المسرحي والسينمائي الإفريقي الكبير، داني كوياتي، في حوار لـ "الشروق"
“العفو لا يداوي كل شيء ولكنه يدفع ببعض الأشياء إلى الأمام”
داني كوياتي
البوركينابي داني كوياتي، هو اليوم أشهر مخرج مسرحي وممثل سينمائي في إفريقيا، نقل عشقه للجزائر من العاطفة إلى الواقع عبر مشاركته في فيلمي بوشارب “السنغال الصغير”، و”نهر لندن”، الذي مكنه، وهو في خريفه الثاني والسبعين، من الظفر بجائزة أفضل تمثيل في آخر دورات مهرجان برلين السينمائي.
-
-
لم يتخلف عن مشاركة الجزائر في فرحتها بالمهرجان الإفريقي رغم مرضه، وعرض أول أمس بالموڤار رائعته المسرحية “سانجاتا”..”الشروق” التقته وأجرت معه دردشة أدركت بعدها بأن لقب “حكيم إفريقيا” لم يطلق عليه مبالغة ولا جزافا.
-
-
* لعبت دور البطولة في “نهر لندن” للمخرج الجزائري رشيد بوشارب..ألا تعتقد بأن هذا العمل وبالرغم من نجاحه لن يتخلص من عقدة “الموضوع الأمني” وعلاقة المسلمين به؟
-
الفيلم في اعتقادي يعالج موضوعين أساسيين، يتعلق الأول بضرورة أن يبادر الأفارقة إلى معرفة نظرة الآخر إليهم، لماذا هي سلبية؟ وما هي خلفيتها؟ فعكس ما عودتنا عليه السينما من رواية لقصص أفروأمريكيين يعودون إلى قارتهم بحثا عن جذورهم فإن بطل “نهر لندن” يسافر إلى لندن، وهو في خريف عمره، من أجل التعرف عن قرب على ما حلّ بالأفارقة بعد الهجمات الإرهابية التي هزت العاصمة البريطانية في 2005، أما الموضوع الثاني فيعري أزمة التواصل بين البشر.. حقيقة أن إفريقيا هي المتضرر الأول من هذه الأزمة، لكنها ليست وحدها المعنية بسؤال الهوية.
-
-
“نهر لندن” كانت تجربتك الثانية مع بوشارب بعد “السنغال الصغير”.. كيف تقيّم عملك مع هذا المخرج الجزائري؟
-
أول تجربة لي مع بوشارب كانت في “السنغال الصغير”، وحينها بهرنا بعشقه للحوار وانفتاحه على الآخر، فلم أكن قبلها قد تعاملت مع مخرج يطلب رأيي في كل شيء، قلت حينها في قرارة نفسي، هذا الرجل يحمل نفس قناعاتي ولا بد لي أن أخوض معه تجارب أخرى، وعملا بالمثل الإفريقي القائل “إن كنت تحبني عد بي إلى الماضي”، سعدت كثيرا عندما جدد الاتصال بي بعد ثماني سنوات ولم أتردد في قبول المشاركة في “نهر لندن”.. كانت تجربة رائعة، كان التناغم سمتها الأساسية وبالرغم من كل المشاكل التي واجهتنا في بريطانيا من سوء أحوال الطقس ومعارضة بعض السكان القريبين من أماكن التصوير إلا أن الفرح كان في الموعد.
-
-
-
* هل صحيح أنك وقبل أن تحترف الفن كنت لاعب كرة قدم؟
-
في بداية الستينيات كنت لاعبا في المنتخب الوطني البوركينابي لكرة القدم، كنت لاعبا جيدا، وكان المسرح آخر ما أفكر فيه، لكنني خضت التجربة بداية من 1966، بدعوة من المخرج بوبكر ديكو، الذي كان يقول لي “اسمع أنت أحسن من يجيد المسرح لأنك متخرج من المدرسة الأكثر ثراء..مدرسة الحياة والشارع”، و كان دافعي إلى هذه التجربة عشقي للقاء الآخرين، وقناعة مني بأن لقاءاتنا مع الآخرين هي التي تمكننا من معرفة ما نجهل..
-
-
* تشتهر بدفاعك المستميت عن نشر ثقافة العفو في إفريقيا.. ما هي دوافعك إلى ذلك؟
-
العفو لا يداوي كل شيء ولكنه يساهم في الدفع ببعض الأشياء إلى الأمام، ثم هل يوجد في الحياة خطأ لا يمكن العفو عنه؟، وهل الشر هو شر مائة بالمائة أم أنك لو بحثت جيدا لوجدت فيه شقا صغيرا أمكن من خلاله الاقتراب من الخير؟
-
-
* توصف بـ “المتحدث باسم إفريقيا”.. مسؤولية ضخمة، أليس كذلك؟
-
لنكن متواضعين فإفريقيا شاسعة، مساحتها تعادل مساحة الصين والأرجنتين والولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا مجتمعة، ومن الغرور الادعاء بأنك وحدك تستطيع الحديث باسمها، لكنني أناضل من أجل الكلمة، أشعر بواجب المشاركة في دعوة الغرب إلى معرفتنا أكثر، وإلى دعوة بعض الأفارقة إلى معرفة أنفسهم، فأنت عندما تنسى ثقافتك إنما تنسى نفسك، وفي هذا تردني حكمة إفريقية قديمة تقول “يوم أن تنسى إلى حيث أنت ذاهب، تذكر من أين أتيت”.