جواهر
تعنّت الآباء وغلاء المهور واللّهث خلف الرّواتب أهمّ أسبابها

العنوسة.. الشّبح الذي يطارد الفتيات والشّباب

جواهر الشروق
  • 16747
  • 100

عادت بعض الأوساط الإعلاميّة في الأيام الأخيرة للحديث عن العنوسة في الجزائر، وأشارت إلى أرقام أصدرها المعهد الوطني للإحصاء، تؤكّد وجود ما يقارب 11 مليون فتاة من دون زواج في هذا البلد، 5 ملايين منهنّ تجاوزن الخامسة والثلاثين من أعمارهنّ، وتشير ذات الإحصاءات إلى أنّ ما يقارب الـ200 ألف فتاة يدخلن مرحلة العنوسة كلّ عام، وهي أرقام تدعو إلى القلق، كيف لو أضفنا إليها ملايين الشّباب الذين أصبح الزّواج بالنّسبة إليهم حلما لا يتحقّق إلاّ على مشارف سنّ الكهولة!

غلاء المهور  .. العقبة التي قصمت الظّهور

الأرقام المشار إليها آنفا هي حصاد الخضوع للواقع والتقاليد العرجاء، والتنافس على المظاهر الجوفاء، وحصاد البعد عن شرع الله ربّ الأرض والسّماء، يوم أصبح كثير من الأولياء يؤثرون دار الفناء على دار البقاء، وينظرون إلى بناتهم على أنّهنّ سلع معروضة للبيع والشّراء، يساومون في المهور فيطلبون الملايين، ويضعون من الشّروط ما يعجز عن وفائه أكثر الشّباب في هذا الزّمان؛ أصبحت تكاليف الزّواج لا تنزل عن 100 مليون سنتيم، وأصبح كثير من الشّبابّ لا يفكّر الواحد منهم في الزّواج حتى يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره!.. فإلى أين نتّجه وإلى أين نسير؟ إنّنا نتّجه إلى حيث الفساد والخراب والشّرور، إلى حيث الزّنا والخنا والفجور. إذا أوصدت أبواب الحلال، ووضعت في طريقه العقبات، فإنّ شبابنا الذين لم يتسربلوا بالتقوى، سيتوجّهون إلى طرق الحرام والمنكرات.

فمتى سيدرك الآباء والأولياء أنّ المَهر ليس ثمنا للمرأة؛ فغلاؤه ليس دليلا على كرامتها، ويُسره ليس دليلا على وضاعتها، ولو كان غلاء المهر دليلا على كرامة المرأة لكانت أوْلى النّساء بذلك سيّدة نساء العالمين، فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ابنة سيّد المرسلين وأفضل خلق الله أجمعين، التي كان مهرها درعا حطمية قديمة، لا تتجاوز قيمتها 400 درهم. لقد زوّج النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم رجلاً بما معه من القرآن، وقال لرجل آخر: “التمس ولو خاتمًا من حديد”، وكان الفاروق رضي الله عنه يقول: “ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنّها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى في الآخرة، لكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أولاكم بها”.

آباء لا يزوّجون بناتهم حرصا على رواتبهنّ وخدماتهنّ!

بعض الآباء -هداهم الله- لا يتوانى الواحد منهم في ردّ الخطّاب عن ابنته، لا لشيء إلا لأنّها موظّفة تسلّم إليه راتبها أو جزءًا منه في آخر كلّ شهر، وفي سبيل ذلك يختلق أوهى الأعذار، ويسوق أوهن المبرّرات لردّ كلّ من يطرق الباب، وربّما يتجرّأ ويقول لابنته بكلّ صراحة: يجب أن تردّي إليّ ما أنفقتُ عليك! وينسى أنّ ما أنفقه عليها كان واجبا عليه وليس منّة يتفضّل بها عليها.. وهكذا يُفني هذا الأب زهرة شباب ابنته لأجل راتبها، ويقتلها حسرة وكمدا لأجل متاع من الدّنيا قليل.

ومن الآباء من يرفض زواج ابنته، ويردّ الخطّاب عن الباب، لأنّه يريد أن تبقى ابنته في بيته لتخدمه، لتطهو طعامه وتغسل ثيابه.. وربّما يهدّدها إن هي تزوّجت أن يهجرها، ولا يكلّمها مدى الحياة، وينسى أنّ لها حقا في هذه الحياة، ينسى أنّها امرأة لا بدّ لها من زوج وبيت وأولاد، ينسى أنّها امرأة تتمنّى أن تكون أمًا، وأن تسمع كلمة “أمّاه”، ينسى أنّها تموت في اليوم مرّات ومرّات وهي ترى النّساء يضاحكن ويلاعبن أبناءهنّ.

آباءٌ يطلبون لبناتهم أزواجا أثرياء ويرفضون الفقراء!

من الآباء من يردّ الخطّاب عن بناته بسبب فقرهم أو تواضع مناصبهم، ويظلّ ينتظر لبناته خطّابا بمواصفات معيّنة، حتى يتقدّم بهنّ العمر، ويتجاوزن مرحلة الثلاثينات، ويتجرّعن الغصص والحسرات، وربّما يسوّل لهنّ الشّيطان الوقوع في حبائل المعاكسات الهاتفية لملء الفراغ، وربّما يزيّن لهنّ الوقوع في الفاحشة؛ والفتاة إذا وقعت في الحرام فهي تتحمّل وزرها كاملا، ولكنّ أباها أو وليها سيتحمّل وزر التسبّب في رزيتها. يقول جلّ من قائل: ((وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ والصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَليمٌ)). ويقول الحبيب المصطفى عليه الصّلاة والسّلام: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه، إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). ويقول الفاروق عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: “ابتغوا الغنى في النّكاح”.

الصّغرى لا تتزوّج حتى تتزوّج الكبرى!

من أسباب انتشار العنوسة أيضا، إصرار بعض الأسر على لزوم عادات وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان، لعلّ من أشنعها أنّ بعض الآباء يرفض الواحد منهم تزويج بنت من بناته قبل زواج أخواتها الأكبر منها، وقد لا يتقدّم أحد للكبرى، فتبقى باقي الأخوات حبيسات البيت، لأنّ نصيب أختهنّ لم يحن بعد، وربّما يدخلن جميعا مرحلة العنوسة واليأس بسبب هذه العادة السيّئة. فعلى الآباء أن يتّقوا الله ولا يعترضوا حكم الله؛ إنّ لكلّ عبد في هذه الدّنيا نصيبه، ولا يجوز أن يُربط نصيبُ عبد بعبد آخر، والله -جلّ وعلا- هو من يقسم الأرزاق بحكمته سبحانه. كما أنّه لا يجوز للأب المسلم أن ينشر الحقد والضّغينة بين بناته اللاتي حملهنّ بطنٌ واحد وآواهنّ حجر واحد، خضوعا لعادات بالية لا يقرّها دين ولا عقل.

ولبعض العوانس دورٌ في محنتهنّ

إذا كان للآباء والأولياء دور في انتشار العنوسة واستشرائها، فإنّ للفتيات أيضا دورًا لا يقلّ خطورة عن دور الأولياء، حيث ترفض كثير منهنّ الزّواج، وتردّ الواحدة منهنّ عشرات الخطّاب بحجّة أنّها تريد إتمام دراستها، فإذا ما أتمّت دراستها رفضت الزّواج قبل الحصول على وظيفة، فإذا ما حصلت على وظيفة تحجّجت بجمع المال الكافي لزواجها، وهكذا حتى تدخل مرحلة الثلاثينات، وربّما تفني زهرة شبابها في اللّهث خلف الشّهادات والمناصب، فينقطع عنها الخطّاب، ويعزف عنها الشّباب، ولا يطرق بابها إلا الكهول والشّيوخ ممّن يريدون مالها، فتظلّ ترفض من يتقدّم لخطبتها حتى تصل إلى مرحلة لا تجد لها أنيسا إلا البكاء.

نعم، المجتمع في حاجة إلى الطّبيبة المؤمنة التقية، وإلى الممرّضة الرؤوم المشفقة، وإلى المعلّمة المربّية الحانية، يعملن في أماكن تحفظ دينهنّ وكرامتهنّ، ولكنّ هذا لا ينبغي أن يكون على حساب الزّواج والأمومة، لأنّ الأصل في خَلق المرأة أن تلتزم العبودية لله، وتسكن إلى زوج يصونها وتصونه، وتبني معه أسرة مسلمة على تقوى من الله ورضوان، يقول الحقّ جلّ وعلا: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)).

رسالة إلى الآباء والأولياء

لقد آن للآباء والأولياء أن يتّقوا الله في بناتهم وأخواتهم ولا يكونوا سببا في شقائهنّ وتعاستهنّ، من سهّل سهّل الله عليه ومن يسّر يسّر الله عليه.. والله إنّه ليس حراما ولا عيبا أن يخطب الأب لابنته، أو الأخ لأخته، فيذهب الأخ مثلا إلى من يرى فيه الخير والصّلاح فيقول: يا أخي إنّي أحسبك على خير وصلاح، ولي أخت لا أجد أنسب لها منك، فإن رأيت أن تتزوّجها فستجد منّا كلّ سماحة ويسر. عمر بن الخطّاب عرض ابنته حفصة على الصدّيق أبي بكر ليتزوجها فتعلّل له، لم ييأس الفاروق فعرضها على ذي النّورين عثمان بن عفّان رضي الله عنه. لم يتزوّجها أبو بكر ولا عثمان، ولكنّه تزوّجها من هو خير منهما رسول الله عليه الصّلاة والسّلام.

رسالة إلى أصحاب الأموال

كثير ممّن أغدق الله عليهم الأموال، وأوسع لهم في الأرزاق، لا يرون حلا لظاهرة العنوسة إلا في تعدّد الزّوجات، وهو -لا شكّ- حلّ من الحلول المشروعة، لكنّه علاوة على أنّه ليس الحلّ الأوحد والوحيد، فإنّه مع ذلك لا يفرّج كرب الشّباب الأيامى الذين أصبح الزّواج بالنّسبة إليهم حلما صعب المنال، بسبب قلّة ذات أيديهم، فلماذا لا يقدّم أصحاب الأموال المتزوّجون الذين يُبدون اهتمامهم وحسرتهم على الفتيات غير المتزوّجات، لماذا لا يقدّمون يد العون للشّباب العانسين ليتزوّجوا الفتيات اللاتي تتهدّدهنّ العنوسة، فيكسبوا أجرا مضاعفا؟ إنّه ليس من الحكمة أن يفكّر بعض الرّجال في الزّوجتين والثّلاث والأربع، بينما لا يجد ملايين الشّباب ما يكفيهم للظّفر بزوجة واحدة. إنّ تزويج الشّباب من أعظم أبواب الأجر، بل ومن أهمّ أبواب الدّعوة إلى الخير وإشاعة الفضيلة ومحاصرة الرّذيلة.

رسالة إلى من تأخّر بهنّ قطار الزّواج

رسالة أخيرة نوجّهها إلى أخواتنا المؤمنات اللاتي تأخّر عنهنّ قطار الزّواج، وبلغن الثّلاثينات والأربعينات. نقول لهؤلاء الأخوات المؤمنات: ألا فاصبرن يا أخوات، فإنّ الأرزاق بيد الله، اصبرن وإياكنّ وعقوق الوالدين، إنْ أخطأ الوالد فلا يجوز أن يواجه بالعقوق والجفاء.. اتّقين الله وإياكنّ والتبرّج، إياكنّ والمعاكسات الهاتفيّة، إياكنّ وذئاب الشّوارع الذين يريدون استغلال معاناتكنّ لجرّكنّ إلى الرّذيلة.. اتّقين الله وعليكنّ بالصّيام والقيام، فهما أنيس من لا أنيس له.

الزّواج نصيب، قد يتأخّر بسبب ظلم وتعنّت الآباء، أو بأيّ سبب آخر، لكنّ الله -جلّ في علاه- وعد ووعده حقّ، أنْ يجعل لكلّ من يتّقيه فرجا ومخرجا: ((وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)). اتّقين الله وأكثرن من الدّعاء والجأن إلى الله في جوف اللّيل.. ووالله إنّا لنعرف أخوات مؤمنات تأخّر عنهنّ الزّواج، ولكنّهنّ لزمن تقوى الله، فرزقهنّ الله في أواخر الثلاثينات وفي الأربعينات، بل وفي الخمسينات أزواجا لم يكنّ يحلمن بهم في العشرينات. 

مقالات ذات صلة