منوعات
كتاب يبحث التحديات الأمنية والمستقبل القومي

“العقيدة العسكرية الجزائرية  في قرن يتسم بالخطورة”

الشروق أونلاين
  • 2689
  • 0
ح.م

في كتاب “العقيدة العسكرية الجزائرية : القيادة والإستراتيجية في قرن يتسم بالخطورة”، الصادر قبل فترة قليلة عن دار الحامد الأردنية، يجتهد الخبير الأمني وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة البليدة، الدكتور نسيم بلهول في التعريف بالتحديات التي يجب أن يعد الجيش الجزائري نفسه لمواجهتها، كما يتناول عناصر أخرى من قوانا العسكرية القومية، وليس فقط قوات الجيش الوطني الشعبي.

ذلك أن تعقيدات المناخ الحالي للأمن القومي الجزائري، بحسب المؤلف، تتطلب إعادة تقييم المهام داخل الجيش الوطني الشعبي، واحتواء متطلبات العمليات بصورة شاملة، والحفاظ على أهم مبادئنا العسكرية، عند تعديلنا لمنظماتنا وتطويرنا لقيمنا، لأفضل مواجهة للتحديات المنتظرة. ولذلك فهذا الكتاب ليس محاولة لتقديم حلول لكافة التحديات التي يحتمل أن يواجهها الجيش الجزائري، وإنما محاولة للانضمام لحلقة البحث والنقاش حول موضوع العقيدة العسكرية الجزائرية.

كيف وصل جيشنا إلى هنا وأين يجب أن يذهب؟

يقول الكاتب في مقدمة عمله البحثي إن الانتشار السريع للتكنولوجيا، والنمو المتعدد للعوامل الدولية، وتداعيات العولمة المتزايدة وتزايد الاعتماد الاقتصادي المتبادل، قد تضافرت لخلق تحديات شديدة التعقيد للأمن القومي.

وسوف يتوجب على الجيش الوطني الشعبي، من أجل مواجهة تحديات الأمن الوطني في المستقبل، أن يوجد القدرة اللازمة للمشاركة بشكل كامل في العمليات العسكرية دون الحرب. كما سيتوجب على الجيش الوطني تبني مفهوم بناء الأمة، ليس فقط من الناحية النظرية ولكن بشكل كامل.

ذلك أن احتمال فقدان القوة الدافعة للتغيير في هذه الحقبة الجديدة للنزاع، من خلال نشر القوات على الحدود الوطنية وترتيب الأوضاع السياسية بوجهة نظر قصيرة المدى، والممانعة الطبيعية من جانب القوات المسلحة الجزائرية للمشاركة الفكرية التي تتجاوز البنية الخطية للحرب، هو احتمال حقيقي.

وعلاوة على ذلك، فإنه بينما يقوم الجيش الوطني بمحاولة تحسين قدراته في مجالي الدفاع الوطني والحرب غير الخطية، يكون على القوات المسلحة الجزائرية المحافظة على قدرتها على هزيمة التهديدات العسكرية التقليدية وردع ظهور فواعل من دون الدولة أو منافسين إقليميين أقوياء.

ويكون التحدي هو أن يجد الجيش الوطني التوازن الصحيح دون محاولة الوصول إلى الجدارة في الكثير من المهام المحتملة مما لا يمكن الجيش الوطني من أداء أي منها بشكل جيد، بحسب المؤلف.

تطوير ثوابت الجيش الثقافية

من جهة أخرى، يؤكد نسيم بلهول أنّ التحول لا يتعلق فقط بالتكنولوجيا والبرامج، حيث إن العوامل الثقافية والفكرية للتحول أكثر أهمية من السفن والطائرات الجديدة والأسلحة ذات التقنية المتقدمة.

ولعل الشيء الأكثر أهمية الذي يتوجب على الجيش الوطني الشعبي القيام به للاستعداد لمستقبل يتسم بالخطورة هو تغيير ثقافة جاهزية أمننا القومي وزيادة الجهود لتوعية المواطن الجزائري.

إعادة تحديد أدوار  ومهام الجيش

ومن أجل تحسين قدرة الجيش على تحقيق النجاح في ميدان القتال الحديث المعقد، تحتاج القوات المسلحة بشدة إلى القيام بإعادة النظر بجدول من الأعلى إلى الأسفل لأدوار ومهام كافة عناصر قواها القومية.وهي تتضمن مساهمة كل قطاع في تحقيق التأثير الدبلوماسي والمعلوماتي والعسكري والاقتصادي الجزائري.

استكشاف البيئة المعلوماتية

وأضاف المؤلف أنه من الوجهة الإستراتيجية، قامت عمليات الإرهابيين بالانتقال من نمط الحملات العسكرية المدعومة بعمليات المعلومات إلى حملات للاتصالات الإستراتيجية المدعومة بعمليات حرب العصابات والعمليات الإرهابية.

وعليه قد يكون العامل الأكثر حسما الذي سوف يقرر الفائز في الصدامات المسلحة الحالية والمستقبلية، هو أي من الجانبين يمكنه الحصول على ميزة متماسكة في البيئة المعلوماتية الشمولية الممتدة في جميع أرجاء الأرض، قريبا من وبعيدا عن “الخطوط الأمامية”.

عمليات المعلومات

وأوضح المؤلف أنه بالنسبة إلى الكثيرين في الغرب، تعتبر عمليات المعلومات التي تتضمن أية عناصر خداعية أو دعائية لعنة على الديمقراطية وتهديدا للصحافة الحرة، وبينما يكون ذلك بحق خطا أحمر عندما تسيء حكومة ما، أو جيش ما، استخدام المعلومات، إلا أن عمليات المعلومات تعد عنصرا أساسيا من عناصر إستراتيجية المعلومات لدى الجيش الوطني الشعبي، وعلى هذا الأخير مواصلة العمل على تحسينها.

ويجب عليه أيضا إدراك كون مصطلح العمليات النفسية مفارقة تاريخية لا بد من استبدالها بمصطلح عمليات المعلومات الأقل عدوانية.

وبصرف النظر عن القيمة التي يسبغها الجيش الوطني على عمليات المعلومات، فقد بيّنت التهديدات بشكل جلي أن مفتاحه لتحقيق النصر هو تحقيق السيطرة في هذا الخط الحيوي للعمليات، يقول بلهول.

علاقات الشؤون الخارجية ووسائل الإعلام

كما يؤكد الباحث على أن التغطية الإعلامية القومية والإقليمية لعمليات الجيش الوطني العسكرية ولأنشطة التهديدات تعد بالغة الأهمية لنجاح الجيش الوطني في البيئة المعلوماتية الإقليمية. ويعتبر ذلك على وجه الخصوص صحيحا في بيئة الأخبار المتواصلة على مدى 24 ساعة يوميا.

ومن أجل التعامل مع هذا الموقف، يتوجب على قيادة الجيش وضع حلول لتحسين عملية دخول وسائل الإعلام إلى ميدان القتال وحضور أنشطة القوات المسلحة، دون التضحية باستقلال وسائل الإعلام أو أمن العمليات العسكرية. ويمكن أن يتضمن ذلك أفعالا بسيطة نسبيا، مثل تسهيل الترخيص للصحفيين ونقلهم إلى نطاق العمليات القتالية، وتقديم الدعم اللوجيستي المتزايد للمعاونة في تحمل النفقات المتصاعدة.

ويمكن أن يتضمن أيضا أساليب أكثر تعقيدا، مثل تشجيع وسائل الإعلام في تصميم السياسات المعلوماتية وإقامة جدران النيران التي تعالج ما يقلق بخصوص عمليات المعلومات المؤثرة في الشؤون الداخلية والخارجية.

ومن المهم أيضا، رغم ما تدركه قيادة الجيش في بعض الأحيان على أنه معاملة غير عادلة من قبل وسائل الإعلام، أن تفهم وتدعم الدور الحيوي الذي يؤدوه في نقل حقائق عمليات الجيش الوطني القتالية أو سلوكات عسكرية من دون الحرب إلى الداخل والخارج.

التدريب وتطوير القادة

كما على قيادة الجيش الوطني الشعبي، يضيف المؤلف، أن تطور الثقة من أجل منح السلطة لهؤلاء الذين ترسلهم للقيام بتلك العمليات المعقدة بما يتناسب مع المسئوليات الملقاة على عاتقهم، ولن تأتي تلك الثقة إلا بالانتقاء والتدريب للأشخاص المناسبين.

ويجب على قيادة الجيش الوطني، في المناخ الحالي المعقد ودائم التغير، حيث تتشابك مستويات التهديدات بشكل متزايد أن تطور القيادة الميدانية على جميع المستويات، من الوحدة الصغيرة حتى المستوى الإستراتيجي والسياسي، ممن هم أذكياء ومتطورون بما يكفي للقيام بإجراء التعديلات المطلوبة.

وعلى القيادة أن تسأل نفسها لماذا أفرز نظام الجيش الوطني الحالي بعض القادة الذين يبدو أنهم قد تلاءموا بصورة حسنة مع تعقيدات التهديدات الحديثة، مع وجود غيرهم ممن لم يفعلوا ذلك. وما الذي يمكنها فعله من أجل تحسين جودة القيادة المطلوبة على جميع المستويات، مثلما يسأل المؤلف.

كما يكون عليها أيضا أن تضمن أن القيمة التي تسبغها على الخبرة الأوسع (مقابل الخبرة العسكرية التكتيكية التقليدية) تنعكس بصورة فعلية على أولئك القادة الذين تنتقيهم من أجل التقدم المستمر.

التدريب على المهام الخطرة

قبل سبتمبر 2001، كان قد كتب الكثيرون عن الحرب غير المتسقة أو النظامية، وميدان المعركة غير الخطي والحاجة إلى تدريب قادة يمكنهم عمل التزامن للقوى القتالية تحت ظروف غير مؤكدة وبدائية.

وعليه يقول الكاتب، يجب أن تواصل القوات المسلحة الجزائرية التحديث وتوسعة  برامجها للتعليم والتوعية، وهذا يعني توسيع مناهج تعليم المدارس الرسمية من أجل التكيف مع البيئة العملية الحديثة والمعقدة، مع زيادة الفرص والمنح للقادة حتى يؤدوا ما يكلفوا به خارج التشكيلات العسكرية التقليدية.

وبالإضافة إلى ذلك، على القيادة العسكرية الجزائرية توفير الفرص الممتدة لأعضاء تشكيلات القوات المسلحة للعمل بشكل روتيني، ويمكن لهؤلاء الأعضاء زيادة مداركهم فيما يتعلق بما يمكن أو لا يمكن للقوات المسلحة الجزائرية المساهمة فيه بالنسبة للحلول الخاصة بالأمن القومي الجزائري.

وبغرض مناقشة كون هذا النوع من التدريب المتقاطع يدمر “ثقافة المحارب”، قال المؤلف إن التعرض الواسع لتجارب خارج نطاق العسكرية التقليدية يمكنه فقط أن يساعد القادة الميدانيين في عملهم في عالم متشابك بصورة متزايدة.

الحفاظ على الامتياز الإقليمي

ويعتقد الباحث بلهول الجيل الحالي من الضباط وضباط الصف والأفراد المجندين لمهام الدفاع الوطني استجاب في وقت الأزمات وفعل ما لم يفعله إلا القليل في التاريخ الجزائري العسكري، فتطوعوا للخدمة في جولات دفاعية عالية الإجهاد ومتعددة.

ومع ذلك، ومع وجود احتمال للمقاومة والتصدي للتهديدات المتعددة لا تبدو لها نهاية في الأفق، فإن الجيش الوطني الشعبي قد يكون على وشك الوصول إلى نقطة سوف يجد فيها، حتى الجزائريون الأكثر وطنية، أنفسهم غير قادرين على مواصلة الخدمة.

وعند النظر في تنشئة الجيل القادم من قوات الجيش الوطني، يجب أن تكون القيادة العسكرية حريصة كل الحرص على استخدام وإبقاء قدامى محاربي الجيش الوطني الذين ينبئون بتحقيق النجاح في بيئات العمل المعقدة اليوم وغدا.

وإذا وقعت القوات المسلحة الجزائرية في فخ تخفيض معايير الاستخدام والإبقاء من اجل تحقيق الأهداف العديدة وتلبية المتطلبات قصيرة الأجل، فإن الأمة الجزائرية سوف تدفع الثمن غاليا، بحسب المؤلف.

النظر إلى المستقبل

لقد تعلم الجزائريون، وتعلموا جيدا أن مأساة الأسلحة الجزائرية، على أية حال، هي وجود نقص في الحس التاريخي، فالجزائريون أحيانا ينسون بنفس سرعة يقظتهم.

وبالرجوع إلى السجل غير المتسق للأمة الجزائرية عندما تعيد تنظيم قواتها عقب فترات الأزمات القومية، نجد، والكلام للمؤلف، أن الوقت قد حان لبدء مناقشة  كيفية قيام عقيدة عسكرية قومية للاستعداد لمستقبل خطير.

إن هذا الغرض لا يشكل تحديا للجيش والقوات المسلحة وحدهما: إنها ضرورات قومية على قيادة الجيش الوطني التعامل معها لضمان الأمن القومي الجزائري في المستقبل.

وبلا شك، قد يود بعض الناس نسيان أزمات الجزائر الإقليمية، وهم يريدون أن تسحب القوات المسلحة نفسها من الداخل نحو الخارج على وجه السرعة وتوريط الأمة الجزائرية في اشتباك إقليمي معقد. لذلك ينبغي على قيادة الجيش الوطني وفي نفس الوقت إعداد قوات مسلحة وعناصر قوى الجزائر القومية الأخرى للقيام بالنطاق الكامل للعمليات الأمنية السيادية ضد تهديدات أثبتت أنها تماثل الجيش الوطني الشعبي الجزائري من حيث التكيف بصورة كاملة، بل وتتفوق عليه في استغلال التقنيات الحديثة في بعض الأحيان.

إن هذا هو التحدي الأساسي لقيادة الجيش كما تعرف من تجاربها الأخيرة في زمن المعضلات الأمنية الإقليمية المستمرة.

وبحسب الكاتب فإن القوات المسلحة الجزائرية ومؤسسات القوى القومية الجزائرية ليس لديها ميزة اختيار الوقت الذي سوف تدعى فيه وطبيعة مهمات الدفاع عن مصالح الأمة الجزائرية وتعزيزها. غير أنه لديها، رغم ذلك، الفرصة للمساعدة في تقرير كيف سوف تؤسس عقيدة الأمن القومي الجزائري للتعامل مع عالم متزايد الخطورة. ومن المهم الآن أن نعجل بمناقشة كيفية إعداد الجيش الوطني الشعبي لهذا المستقبل على أفضل وجه وفق عقيدة عسكرية قومية تليق ووضع الهيبة الإستراتيجية العسكرية الجزائرية إقليميا، مثلما يؤكد الخبير الإستراتيجي نسيم بلهول.

مقالات ذات صلة