الشروق العربي

العلامة الطاهر آيت علجت.. رجل بميزان أمة!

صالح عزوز
  • 2624
  • 0

نعطر موضوع الغلاف، لهذا العدد، بقامة من قامات الجزائر.. كان بالأمس فذا، ولا يزال كذلك. اسم تنحني له الرؤوس احتراما، وترفع له القبعات تقديرا، وتبجله كل الأجيال، جيلا عن جيل. لم يصنع اسمه من سفاسف الأشياء، ولا من حطام الأضواء، ولا من مشاحنات على الأوراق.. لم يبحث عن شهرة ولا مال ولا سلطان.

بقي ذلك الرجل المتواضع قولا وفعلا وخلقا، عطر حديثه يزكم الأنوف، وصمته في حضرة الضوضاء علاج لكل الفتن. الجلوس في حضرته شرف، والأخذ من شلال علمه برهان. اخترنا هذه المرة السير في ظل مسيرته، التي تجاوزت قرنا من الزمن. ورغم هذا، لم يخدشها حطام الدنيا، من مال ولا امتداد، ولا قربه من السلطان، بل بقي محافظا على عهده الذي تعهد به منذ الصغر، ولا يزال يعلقه فوق جبينه، وقد اشتعل رأسه شيبا، وانحنى قده، وبقي نور محياه يحاصر الجالسين حوله.

كانت بداية حياته منذ أن جاء إلى الحياة، سنة 1917، أن جلس إلى خير كلام وخير حديث، فحفظ القرآن منذ الصغر، في زاوية جده، وسار على درب أسلافه وممن سبقوه إلى الحياة، أتقن اللغة العربية ومبادئها وأصولها، حتى تمرس فيها، بعدما انتقل إلى قسنطينة، مهد العلم والعلماء.. فكان صادق القول والفعل، سائرا بين صدق الحديث وترجمة الفعل. فقد كان مستقيم الخلق منذ صغره. كما جلس إلى العلامة، الشيخ عبد الحميد بن باديس. فلا عجب، إن تقلد منصب عالم في ما بعد.

بعد التحصيل العلمي الغزير، والقدرة على التسيير والتربية، تفرغ للعلم والتربية والتدريس، فنزح إليه الطلاب من كل حدب وصوب، طلبا في علمه، والأخذ من غزارته. وأصبح قبلة الطلاب من كل أنحاء الجزائر. وهي شهادة كافية على رصانته ونقاء سريرته. أحدث زوبعة في العلم والتربية. وكان من نتائج النظام التدريسي، إن صح القول، الذي فرضه، أن تفوق على كل من جلس إليه في كل مدرسة يدرس فيها، بل في جامع الزيتونة. فأخرج إلى الوجود عقولا نيرة، وشخصيات فذة، متمرسة في التربية والخلق، ساروا بعدها في دروب العلم والمعارف، وشقوا طريقهم في مسالك البحث والتجريب، ورسخ فيهم حب المعرفة والاطلاع.

لقد أسس لميلاد عهد جديد في التعليم والتدريس، في تلك الفترة، يضاهي في شأنه ورفعة سمعته الجامعات الإسلامية اليوم، خاصة حينما أعاد ترميم زاوية جده، التي دنسها المستدمر في تلك الفترة، بعدما كانت مهربا للثوار، وتحولت بعد ذلك إلى قبة بيضاء، تجذب الطلاب إليها، كما ينجذب الحديد إلى المغنطيس. واتسعت رقعة طلابه، ولامست كل الأقطار. وتخرج على يديه صناع الحياة وقواد في كل المجالات. استطاع بذلك أن يصنع جيلا جديدا، تربى على يده، وفطمه على الفضيلة وحسن السلوك. وكان بحق قائدا، لا بالسلاح، لكن بالقلم ونور العلم، وهو قمر يقتدى به في الليالي الظلماء.

عالم رباني وثائر ضد المستعمر

لم يــتأخر عن نداء الواجب. لذا، شارك في الثورة الجزائرية، وكان رقما فيها، وأوكلت إليه مهمة التنقل بين القرى والمداشر، كقاض شرعي يفصل في عديد القضايا، التي كانت تطرح عليه، بل أكثر من هذا، فقد شارك إلى جنبه العديد من الطلاب، الذين درسوا على يديه، وكانوا شهداء من أجل الوطن، ثم رحل إلى تونس بطلب من الثوار الجزائريين، على رأسهم الشهيد العقيد عميرش، من أجل الإشراف على تعليم الجزائريين هناك، ثم انتقل إلى ليبيا، وعين عضوا في جبهة التحرير الوطني. وكان بذلك شخصية راقية بين كل الثوار، للنصح والإرشاد والتعليم، يرتحل أينما تطلبت مساعدته أو مشورته، وكان معينا للثوار والطلاب، زرع فيهم حب الوطن والجهاد، والذود عن الشرف وكره المستعمر، والعمل بما أمر به الله، والابتعاد عما نهى عنه، زرع فيهم صلاح السريرة قبل صلاح الظاهر، فقدم للجزائر جيلا من الطلاب صلب العزيمة وشجاعا.

لقد كان الشيخ العلامة بمثابة مصباح نور، في تلك الفترة، ولا يزال إلى حد الساعة، رغم مرور السنوات. أضاء الكثير من الأماكن المظلمة. ويكفيه فخرا وعزة، أنه كان يحمل نور العلم والمعرفة والعلم الرباني، بأدق التفاصيل. وسار بين الأجيال يسقي كل من جلس إليه خير كلام، ويربيه على حسن خلق.

إكمال مسيرة التربية والوعظ بعد الاستقلال

تقلد بعد الاستقلال منصب أستاذ، لما له من علم غزير ورأي سديد وحسن تسيير، فأوكلت إليه مهمة مربي جيل ما بعد الاستقلال، بعدما كان مربي جيل الثورة. فكان، بذلك، حلقة وصل بين جيلين مختلفين في الظروف والمعطيات، غير أنه بقي مجتهدا وحريصا على رسالة واحدة، وهي الرسالة الربانية في كل أشكالها، ينصح ويرشد ويهدي إلى الطريق المستقيم. بعد مسيرة مربي أجيال في المدرسة، وبطلب من وزارة الشؤون الدينية، عاد إلى الدعوة والوعظ والإرشاد، عبر النشاط المسجدي. كما يعد من بين المؤسسين لرابطة الدعوة الإسلامية، وبقي بذلك في أعلى منبر، وهو منبر الدعوة الربانية، عبر كل ما كان يقدمه، سواء إبان الثورة أم بعد الاستقلال.

الحديث عما قدمه وما ألفه، لا يمكن حصره في المؤلفات المرسومة وكذا المكتوبة الملموسة، بل حتى في ما اجتهد عليه منذ الصغر، وهو نشر العلم والمعرفة، وتقديم النصح والرشد للشباب، خلال سنوات طويلة. غير أنه يجب علينا الجلوس إلى بعض مؤلفاته، ولو بالذكر فقط، على غرار مختارات شرح الموطإ، وتسجيل صوتي لشرحه رسالة ابن أبي زيد القيرواني، وتقريظ لكتاب ملتقى الأدلة الأصلية والفرعية الموضحة للسالك، بالإضافة إلى هذا، ترتيب الفروق، شرح متن الرحبية، شرح كتاب الرسالة لابن زيد القيرواني- رحمه الله- وشرح متن الرسالة إلى باب الضحايا.

إن الحديث عن شخص العلامة الجليل، محمد الطاهر آيت علجت، كمثل الاغتراف من ماء البحر، فلا يمكن للقلم أن يخط مسيرة هذا العلامة، ولا الصفحات قادرة على تدوين مسيرته، التي كانت مسيرة في الدعوة إلى الله، بكل الأشكال، سواء إبان ثورة التحرير أم بعد الاستقلال. فبمجرد ذكر اسمه بين الحضور، ترتفع الأعين إلى السماء، حمدا لله على وجوده بيننا، وفي هذا الوطن، وهو بركة الجزائر، كما يعبر عنه الكثير ممن أحبوا العلامة، حتى ربما دون الجلوس إليه ولا الأخذ من علمه.. لقد أحبه الكثير من الناس، من كل الشرائح، من ذكر وأنثى، في كل ربوع هذا الوطن، بل حتى خارج الوطن، واعتبروه مشكاة نور، سوف يبقى نوره بين الأجيال إلى أن يزول هذا الكون. فيكفيه فخرا واعتزازا، أنه تعلم القرآن وعلمه، وسار به بين كل الأجيال طيلة سنوات عديدة.

مقالات ذات صلة