العنف الخفي في خطاب الذات!!
يعيش الإنسان وهو يظن أن أخطر ما يواجهه يأتيه من الخارج، من قسوة العالم ومن تقلّبات الأيام ومن خيبات الآخرين، غير أن ما يفتك به في الغالب يحدث في منطقة لا يراها أحد، في تلك المساحة الداخلية التي يخاطب فيها نفسه ويعيد فيها سرد قصته ويقيّم بها قيمته ومعناه. هناك، في ذلك الحوار الصامت، تُقال كلمات لا تُسمع ولكنها تُثقل الروح، وتُستعمل نبرات لا تُدرك ولكنها تترك أثرا عميقا، فينشأ نوع من العنف الهادئ الذي لا يترك كدمات ظاهرة لكنه يُضعف القدرة على الاحتمال ويستنزف الطمأنينة شيئا فشيئا، حتى يصبح الإنسان متعبا من دون سبب واضح، مثقلا دون حمل مرئي، وكأن ذاته تُنهك من الداخل ببطء ودون ضجيج.
ويتكون هذا العنف الداخلي عبر تراكمات صغيرة من العتاب القاسي ومن التقييم الصارم ومن اللغة الجافة التي يوجّهها الإنسان إلى نفسه كلما تعثّر أو أخطأ أو تأخر، فتتحول الذات إلى ساحة محاكمة دائمة، ويغدو الحديث الداخلي أداة ضبط قاسية تُقاس بها القيمة الإنسانية بمعايير لا ترحم ولا تراعي هشاشة الكائن البشري في لحظات ضعفه.
وقد انتبه علم النفس إلى خطورة هذا المسار منذ وقت مبكر، حيث أشار آرون بيك إلى أن الأفكار التلقائية التي تتكرر في الذهن تشكّل البنية العاطفية للفرد وتؤثر في إدراكه لذاته وللعالم، فالإنسان لا يعيش الوقائع كما هي وإنما كما يفسرها لنفسه، وعندما تكون هذه التفسيرات محمّلة بالاتهام والتقليل والتشكيك، يصبح الوعي ذاته مصدر توتر دائم، وتتحول الحياة اليومية إلى عبء نفسي حتى في أكثر لحظاتها عادية.
ويتقاطع هذا التحليل النفسي مع البعد الروحي الذي وصف هذا الصوت المتسلل بالوسواس الخنّاس، ذلك الصوت الذي لا يأمر ولا ينهى وإنما يهمس ويعيد التذكير بالنقص ويضخّم الإخفاقات الصغيرة ويجعل الإنسان في حالة استنفار داخلي مستمر، فيعيش قلقا لا يعرف له اسما وخوفا لا يستطيع تحديد مصدره، وكأن الروح تُستنزف من داخلها من دون صراع ظاهر.
ومع تقدّم الإنسان في العمر، تتغير أشكال المواجهة وتتعقّد طرق التسلل، حيث لا يعود الانحراف الفجّ هو المدخل الأسهل، وإنما يصبح القلق بابا واسعا، ويتحوّل الحرص إلى توتر، وتتحول المراجعة إلى جلد ذاتي، فيجد الإنسان نفسه غارقا في تفكير لا يهدأ وفي محاسبة لا تتوقف، وتصبح الحياة سلسلة من الأيام المتشابهة التي تُعاش دون ذوق داخلي ومن دون إحساس حقيقي بالامتلاء.
وقد وصف زيغمونت باومان هذا الوضع بوصفه إحدى علامات العيش في زمن السيولة، حيث يُدفع الفرد إلى تقييم ذاته باستمرار، ويُطلب منه أن يكون دائم الجاهزية ودائم التبرير، فينشأ شعور خفي بعدم الاكتمال، ويتحوّل القلق إلى رفيق يومي، ويغدو الإنسان محاطا بالنعم من الخارج ومحروما من السكينة في الداخل، يؤدي أدواره الاجتماعية بكفاءة ظاهرة ويعيش في داخله فراغا لا يملؤه شيء.
ومن زاوية فلسفية، يلتقي هذا المعنى مع ما أشار إليه سبينوزا حين ربط الفرح باتساع القدرة على الوجود، فكل خطاب داخلي يضيّق أفق الإنسان ويحدّ من ثقته ويختزل قيمته يُضعف هذه القدرة ويقلّص إمكان العيش بامتلاء، فيتحول الوجود إلى مجرّد استمرار وظيفي يخلو من الحيوية ومن الشعور بالمعنى.
إن أخطر ما في هذا العنف الخفي أنه يتخفّى في هيئة وعي ونقد ذاتي ومسؤولية، ويقنع صاحبه أنه طريق النضج والرشد، بينما هو في العمق مسار إنهاك بطيء يفقد الإنسان لذة الحياة دون أن ينتبه، فيؤمن بالله ويعترف بالنعم ويؤدي واجباته اليومية دون أن يشعر بحضور الطمأنينة في قلبه ودون أن يتذوق أثر الإيمان في روحه.
ومن هنا تصبح إعادة النظر في طريقة حديث الإنسان إلى نفسه ضرورة وجودية وأخلاقية، حيث إن الرفق بالذات لا يعني التهاون ولا إنكار الأخطاء، وإنما يعني استبدال لغة القسوة بلغة الفهم، ولغة الإدانة بلغة المعنى، ولغة التكسير بلغة الرحمة التي تسمح للإنسان أن ينهض دون أن يسحق نفسه في كل مرة يتعثر فيها.
وهكذا يتبيّن أن معركة الإنسان المعاصر تدور في مساحة دقيقة وغير مرئية، في الصوت الذي يرافقه ويلازمه ويعيد تشكيل علاقته بذاته وبالعالم، صوت إذا تُرك دون وعي تحوّل إلى مطرقة خفية تكسر الروح ببطء، وإذا أُعيد تهذيبه صار جسرا للسكينة وطريقا للتصالح ونافذة يعود منها الإنسان إلى نفسه أقل خوفا وأكثر قدرة على العيش بسلام داخلي يليق بإنسانيته.