شقيقه وأخيه وجاره السوري. لم يقاتل أحد فعلياً خلال هجوم المتمردين وأخلى الضباط والجنود مواقعهم تاركين كل العتاد والذخيرة وراءهم. الدبابات والعربات لا يمكن استخدامها لأن وقودها بيع في السوق السوداء من قبلهم مسبقا. كما لعب انسحاب قوات روسيا وإيران السابق لهذا الهجوم دورا مساعدا.

هل يمكن التسليم بما يقوله “أحمد الشرع” أو “أبو محمد الجولاني” كما عُرف سابقا، بأن الذي حصل هو عملية تدبير داخلي من المعارضة دون وجود طرف أجنبي ساعدهم في ذلك؟
المبادرة بالهجوم سورية بحتة وهذا لا يعني أن العملية بعد انطلاقها لم تُدعم إقليميا. فوجئ الجميع بها وعلى رأسهم تركيا. وفي بدايتها اعتقد الجميع بأنها محدودة لتحسين الموقع التفاوضي والعودة إلى حدود اتفاق الاستانة سنة 2019 الذي انتهكه النظام. لكن سهولة التقدم وتقهقر قوى النظام وعصابات شبيحته دفع بالمتمردين إلى الوصول حتى دمشق. هذا الجانب مطمئن بالمقارنة مع التجربتين الليبية والعراقية، حيث كان العامل الأساسي في قلب نظام هاتين الدولتين هو الغزو الخارجي.

هل من ملاحظات رصدتها بخصوص الطرف الحاكم الآن في سوريا؟
من المبكر وضع الملاحظات النهائية. ولكن مبدئيا هناك انضباط نسبي مشجّع كما أن هناك انفتاحا على المجتمع المدني وتعاملا هادئا مع بعض المظاهرات الاحتجاجية التي خرجت دفاعا عن قيم العلمانية وحقوق المرأة. إضافة إلى هذا وذاك، لم تقع عمليات انتقام تذكر كما كان يُخشى، خصوصا أن النظام أقحم السوريين في معارك داخلية سببت شروخا اجتماعية عميقة بين مختلف المكونات الاثنية والدينية والمذهبية. النقطة السلبية الأبرز تكمن في استئثار هيئة تحرير الشام بكل المناصب السياسية والأمنية والعسكرية. ومدة الثلاثة أشهر المحددة لعمر هذه المجموعة الحاكمة الجديدة تعطي قليلا من الاطمئنان حول انفتاحٍ أوسع ومؤتمر حوار وطني جامع.

هل تسلم بفكرة أن الذي حصل هو واحد من ارتدادات طوفان الأقصى، أم أن الحدثين منفصلان تماما؟
ليس من ارتداداتها وليسا منفصلين تماما. بالتأكيد فإن انسحاب ميليشيات حزب الله من سوريا لتعزيز دفاعاته في جنوب لبنان لعب دورا هاما.
هذه الميليشيات التي كان جل السوريين يعظّمون دورها في مقارعة الصهاينة، اعتبرت أن طريق القدس تمر عبر الشمال السوري. ومنذ ذاك الوقت، فقدت كل مصداقيتها، أضف إلى أنها اخترقت تماما إسرائيليا منذ تدخلها عسكريا في الشأن السوري عبر منظومة الفساد الأمنوقراطي السوري.

لماذا التركيز على شخصية الشاب احمد الشرع مقارنة بفواعل أخرى في المعارضة؟
الإعلام يبحث عن نجوم في كل الحقول. وهنا وقع على شخص لديه كاريزما ومخطط متمكن وشاب. وككل مرحلة أولى، فهناك حاجة لرمزية ما. هذا الأمر لا ضرر فيه في المطلق، ولكن يجدر بها أن لا تتحول إلى عبادة الفرد التي عاش في كنفها المظلم السوريون منذ 1970.

ما هي انعكاسات تغير النظام السياسي السوري على علاقات سوريا الإقليمية والدولية؟
من المبكر تصوّر خريطة العلاقات الإقليمية والدولية على الرغم من كثافة الزيارات لممثلي الدول والمؤسسات الدولية للتعرّف على حكام دمشق الجدد.
من المؤكد أن العلاقات مع تركيا ستكون استراتيجية وسيغلب عليها الجانبان الاقتصادي والاستثماري. أما بقية الجيران، فستتطور العلاقات مع الأردن حتما، أما مع العراق ولبنان، فمستقبل العلاقات تحكمه تصرفات حكومات هذين البلدين فيما يتعلق بتركة النظام السابق وبالأموال الطائلة المسروقة من الشعب السوري والتي وجدت طريقها إليهما عبر فرار بعض المسؤولين عن عمليات القتل والتعذيب وعن الفساد الممنهج الذي كان قائما.
وسيكون على النظام الجديد أن يبني علاقات متوازنة يسودها الاحترام المتبادل وعدم التدخل مع جميع الدول العربية وغير العربية. أما فيما يخص الكيان الصهيوني، فسيبقى محتلا غاصبا لا يمكن أن تتغير النظرة إليه ليس لدى الشعب السوري فحسب، بل لدى القيادة السياسية السورية الجديدة أيضا.

هل سيكون النظام إسلاميا أم علمانيا أم ديموقراطيا يقبل التنوع بداخله؟
تحديد شكل النظام سيكون من مهام مؤتمر وطني جامع يجري التحضير له منذ الآن ويجب على جميع القوى السياسية والمجتمعية أن تشارك به دون تهميش أو إقصاء لأي منها. وأهم مؤشرات نمو الوعي السياسي هو النجاح في عملية إدارة التنوع. وأعتقد بأن الجميع واعٍ بهذا الأمر.

هل سيتم استبدال الوجود الروسي والإيراني العسكري بقوات غربية والانضمام إلى تنسيق صامت مع الناتو؟
التدخلات الأجنبية من أي نوع ومن أي صوب فيها إساءة للمسار التحرري الوطني ولبناء المؤسسات ونشر الطمأنينة. لا أعتقد بأي رغبة لوجود عسكري غير سوري لدى جميع الوطنيين السوريين.

ما دلالة مسارعة إسرائيل لتحسين مواقعها العسكرية والتمدد في الجولان وبشكل فوري؟
إسرائيل، ومنذ توقيع اتفاقية فض الاشتباك مع نظام الأسد الأب سنة 1974، كانت تنام في طمأنينة عميقة تجاه حدودها مع سوريا. فطوال هذه السنين، كانت حدودها مع سوريا هي الأكثر أمانا ولم يطلق عبرها عيار ناري واحد. ولا نزال نذكر قول آرييل شارون والذي ردده جميع من خلفه في تل أبيب بأن “الجنرال الذي نعرفه يبقى أفضل من الجنرال الذي لا نعرفه”.
وكان هذا جوابه على وجود رغبة إسرائيلية بتغيير نظام الحكم في سوريا. فور انتصار المتمردين، بدأ الكيان الغاصب بقصف مواقع عسكرية ومخازن أسلحة. كما بدأ بالتمدد داخل الأراضي السورية خوفا، كما صرّح علانية، من استخدامها من قبل حكام دمشق الجدد. لطالما عادت إسرائيل مشاريع التحول الديمقراطي في الدول العربية لأنه ستعكس رغبات الشعوب العربية.
هذه الشعوب التي ما زالت ترفض التطبيع ما دام هذا الكيان مغتصبا لحقوق عربية ومحتلا لأراضٍ عربية.
إذاً، العداء لإسرائيل لن يزول بدوام الاحتلال، ولكن الأولوية اليوم هي لإعادة إعمار الوطن والمواطن بعد سنوات المقتلة التي دمرت الحجر والبشر.

هل تتوقع حدوث توافقات مع أمريكا بمعنى آخر مقايضة رفع الاسم من قوائم الإرهاب مقابل تنازلات تضيق وتتسع طبقا للإمكانيات المتاحة للنظام الجديد؟
عملية رفع الاسم بدأت وما زيارة معاونة وزير الخارجية الأميركية ولقاءها بالشرع إلا ترجمة واضحة لهذا الانفتاح. بالتأكيد، سيتم ربط تعزيز التعاون في عملية البناء بإجراءات مطمئنة من قبل الجانب السوري خصوصا فيما يتعلق بالحياة المجتمعية اليومية.

ما قدرة الأكراد على التطور في شمال البلاد؟
هناك فرصة ثمينة لحل هذا الملف وتجري مفاوضات بين الجانبين ومن المهم أن يكون القرار الكردي كرديا سوريا ولا علاقة له بمشاريع إقليمية كمشروع حزب العمال الكردستاني.
حقوق الأكراد المنتهكة منذ عقود إداريا وسياسيا وثقافيا يجب أن تكون في أولويات العاملين على هذه المباحثات.

مقالات ذات صلة