الشروق العربي

العولة وحق الطير.. عادات تستقبل الشتاء في طريقها الى الاندثار

فاروق كداش
  • 763
  • 1

ربما لا يمكن لأي عائلة أن تستغني عن الثلاجة في وقتنا الحالي، ولا يمكنها بأي حال من الأحوال تخيل الحياة بدون مصبرات وصلصات جاهزة، ولكن هل فكرتم يوما كيف كان الجزائريون قديما يحفظون المؤونة وهل كانت لديهم طقوس معينة لاستقبال الشتاء القارص خاصة خارج المدن الكبيرة؟

الشروق العربي تكشف لكم أسرار الحياة في زمن النية والحشمة رغم الظروف الصعبة.

كانت العائلة الجزائرية في زمن غير بعيد تعتمد على نظام اقتصادي منزلي لا تحاكيه أنظمة اليوم المتطورة، وهذا قصد مواجهة أيام البرد الشديد خاصة في المناطق الريفية وحتى الحواضر التي كانت تلجأ إلى ما يسمى بالعولة، وهي الزاد المجهز لفصل الشتاء، والذي كانت تحضره النسوة في الصيف والخريف ويخبأ في “بيت المونة” أي غرفة المؤونة في آواني خاصة، تختلف تسميتها من منطقة إلى أخرى فتارة تسمى الزير وتارة تسمى المطمورة وتارة ثالثة تعرف باسم الخابية.

وهي أواني تصنع من الفخار، لحفظ الماء بارداً أو الزيت أو العولة مثل الكسكسي والقمح والشعير والبقوليات وغيرها من الحبوب، وعادة ما يوضع فوقها مكيال أوالكيلة أو “الڤاميلة” لكي تتمكن من إخراج ما يكفيك فقط من أكل أو دسم.

وكانت هذه الأواني العجيبة معروفة عند أغلب الناس، لكن استعمالها اليوم قليل جداً بسبب توفر الثلاجات والقوارير والمصبرات بأنواعها.

في المناطق الجبلية كانت الأسر لا تخزن مؤونتها في بيت المونة، بل في الكهوف المجاورة الباردة والتي تحفظ مخزونهم بطريقة طبيعية لا تتدخل فيها يد إنسان.

الخشب والحطب كان من بين مواد العولة قديما ولحد الساعة في بعض المناطق البعيدة غير المزودة بالغاز، قد يحدث طارئ ما فتنقطع الكهرباء أو تنقطع قوارير البوتان، فمن المفيد أن يخزن الحطب لحين ميسرة.

كانت صور حبات الكسكسي الصفراء مثل كرة شمس ملتهبة منثورة فوق قطع القماش كي تجف تحسبا لتخزينها، من أجمل صور الطفولة بالنسبة لما يسمى بالجيل الذهبي، لأن الكسكس المحضر لم يكن يباع حينها، واختيار الطعام أو الكسكسي كان ذكيا لأنه سهل التحضير لا ينقصه سوى مرق وبعض الخضار واللحم، ويجهز معبقا ببخاره المتصاعد ورائحته الشهية في الأجواء الباردة.

بعد الكسكسي والبركوكس والعصيدة تأتي بعض أشهر المواد المجففة كالفلفل والطماطم والتين والمشمش والبقوليات مثل العدس والفاصولياء والبازلاء، أما مصدر البروتين إلى جانب البيض كان اللحم المجفف أو ما يعرف بالقديد أو الخليع حسب المناطق، الذي يجهز للتخزين بطرق تقليدية لكنها فعالة للغاية.

للطائر حق في العولة

في القديم كانت هناك عادة جزائرية تعكس إنسانية الناس حينها، فقد كانت النسوة حين يحضرن العولة أي يجهزون لفتل الكسكسي أو الطعام أو النعمة، يتركون جزءا منه للطيور وهي الحبات العنيدة التي تأبى أن تخترق السيار أو الغربال، وتسمى مثلا في الشرق النعمة المعندة، وكان المعتقد السائد أن حق الطير يطرح البركة في الكسكسي ولا يفسد أبدا.

في بعض المناطق كان ما يتبقى من الطعام يسوى ما يدعى بالقليط ويخلط باللحم أو بالأحشاء ويقدم للقطط أو النسور والغربان.

في الأخير كم نحن للأيام الخوالي التي لا يعرف عنها جيل اليوم شيئا سوى أنها كانت تصنف تعبا وشقاء وشكلا من أشكال “الميزيرية”، ولكن أليس الأجدر بنا الحفاظ على هذه العادات وتعلم تقنياتها وتوريثها من جيل لجيل؟، فمن يدري فقد يأتي زمن تعود فيه الحياة إلى بدايتها وبساطتها وكما يقول المثل يجب أن نقراو للزمان عقوبة.

مقالات ذات صلة